قد يبدو اللاعنف، للوهلة الأولى، نقيضًا للمقاومة. فمن لا يرد القوة بالقوة قد يُنظر إليه على أنه متراجع أو عاجز عن المواجهة. لكن تاريخ الحركات السياسية والاجتماعية يقدم صورة أكثر تعقيدًا: الامتناع عن حمل السلاح لا يعني بالضرورة الامتناع عن الصراع؛ فقد يعني اختيار أدوات أخرى للضغط وتعطيل ما يراد الاعتراض عليه.
في 2 أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام، تحيي الأمم المتحدة اليوم الدولي للاعنف، تزامنًا مع ذكرى ميلاد المهاتما غاندي، أحد أبرز من ارتبط اسمهم تاريخيًا بالمقاومة اللاعنفية. وقد أقرت الجمعية العامة المناسبة عام 2007 بهدف نشر رسالة اللاعنف، بما في ذلك عبر التعليم والتوعية العامة
لكن المسافة كبيرة بين الدعوة العامة إلى "السلام" وبين ما يُعرف في الدراسات السياسية والاجتماعية بـالعمل اللاعنفي. فالأخير أوسع من رفض العنف؛ إنه مجموعة من وسائل الاحتجاج وعدم التعاون والتدخل تستخدم في الصراعات السياسية والاجتماعية من دون اللجوء إلى العنف الجسدي.
اللاعنف لا يعني ألا تفعل شيئًا
حين رفضت روزا باركس في مونتغومري عام 1955 التخلي عن مقعدها في الحافلة، لم تكن تحمل سلاحًا. وما تبع ذلك لم يكن انتظارًا صامتًا أيضًا.
فقد نظم الأميركيون السود في المدينة مقاطعة لحافلات النقل العام استمرت 381 يومًا، واعتمد المشاركون المشي ونظامًا واسعًا للسيارات المشتركة بدلًا من الحافلات. وانتهت المقاطعة بعد مسار قضائي أسقط الفصل العنصري في حافلات مونتغومري. ويوثق National Park Service استمرار المقاطعة 381 يومًا والدور الذي أدته في حركة الحقوق المدنية الأميركية.
يكشف هذا المثال جانبًا أساسيًا من فكرة المقاومة اللاعنفية: بدل استهداف الخصم بالقوة، يمكن الضغط عليه عبر سحب أشكال التعاون التي يعتمد عليها استمرار الوضع القائم، من الامتناع عن الشراء والعمل إلى رفض المشاركة أو الامتثال.
ولهذا لا يُعرَّف العمل اللاعنفي بأنه "عدم فعل شيء". ففكرته تقوم على ممارسة الضغط بوسائل لا تستخدم العنف الجسدي، وقد تشمل الامتناع عن أفعال معتادة أو مطلوبة، أو القيام بأفعال جديدة تعرقل استمرار الوضع القائم.
من المسيرة إلى المقاطعة
ليس التظاهر في الشارع سوى أداة واحدة في هذه الترسانة. فقد جمع الباحث جين شارب 198 وسيلة للعمل اللاعنفي، وصنفها في ثلاث مجموعات واسعة: الاحتجاج والإقناع، وعدم التعاون الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ثم التدخل اللاعنفي.
وتضمّ هذه القائمة الإضرابات والمقاطعات والاعتصامات ورفض تنفيذ بعض الأوامر، إلى جانب إنشاء مؤسسات ووسائل بديلة.
ويختلف أثر كل وسيلة باختلاف طبيعة النزاع. فالمسيرة قد تُظهر حجم التأييد لقضية ما، بينما تستهدف المقاطعة موردًا اقتصاديًا، ويستطيع الإضراب تعطيل الإنتاج أو الخدمات، فيما يجعل العصيان المدني تطبيق قانون أو سياسة معينة أكثر صعوبة.
ومن هنا تأتي الفكرة التي تميز اللاعنف المنظم عن الاحتجاج الرمزي وحده: فالسؤال لا يقف عند عدد من خرجوا إلى الشارع، ويمتد إلى ما توقف عن العمل نتيجة تحركهم.
حفنة ملح تتحدى قانونًا
أحد أشهر الأمثلة جاء من الهند عام 1930. ففي 12 مارس/ آذار، خرج غاندي مع عشرات من رفاقه من سابارماتي متجهًا إلى بلدة داندي الساحلية، في مسيرة قطعت نحو 385 كيلومترًا احتجاجًا على قوانين الملح البريطانية.
وتحدد المصادر الهندية الرسمية طول مسيرة غاندي بنحو 241 ميلًا، أي نحو 388 كيلومترًا. وفي 6 أبريل/ نيسان، خالف غاندي قانون الملح في داندي، لتتسع حملة العصيان في مناطق أخرى من الهند.
لم تكمن قوة الفعل في كمية الملح التي جُمعت؛ فمصدرها بساطته وإمكان تكراره. فالملح سلعة يحتاج إليها الجميع، وتحويله إلى موضوع للعصيان أتاح لفئات واسعة المشاركة في تحدي أحد قوانين السلطة الاستعمارية من دون حمل السلاح.
وهنا يظهر أيضًا فارق مهم بين اللاعنف فلسفةً أخلاقية واستخدامه استراتيجيةً سياسية. فقد تتبنى حركة ما اللاعنف مبدأً، بينما تنظر إليه أخرى بوصفه أداة عملية لاختيار شكل المواجهة.
