المدنيون والمنشآت المدنية تحت النار.. متى تسقط الحماية القانونية؟
في الحرب، لا تتحول المدن إلى ساحات مباحة لمجرد وجود مقاتلين فيها، ولا يصبح كل مبنى مدني محصنًا إلى الأبد لمجرد أنه منزل أو مدرسة أو مستشفى. يرسم القانون الدولي الإنساني خطًا بين المدني والعسكري، لكنه يضع أيضًا شروطًا دقيقة للحالات التي يمكن فيها أن يفقد شخص أو منشأة جزءًا من الحماية التي يتمتع بها.
المشكلة تبدأ غالبًا عند اختصار هذه القواعد في جملة واحدة: "كان هناك هدف عسكري". فوجود هدف عسكري قد يجيب عن سؤال واحد فقط، ولا يجيب عن بقية الأسئلة:
هل كان الشخص مدنيًا؟ هل أصبحت المنشأة فعلًا هدفًا عسكريًا؟
هل كان الضرر المتوقع بالمدنيين متناسبًا مع الميزة العسكرية؟ وهل اتُّخذت الاحتياطات الممكنة قبل الهجوم؟
لهذا يقوم القانون الناظم للعمليات القتالية على ثلاثة مبادئ مركزية هي التمييز والتناسب والاحتياطات. ويجب تطبيقها مجتمعة، لا اختيار أحدها وتجاهل الباقي. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن هذه المبادئ ملزمة لأطراف النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
متى يفقد المدني حمايته؟
لكن القانون يضع استثناءً مهمًا: يفقد المدني الحماية من الهجوم المباشر "طوال الوقت الذي يشارك فيه مباشرة في الأعمال العدائية". أي إن فقدان الحماية ليس حكمًا دائمًا يلتصق بالشخص بسبب رأيه السياسي أو موقعه الاجتماعي أو قربه من طرف مسلح.
تضرب اللجنة الدولية أمثلة على المشاركة المباشرة مثل نقل معلومات تكتيكية لاستخدامها في هجوم محدد، أو تخريب قدرة عسكرية بصورة مباشرة، أو إيصال ذخيرة إلى موقع إطلاق النار باعتبار ذلك جزءًا من عملية قتالية جارية. في المقابل، لا تعد المساعدة السياسية أو الإدارية أو المالية العامة، أو العمل في إنتاج الأسلحة بعيدًا عن عملية قتالية محددة، في حد ذاتها مشاركة مباشرة تجعل المدني هدفًا شخصيًا للهجوم.
ويحمل تعبير "طوال الوقت" أهمية خاصة. فالمدني الذي شارك مباشرة في عمل عدائي لا يصبح هدفًا مفتوحًا إلى الأبد بسبب ذلك الفعل؛ وفق التفسير الذي تتبناه اللجنة الدولية، يستعيد حمايته من الهجوم المباشر عندما تنتهي مشاركته المباشرة، مع بقاء إمكانية مساءلته قانونيًا عن أفعال ارتكبها.
ما لا يسقط الحماية وحده
وفقًا لقواعد القانون الدولي، فإنّ وجود مدني في منطقة يسيطر عليها طرف مسلح لا يجعله مقاتلًا. كما أن رفضه أو عجزه عن مغادرة منطقة محاصرة لا يحوّله إلى هدف عسكري.
وتوضح اللجنة الدولية أن المدنيين الذين يبقون في منطقة محاصرة يظلون محميين ما لم يشاركوا مباشرة في القتال، وأن مجرد وجود مقاتلين بينهم لا يسقط هذه الحماية.
الأمر نفسه يجعل التحذير بالإخلاء مختلفًا عن إسقاط الحماية.
فقد يكون إصدار التحذير أحد الاحتياطات المطلوبة قبل هجوم يؤثر في المدنيين، لكنه لا يحوّل من بقي بعد انتهاء المهلة تلقائيًا إلى مقاتل ولا يجعل المنطقة خالية قانونيًا من المدنيين.
متى يصبح المنزل أو المدرسة هدفًا عسكريًا؟
تبدأ القواعد الخاصة بالأعيان من تعريف معاكس: كل ما ليس هدفًا عسكريًا هو عين مدنية. وتشمل الأمثلة المعتادة المنازل والمدارس وأماكن العبادة والمنشآت المدنية ووسائل النقل المدنية.
لكن صفة المبنى ليست ثابتة في جميع الظروف.
