من رسوم الكهوف مرورًا بالآثار اليونانية والرومانية، وإلى ما بعد كنوز العهد العثماني، يُوفّر المتحف الوطني الليبي بحلته الجديدة فرصة لإعادة اكتشاف تراث يسمُو على الأحقاد في بلد يعاني انقسامات عميقة.
وبمجرد عبور عتبة السرايا الحمراء -القلعة التاريخية العريقة في قلب طرابلس- ينطلق الزوار في رحلة عبر التاريخ الليبي -هي بمثابة رحلة تعريفية لجيل الشباب- في المتحف الذي افتُتح أخيرًا في العاصمة الليبية.
وتقول نرمين الميلادي، وهي طالبة هندسة معمارية في جامعة طرابلس (22 عامًا) لوكالة فرانس برس: "منذ أن دخلت إلى المتحف قبل أقل من ربع ساعة، وأنا أشعر كأنني سافرت إلى مكان آخر أو زمن آخر".
وتوضح شقيقتها آية التي تُعدّ مشروع التخرج بدرجة الماجستير في التصميم الداخلي، أن ما لفت نظرها هو "توزيع القاعات والإضاءات الدقيقة والمعايير التصميمية، وكذلك توزيع الشاشات والوسائل التفاعلية"، مشيرةً خصوصًا إلى "مراعاة سهولة التنقل لذوي الحاجات الخاصة وهو ما يجعله في متناول الجميع".
14 عامًا من الإغلاق
ويقول عضو مجلس إدارة مصلحة الآثار والبعثة الأثرية الفرنسية محمد فكرون لوكالة فرانس برس، إن المتحف الوطني الذي يمتد على مساحة 10 آلاف متر مربع مُوزعة على أربعة طوابق، شهد "فترة عصيبة خلال سنوات إغلاقه الـ14".
ويتذكر عالم الآثار (63 عامًا)، والذي أمضى 38 عامًا مع البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا، أن مصلحة الآثار، وخوفًا من أعمال النهب والتخريب التي أعقبت الثورة الليبية، نَقلت كل القطع الأثرية وحفظتها في أماكن آمنة.
وتقول فتحية عبدالله أحمد التي عُينت مديرة للمتحف الوطني، إن "مصلحة الآثار والعاملون فيها حرصوا منذ بدء الاضطرابات على الحفاظ على سلامة هذه القطع والموروث التاريخي والحضاري الذي يهم كل الليبيين".
وكانت المديرة الجديدة للمتحف من بين القلائل الذين يعرفون موقع الغرف المُسوّرة، التي خُبّئت فيها كنوز المتحف لأكثر من عقد، ما أتاح الحفاظ عليها في انتظار إعادة افتتاحه "بحُلة حديثة ترقى إلى المعايير العالمية".
وباعتزاز، يشرح فكرون أن المتحف خَصّص غرفة كاملة "لابن مدينة لبدة الكبرى الليبية الساحلية سيبتيموس سيفيروس، الذي حكم الإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث"، وغرفة أخرى لعرض قطع أثرية مسروقة تمت استعادتها، لا سيما من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
عودة لرمز وطني
ويرى العديد من الليبيين أن افتتاح المتحف في الثاني عشر من ديسمبر/ كانون الأول، شكل "عودة لرمز وطني" و"علامة استقرار" بعد سنوات من الحرب الأهلية.
وتقول مهندسة التصميم الداخلي آية (26 عامًا): إن "إعادة افتتاح المتحف الوطني في هذا التوقيت بالذات تعني أن طرابلس بدأت تستعيد روحها، لأن المتحف هو في نظرنا رمز للتاريخ وعودته مؤشر استقرار".
وتضيف: "هذه خطوة مهمة لتذكير الليبيين جميعًا بأن يتصالحوا مع بعضهم ومع ماضيهم العريق الذي يجهله كثيرون منهم".
وتؤيدها في الرأي المدرِّسة فاطمة الفقي (48 عامًا)، والتي توضح أنها رافقت مجموعة من طالبات المرحلة الثانوية "لتعريفهن بالتاريخ الليبي وغرس روح الوطنية لديهن".
وتكشف المُدرِّسة أن "هناك فرقًا شاسعًا" بين المتحف القديم الذي زارته في رحلة مدرسية قبل 30 عامًا والمتحف الذي "أُعيدُ اكتشافه اليوم".
رسالة المتحف الوطني الليبي
ورغم الصعوبات الاقتصادية التي تعانيها ليبيا -الدولة الغنية بالنفط التي تواجه نقصًا متكررًا في السيولة والوقود- استثمرت حكومة طرابلس ما يناهز ستة ملايين دولار في ترميم الموقع والمناطق المحيطة به.
ويوضح فكرون أن العمل الذي امتد على مدى ست سنوات، نُفِّذ "بالتعاون مع البعثة الفرنسية ومؤسسة "ألف" (وهي تحالف دولي لحماية التراث في مناطق النزاع)، اللتين توَلّتا مسؤولية الدراسات والجرد وتدريب الموظفين".
ويشير إلى أن المتحف يهدف إلى توصيل رسالة عن الهوية الثقافية وبث الأمل في نفوس الزوار "الذين لم يكن 95% منهم قد وُلدوا حتى عند افتتاحه قبل 2011".
وفي حين قد يضحك بعض التلامذة لدى رؤية "التماثيل الرومانية العارية تمامًا!"، فإنهم يُعبّرون عن دهشتهم أمام حجمها وملامحها الجامدة، مثلما يعبرون عن إعجابهم بالسيوف والبنادق التركية التي تعود إلى القرن الـ16، أو استغرابهم أمام الحيوانات المحنطة في قسم التاريخ الطبيعي.
وتقول مريم (6 سنوات)، والتي زارت المتحف برفقة والدتها: "جئتُ لأتعرف على تاريخنا وأعرف ما سأفعله لمستقبلنا. أعجبني كل شيء، اطلعت على تاريخنا ورأيت أشياء جديدة".
وتُعرب والدتها سارة المُعتمد (34 عامًا) عن أملها في أن تُدرك ابنتها "أننا لسنا بدون تاريخ أو حضارة، فالكثيرون لا يعرفون أن بلادنا لديها تاريخ يعود إلى آلاف السنين وينظرون إلينا كأن لا قيمة لنا".