بيت ساحور.. حين أصبحت الضريبة أداة احتجاج
في فلسطين، قدمت بيت ساحور خلال الانتفاضة الأولى أحد أوضح الأمثلة على فكرة عدم التعاون.
فمنذ بدايات الانتفاضة، شارك تجار وسكان في البلدة قرب بيت لحم في رفض دفع الضرائب للسلطات الإسرائيلية، ضمن حملة للعصيان المدني. ووثقت منظمة الحق في يوليو/ تموز 1988 أن تجار البلدة كانوا يمتنعون عن دفع الضرائب منذ بداية الانتفاضة، وهو ما يوثّقه تقرير نشرته لجنة الحقوقيين الدولية.
وتصاعدت المواجهة بصورة كبيرة في خريف 1989. فقد رافقت قوات إسرائيلية موظفي الضرائب خلال عمليات مصادرة ممتلكات من المنازل والمتاجر مقابل الضرائب غير المدفوعة، فيما أُعلنت البلدة منطقة عسكرية مغلقة وفُرضت عليها فترات حظر تجول.
ويوثق تقرير للأمم المتحدة عن بيت ساحور أن العملية استمرت نحو ستة أسابيع، وأن البلدة أُغلقت أمام الخارج وقطعت خطوط الهاتف، فيما صودرت ممتلكات واعتُقل عشرات من التجار. وقالت الإدارة المدنية الإسرائيلية آنذاك إن عمليات التحصيل تجري وفق القانون، في حين أثارت الإجراءات انتقادات من منظمات حقوقية وجهات دولية.
حين يتوقف الناس عن التعاون
في بولندا، اتخذت المقاومة شكلًا آخر. فمنذ صيف 1980، تحولت الإضرابات العمالية إلى حركة "تضامن"، التي توسعت لاحقًا إلى حركة اجتماعية وسياسية واسعة. وبعد فرض الأحكام العرفية وحظر الحركة، استمرت شبكات المعارضة والمنشورات والأنشطة الموازية سرًا، قبل أن تعود الإضرابات والمفاوضات في نهاية الثمانينيات.
وأفضت محادثات "المائدة المستديرة" إلى انتخابات شبه حرة في يونيو/ حزيران 1989. لم يكن التنافس على مجلس النواب مفتوحًا بالكامل؛ إذ ضمنت الاتفاقات 65% من مقاعده للحزب الحاكم وحلفائه، بينما فُتح التنافس على 35%، في حين جرت انتخابات مجلس الشيوخ بحرية. وتظهر بيانات الاتحاد البرلماني الدولي أن مرشحي لجنة المواطنين المرتبطة بـ"تضامن" حصلوا على المقاعد الـ161 المتاحة لهم في مجلس النواب.
وفي مجلس الشيوخ، فاز مرشحو الحركة بـ99 من أصل 100 مقعد بعد جولتي الاقتراع، في نتيجة كشفت الفارق الكبير بين الترتيب السياسي المتفاوض عليه وبين اتجاه التصويت الشعبي.
لكن هل ينجح اللاعنف دائمًا؟
لا
لا ينجح خيار اللاعنف دائمًا. فغياب السلاح لا يمنع القمع، ولا يجعل تحقيق الأهداف مضمونًا. وقد واجهت حركات لاعنفية كثيرة الاعتقال والعنف والقتل، كما انتهت حملات أخرى إلى الفشل أو إلى مكاسب محدودة.
وتظهر أبحاث الباحثة إيريكا تشينويث أن المقاومة المدنية اللاعنفية أصبحت خلال العقود الأخيرة من أكثر أشكال التعبئة استخدامًا في الحملات السياسية الكبرى، لكن فاعليتها بدأت تتراجع خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حتى مع ازدياد انتشارها.
وفي دراسة نشرتها عام 2020، ربطت تشينويث هذا التراجع بعوامل تشمل تطور وسائل الحكومات في التعامل مع الحركات، إلى جانب تغيرات في بنية حركات المقاومة نفسها وقدراتها التنظيمية والاستراتيجية.
ولا تعني هذه النتائج وجود معادلة تضمن نجاح الاحتجاج اللاعنفي. فهي تتناول حملات سياسية جماهيرية محددة، وتظهر أن طريقة التنظيم والاستراتيجية والقدرة على توسيع المشاركة والحفاظ عليها مهمة بقدر اختيار وسيلة الاحتجاج نفسها.
المقاومة من دون رصاصة
قد تكون الصورة الأشهر للاعنف يدًا لا تحمل سلاحًا، لكنها لا تشرح الفكرة كاملة.
فقد يكون اللاعنف عاملًا لا يدخل مصنعه، أو مستهلكًا يمتنع عن شراء منتج، أو طالبًا يجلس في مكان مُنع منه، أو سكان بلدة يرفضون دفع ضريبة، أو مجتمعًا يبني وسيلة نقل أو إعلامًا أو مؤسسة بديلة.
ولا تجعل هذه الوسائل الصراع أقل حدة بالضرورة، كما أنها لا تضمن نتيجته. لكنها تغير السؤال الذي تقوم عليه المواجهة.
هنا يبتعد اللاعنف عن معنى الاستسلام. فهو لا يلغي المقاومة، لكنه يحاول نقل جزء أساسي منها من ميدان السلاح إلى ميدان المشاركة والطاعة والعمل والاقتصاد.