يعني ذلك أن مبنى سكنيًا قد يفقد حمايته من الهجوم إذا استُخدم مثلًا موقعًا لإطلاق النار بطريقة تستوفي تعريف الهدف العسكري. لكن وجود المقاتلين في حي سكني لا يحوّل الحي كله إلى هدف واحد، كما لا تكفي تسمية منشأة بأنها "مزدوجة الاستخدام" لتسوية المسألة قانونيًا؛ المطلوب تقييم المساهمة العسكرية الفعلية والميزة المتوقعة من استهدافها في ذلك الوقت.
وفي النزاعات التي ينطبق عليها البروتوكول الإضافي الأول، تنص المادة 52 أيضًا على أنه عند الشك في استخدام مبنى مخصص عادة لأغراض مدنية، كالمنزل أو المدرسة أو مكان العبادة، بطريقة تجعله هدفًا عسكريًا، يفترض بقاء استخدامه المدني.
أصبح هدفًا عسكريًا.. هل يجوز قصفه إذًا؟
هنا تقع واحدة من أكثر القواعد اختصارًا في النقاش العام. تحول مبنى إلى هدف عسكري لا يجعل أي هجوم عليه قانونيًا تلقائيًا.
بعد تحديد الهدف، يبدأ اختبار التناسب. يحظر القانون هجومًا على هدف عسكري إذا كان متوقعًا أن يؤدي بصورة عرضية إلى خسائر في أرواح المدنيين أو إصابتهم أو الإضرار بالأعيان المدنية على نحو يكون مفرطًا مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة.
ولا توجد معادلة حسابية من نوع "هدف عسكري مقابل عدد محدد من المدنيين". التقييم يتعلق بالظروف المتوقعة قبل الهجوم، وقيمة الميزة العسكرية، وحجم الأذى المدني المتوقع، لا بمقارنة عددية مجردة. وتوضح اللجنة الدولية أن الميزة المقصودة لا ينبغي أن تكون سياسية أو اقتصادية أو افتراضية بعيدة المدى، وإنما عسكرية وملموسة ومباشرة.
بعد ذلك تأتي الاحتياطات: التحقق قدر الإمكان من أن الهدف عسكري، واختيار الوسائل والأساليب التي تقلل الخسائر المدنية، ومقارنة الخيارات المتاحة، وإصدار إنذار فعال عندما تسمح الظروف، وإلغاء الهجوم أو تعليقه إذا تبين أن الهدف ليس عسكريًا أو أن الضرر المدني المتوقع أصبح غير متناسب.
ماذا عن "الدروع البشرية"؟
يحظر القانون استخدام المدنيين عمدًا لحماية مواقع أو قوات عسكرية من الهجوم.
وتنص اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول على هذا الحظر، كما يدرج نظام روما الأساسي استخدام الأشخاص المحميين لجعل مواقع أو قوات عسكرية بمنأى عن العمليات العسكرية ضمن جرائم الحرب في النزاعات الدولية.
لكن انتهاك طرف لهذه القاعدة لا يلغي التزامات الطرف الآخر تجاه المدنيين.
وتؤكد اللجنة الدولية أن المدنيين المستخدمين دروعًا بشرية يظلون في الأصل داخل حساب التناسب، وأن المهاجم يبقى مطالبًا باتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب الإضرار بهم.
مخالفة أحد الأطراف للقانون لا تمنح خصمه ترخيصًا بمخالفته هو الآخر.
المستشفى ليس كأي مبنى مدني
تملك المنشآت الطبية طبقة إضافية من الحماية بسبب وظيفتها الإنسانية. والمبدأ أن المستشفيات والوحدات الطبية يجب احترامها وحمايتها والسماح لها بأداء مهمتها في رعاية الجرحى والمرضى.
ولا تفقد المنشأة الطبية هذه الحماية الخاصة إلا إذا استُخدمت، خارج وظيفتها الإنسانية، في "أعمال ضارة بالعدو". وتذكر اللجنة الدولية أمثلة محتملة مثل استخدام المستشفى قاعدة لإطلاق هجوم، أو موقع مراقبة لنقل معلومات عسكرية، أو مستودع أسلحة، أو مركز اتصال بالقوات المقاتلة.
في المقابل، لا يكفي أن يعالج المستشفى مقاتلين جرحى لفقدان الحماية، ولا يعد وجود أسلحة فردية نزعت من الجرحى ولم تسلّم بعد للجهة المختصة سببًا لذلك. وتنص المادة 19 من اتفاقية جنيف الرابعة صراحة على هذه النقطة.
