في برنامج "مطالعات"، تحاور الروائية نجوى بركات الكاتبة رشا سمير حول روايتها، "المسحورة"، الصادرة عن "الدار المصرية اللبنانية"، وتسألها عما حملها إلى تلك البقاع النائية حيث تدور الأحداث؛ بين قريةٍ في جبال الأطلس وواحةٍ في قلب الصحراء الغربية.
تكشف رشا سمير، الطبيبة التي اختصت بطب الأسنان واختارت الأدب شغفًا، أنها تميل إلى الكتابة عن الرحلات والأمكنة، وأن زيارةً للمغرب أتاحت لها التواصل مع الأمازيغ، فانجذبت إلى حضارتهم وقالت لنفسها حينها:
"فلتكن هذه هي روايتي القادمة".
بدأت الكاتبة رحلة التأليف قبل زيارة المنطقة التي يستغرق الوصول إليها قرابة 13 ساعة، لكنها خلصت إلى ضرورة العودة إلى "نقطة البداية" وإعادة الكتابة بعدما عاينت الواقع على الأرض.
وتؤكد أن وقوعها في حب سيوة تجلّى في نصها الذي استغرقت كتابته أربعة أعوام، زارت خلالها الواحة أربع مرات.
مع ذلك، كان وجودها في المكان مستغربًا في البداية لدى الأهالي، الذين تساءلوا عن غايتها وما تكتبه، ولا سيما أن المجتمع السيوي منغلقٌ بطبعه، لكنها سرعان ما عقدت معهم صداقات متينة، لتقول بابتسامة:
"علاقتنا الآن علاقة أهل".
شخصيات "المسحورة": تمرد النساء وسطوة التقاليد
تحتل النساء موقع الصدارة في رواية "المسحورة"، على عكس واقع المرأة في المجتمع السيوي الذي تصفه رشا سمير بـ"المحافظ والمنغلق على ذاته".
تبرز من بين الشخصيات "الجدة" المقيمة في جبال الأطلس، وحفيدتها "تاليس" التي انتُزعت من حضنها بعد إرسال والدها للإقامة في سيوة.
"تاليس"، في نهاية سنوات المراهقة متمردة وتبحث عن الحرية. وتحيط بها شخصيات محورية مثل صديقتها "مبروكة" التي تكبرها سنًا وفقدت زوجها.
وبحسب الكاتبة رشا سمير، فإن كلًا من تاليس ومبروكة تمثلان الأمازيغ في مكانين مختلفين.
فمبروكة ابنة سيوة، المنطقة التي لم يطرأ تغيير كبير على مجتمعها منذ عام 1926، الإطار الزمني للرواية، بينما تاليس القادمة من المغرب ونشأة جبال الأطلس تبدو أكثر قوة واستقلالية.
وبينما تتشابه تقاليد الزواج والطلاق والاحتفال بالمولود بين المجتمعين المغربي والسيوي، لم يعجب المجتمع المغلق في الواحة المصرية تلك الشابة المتمردة.
وعن شخصية "رحيّم"، توضح رشا سمير أنه ينتمي لطبقة "الزقالة" التي تخدم طبقة "الأجواد"، إذ يعمل أفرادها في الحدائق وجني المحاصيل ويُمنع رجالهم من الزواج قبل سن الأربعين.
وقد فوجئت الكاتبة خلال حفل توقيع الرواية في سيوة بأن "الزقالة" لا يزالون موجودين، رغم التغييرات التي طرأت على بيئتهم وتقاليدهم، مثل "الغولة" (التي تُمارس عقب وفاة الزوج)، إذ بقيت حاضرة وإن تغيرت أشكالها.
أما الزائر الإيطالي "ليوناردو"، الملقب بـ "الأرومي" (كلمة أمازيغية تعني الأجنبي)، فيأتي إلى سيوة حاملاً سرًا لا يُكشف إلا مع تصاعد الأحداث.
فهو يدّعي في البداية أنه صحافي جاء لتصوير الطبيعة، مستخدمًا سيارةً كانت تُعد نادرة آنذاك، لكن يتبين لاحقًا أنه جاء بأجندات متعددة.
ومع ذلك، حرصت الكاتبة على إبقاء تعاطف القارئ معه، حتى بعد اكتشاف أمره، وتبيّن في حديثها مع الروائية نجوى بركات، أنها تعاطفت معه هي أيضًا.
الرواية والأسطورة: حين يطغى السحر على الحدث
تفتتح رشا سمير فصولها بأسطورة تلقي بظلالها على العمل كاملاً. وتوضح أنها لم تخطط مسبقًا لاستعارة الأساطير، لكن احتكاكها بسكان سيوة جعلها تدرك أن أحاديثهم لا تنفصل عن الخرافة والأسطورة.
من الأمثلة التي تقدمها ما يقال عن أن جثة الإسكندر الأكبر مدفونة في الواحة، وأن خاتم الملك سليمان دُفن بدوره في سرداب سري بالواحة.
كما تتضمن تلك الأحاديث روايات منقولة عن الجدات، وأخرى يكتنفها غموض ما، بحسب ما تذكر.
وقد رأت الكاتبة حينها أن استخدام الأسطورة يمكن أن يتماشى بصورة جيدة مع النص، وعمدت إلى اختيار عدد من الأساطير التي وردت في أحاديث السكان، وأخرى من التراث الأمازيغي، إلى جانب أسطورة بناء الإسكندرية، بغرض الاستعانة بها لدى استهلال كل فصل بالشكل الذي يخدمه.
وتوضح أن تهربها من الحسم في نهاية الرواية كان خيارًا أدبيًا انحاز للأسطورة أكثر من انحيازه للحدث المباشر.
اختيار الزمان والمكان: سيوة هي البطل
تدور الأحداث عام 1926، في مناخ ما بين الحربين العالميتين، وتتعامل الرواية مع الزمن كـ"زمن أسطوري" أكثر منه تاريخيًا.
توضح رشا سمير أن اختيار هذا العام بالتحديد جاء لكونه "عام المطر الكبير" الذي هطل بغزارة ودمر قلعة "شالي" الشهيرة.
وردًّا على الرأي القائل بأن تفاصيل المكان طغت أحيانًا على الشخوص، تؤكد الكاتبة أن المكان هو "البطل الرئيسي" للرواية.
وتقر بأن العمل يزخر بالمعلومات التوثيقية، وهو أمر مقصود نابع من حبها للمكان ورغبتها في تخليده، مما دفع الكثيرين لزيارة الواحة لاحقًا.
تختتم رشا سمير حديثها ضمن برنامج "مطالعات" بفخر عن لقب "سفيرة سيوة في الوطن العربي" الذي أطلقه عليها الأهالي.
كما تتحدث بفرح عن الحضور الكبير من أهالي سيوة في حفل توقيع كتابها بالقاهرة.