المحاكمة بأحداث الساحل السوري.. مقاربات جدية أم إطارات شكلية؟
تمتدّ مساحات واسعة من آلام السوريين وتطلّعاتهم نحو عدالة مرجوة، ما بين الأحداث الدموية التي شهدها الساحل السوري في مارس/ آذار الماضي، ولاحقًا محافظة السويداء في يوليو/ تموز.
وتـتّجه الأنظار يوم الثلاثاء إلى القصر العدلي في مدينة حلب، حيث أولى جلسات محاكمة علنية ستُعقد لمتورّطين في أحداث الساحل.
وأشار رئيس لجنة التحقيق في الأحداث جمعة العنزي، إلى ضخامة الملف وتعقيده وما يتطلّبه من دقّة وتمحيص في الإسناد القانوني والتجريم والملاحقة والقبض على المشتبه بهم. كما أكد أنّ المحاكمات ستشمل جميع مرتكبي الانتهاكات بحق المدنيين وقوى الجيش والمؤسسات الحكومية.
تقرير لجنة التحقيق بأحداث السويداء
وقبلها بيوم واحد، أعلنت لجنة التحقيق في أحداث السويداء نتائج تحقيقاتها في أعمال العنف التي شهدتها المحافظة في مارس/ آذار الماضي.
وأكدت اللجنة أنّ كل من ارتكب انتهاكات سيُحاسب وفق القانون، كما أشارت إلى توقيف عدد من المنتمين إلى وزارتي الدفاع والداخلية وإحالتهم إلى القضاء لارتكابهم مخالفات، موضحة في الوقت نفسه أنّ الانتهاكات الجسيمة لا يُمكن التعامل معها بمعالجات شكلية أو سياسية.
ورغم تأكيد الجهات القائمة على المؤسسات الأمنية والعدلية في سوريا أنّ لجان التحقيق المُشكّلة كافة، لم تكن شكلية بل توخّت معايير النزاهة والاستقلالية والشفافية لتحقيق العدالة وفرض سيادة القانون ومنعِ تكرارها، لا تغيب التساؤلات بشأن مدى جدية هذه الخطوات ونجاعتها في ضمان السلم الأهلي في البلاد.
ملف إشكالي
وفي هذا السياق، يرى المحامي ومدير مركز المواطنة المتساوية فائق حويجة، أنّ المحاكمات في سوريا ملف إشكالي ومعقّد ويُحسب للحكومة إقامة هذه المحاكمات العلنية "وهي نقطة إيجابية تُسجّل لها".
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من دمشق، يشير إلى أنّه من الجيد إحالة مرتكبي الانتهاكات للمحاكمة ومساءلتهم عن المجازر التي ارتُكبت في سوريا. وقال: "إن هذه المحاكمات قد تكون محاولة لتجسير هوة بين مكونات المجتمع السوري، لكنها قد تنقلب سلبًا فيما لو لم تكن محاكمات عادلة ومنصفة".
ويلفت حويجة إلى أنّ التقارير التي انبثقت عن لجان التحقيق كانت محط جدل، إذا تساءل السوريون عن مفاهيم العدالة والحيادية.
ويعتبر مدير مركز المواطنة المتساوية أنّ "الأجدى كان تشكيل لجان تحقيق محايدة ومستقلة عن الحكومة، إذ لم يعرف مرتكبو الانتهاكات في الساحل السوري ولم تحدد المسؤوليات".
تشريعات قانونية تعود لنظام الأسد
وفي قراءة للإطار القانوني للمحاكمات، يشير أستاذ القانون الدولي ومدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة "إفدي" للحقوق الدولية عبد المجيد المراري، إلى أنّ المحاكمات تجري تحت غطاء التشريعات القانونية التي كانت معتمدة في فترة حكم النظام السابق، حين لم يكن القضاء سلطة مستقلة، بل كان رئيس النظام السابق بشار الأسد رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من باريس، يلفت المراري إلى أن القضاء يجب أن يبدأ بممارسة نشاطه بحياد واستقلالية.
كما يوضح أنّ القضاء لن يبني أحكامه على تقرير أي لجنة، مشيرًا إلى أن اللجنة وجهت اتهامات رغم أن هذا ليس من حقها. ويقول: "من يوجه الاتهام هي النيابة العامة".
وبحسب المراري، يقف القضاء السوري أمام مهمة صعبة، إذ سيقول الكلمة الفصل. ويلفت إلى أنه لا يمكن استباق الأحكام، موضحًَا أنّ المؤسسات الرسمية هي من شكلت هذه اللجنة، التي لم تستطع الدخول إلى السويداء.
"المجرم سيعاقب"
ومن جانبه، يلحظ المحامي ومدير منظمة العدالة لحقوق الإنسان قتيبة قطيط، أنّ الحكومة تُقارب ملف الانتهاكات في الساحل وتجري محاكمة عادلة يوم غد.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من حلب، يوضح قطيط أنّ المتهمين سيعرضون على المحكمة الخاصة بأحداث الساحل، وستطلق الأحكام بناء على الأدلة والشهادات، ولا حاجة لتنفيذ تمثيلية.
ويقول قطيط: "إن المجرم سيُعاقب بموجب القانون السوري وفق أصول المحاكمات الجزائية والإجراءات الجنائية".
كما يلفت المحامي ومدير منظمة العدالة لحقوق الإنسان، إلى أنّ "المتهمين من الطرفين سيعرضون على المحكمة، أي أشخاص كانوا يقاتلون من أبناء الساحل وآخرين من مناطق أخرى"، مشيرًا إلى أن المحكمة ستستمع لشهادات وإفادات جميع المتهمين على اختلاف مواقعهم ومناصبهم. ويضيف: "نحن أمام سوريا كدولة جديدة وليدة ".