حتى عند وجود عمل ضار، تضع حماية المستشفيات شرطًا إضافيًا: إصدار تحذير مناسب، يتضمن مهلة معقولة حيث يكون ذلك ملائمًا، وبقاء التحذير بلا استجابة قبل إمكان زوال الحماية الخاصة. ولا تختفي بعد ذلك قواعد التناسب والاحتياطات أو واجب حماية المرضى والجرحى قدر الإمكان.
هل لكل المنشآت المدنية الحماية نفسها؟
إلى جانب القاعدة العامة لحماية الأعيان المدنية، يمنح القانون أنواعًا معينة من المنشآت حماية إضافية أو يفرض قيودًا أشد على التعامل معها. تشمل هذه الفئات المنشآت الطبية والممتلكات الثقافية، والأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين مثل الغذاء ومنشآت مياه الشرب، فضلًا عن منشآت تحتوي على قوى خطرة، مثل السدود ومحطات توليد الطاقة النووية في الحالات التي تغطيها القواعد الخاصة.
أما شبكات الكهرباء والاتصالات والجسور وغيرها من المنشآت التي تخدم المدنيين والعسكريين معًا، فتثير عادة السؤال الأصعب حول الاستخدام المزدوج. لا تصبح هذه المنشآت أهدافًا عسكرية لمجرد أنها مفيدة للدولة أو الاقتصاد؛ يجب أن تستوفي هي الأخرى تعريف الهدف العسكري، ثم يخضع أي هجوم عليها لقواعد التناسب والاحتياطات، بما في ذلك تقدير الآثار المتوقعة على السكان المدنيين.
ومتى يصبح الهجوم جريمة حرب؟
ليس سقوط مدني أو تدمير منزل في ذاته كافيًا للحكم قانونيًا على واقعة محددة. يحتاج التحقيق إلى معرفة ماهية الهدف، والمعلومات التي كانت متاحة قبل الهجوم، وحجم الضرر المدني المتوقع، والميزة العسكرية التي كان يتوقعها المهاجم، والاحتياطات التي اتخذها.
لكن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يدرج ضمن جرائم الحرب، وفق شروط الاختصاص والعناصر القانونية لكل جريمة، تعمد توجيه هجمات ضد السكاالمحمية ن المدنيين أو الأعيان المدنية، كما يشمل استهداف المستشفيات والمنشآت الطبية وغيرها من المنشآت عندما لا تكون أهدافًا عسكرية. وفي النزاع المسلح الدولي، يتناول أيضًا إطلاق هجوم مع العلم بأنه سيسبب خسائر مدنية عرضية تكون مفرطة بوضوح قياسًا إلى الميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة.
لهذا لا يحسم القانون شرعية ضربة بالقول إن المبنى كان مدنيًا قبل الحرب، ولا بالقول المقابل إن مقاتلًا أو سلاحًا كان موجودًا داخله. التقييم القانوني سلسلة كاملة: من كان أو ما كان الهدف؟ ماذا كان يفعل وقت الهجوم؟ ماذا عرف من اتخذ القرار؟ ما الضرر المدني الذي كان متوقعًا؟ وما الذي كان ممكنًا فعله لتقليله؟
الحماية قد تتغير بتغير السلوك والاستخدام، لكن سقوطها في نقطة من هذه السلسلة لا يمحو بقية القانون. ففي قلب قواعد الحرب تبقى الفكرة ذاتها:
حتى عندما يسمح القانون بالهجوم على هدف عسكري، فإنه لا يسمح بخوض الحرب بلا حدود.
المصادر والمراجع الأساسية
- اللجنة الدولية للصليب الأحمر: قواعد سير الأعمال العدائية وحماية المدنيين.
- البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، المادة 52، بشأن الأعيان المدنية والأهداف العسكرية.
- اللجنة الدولية للصليب الأحمر: المشاركة المباشرة للمدنيين في الأعمال العدائية.
- اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 19، بشأن حماية المستشفيات المدنية.
- اللجنة الدولية للصليب الأحمر: حماية المستشفيات أثناء النزاعات المسلحة.
- قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي بشأن تعريف الهدف العسكري وفقدان الأعيان المدنية للحماية.
- اتفاقية جنيف الرابعة وقواعد القانون العرفي بشأن الدروع البشرية.
- نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة 8 الخاصة بجرائم الحرب.