يُدرَك حال المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية عمومًا، وحجم المعاناة التي وصلوا إليها، من خلال معرفة أن بعضهم فضّلوا إنهاء حياتهم على الاستمرار فيها، فاختاروا الانتحار كوسيلة احتجاجية تذكّر بقضيتهم التي يطويها النسيان والإهمال.
لم يكن الانتحار وحده وسيلتهم، بل لجؤوا أيضًا إلى الإضراب عن الطعام، والاستعصاء، والمواجهات، والمناشدات؛ وكلها وسائل استخدمها السوريون المسجونون في لبنان على مدى السنوات الماضية، فتصدّرت أخبارهم وسائل الإعلام بين الحين والآخر، قبل أن تُنسى كأنها لم تكن.
والمفارقة أن احتجاجاتهم بشأن تسليمهم إلى سوريا تغيّرت جذريًا، من المطالبة بعدم تسليمهم قبل سقوط نظام الأسد، إلى المناشدة بتسليمهم بعد سقوطه، وبين هذا وذاك بقيت قضيتهم قيد الدراسة دون نتائج تُذكر.
تجدر الإشارة إلى أنّه رغم أن التقارير الحقوقية تشير إلى أن الانتهاكات في السجون اللبنانية تطاول المعتقلين السوريين بشكل خاص، فإنها لا تقتصر عليهم وحدهم، بل تمتد إلى شرائح واسعة من السجناء، في ظل مشكلات مزمنة تعانيها منظومة السجون، مثل الاكتظاظ وتردي الرعاية الصحية وبطء المحاكمات.
في المقابل، تؤكد السلطات اللبنانية أن التعامل مع ملف المعتقلين السوريين يجري ضمن الإطار القانوني، ولا سيما اتفاقية التعاون القضائي الموقعة مع دمشق عام 1951، التي تشترط دراسة كل حالة على حدة وتمنع الترحيل الجماعي.
السجناء السوريون في لبنان.. أعدادهم وتصنيفاتهم
تشير التقديرات إلى أن عدد المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية يبلغ نحو 2575 معتقلًا، ما يشكّل قرابة ثلث عدد السجناء في لبنان، بنسبة تقارب 32%، وفقًا لجريدة "الديار" اللبنانية نقلًا عن لجنة السجون في نقابة المحامين.
ويضم سجن رومية العدد الأكبر من هؤلاء السجناء، فيما يتوزّع الباقون بين سجون رئيسية ومراكز توقيف في مدن وقرى مختلفة.
ولا يُصنَّف السجناء السوريون ضمن فئة واحدة، كما لم يُعتقلوا جميعًا على خلفية تهمة موحّدة، فبعضهم سُجن بسبب مواقفهم السياسية، وبعضهم بتهم تتعلق بالإرهاب أو بمحاربة الجيش اللبناني، وآخرون لأسباب جنائية مثل السرقة والاحتيال والاغتصاب، فضلًا عمّن اعتُقلوا بسبب الإقامة غير الشرعية، وغيرها من الأسباب.
وتُقدّر أعداد الموقوفين لأسباب أمنية بنحو 800 معتقل، حيث أشارت وكالة الأنباء المركزية اللبنانية إلى أن مئات السوريين موقوفون بتهم تتعلق بـ"الإرهاب" والانتماء إلى تنظيمات جهادية وفصائل مسلحة، ويُتّهم بعضهم بشن هجمات ضد الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.
وتُعدّ أحداث بلدة عرسال اللبنانية عام 2014 نقطة فاصلة في ملف الاعتقالات، حين دخلت مجموعات مسلحة من سوريا إلى لبنان وسيطرت على عرسال، وأسرت جنودًا لبنانيين، ثم استعادت السلطات اللبنانية السيطرة عليها، وبدأت بحملات دهم لمخيمات اللاجئين السوريين واعتقال المئات، بينهم من لم يكن له أي علاقة بالأحداث أو لم يكن موجودًا أصلاً في المنطقة لحظة وقوعها، بحسب شهادات وثّقتها منظمات حقوقية.
وبالعودة إلى التصنيفات، تؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن نحو 190 معتقلًا احتُجزوا بسبب مشاركتهم في الحراك الشعبي المطالب بالديمقراطية، وبينهم منشقون عن نظام الأسد، وسط مطالبات مستمرة بالإفراج عنهم.
انتهاكات مختلفة.. أبرزها التعذيب حتى الموت
وفقًا لتقارير حقوقية، تواجه السجون اللبنانية اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المعتقلين السوريين وغيرهم، تبدأ من الاحتجاز التعسفي دون سند قانوني، مرورًا بالضرب والتعذيب، وصولًا إلى الإهمال الطبي والغذائي في بيئة تعاني من الاكتظاظ وانتشار الأمراض.
وفي بيان مشترك صدر عام 2022، أشارت منظمات حقوقية عدّة إلى أن السجناء السوريين، ولا سيما في سجن رومية، يعانون من ظروف احتجاز مأساوية، تشمل سوء المعاملة والتعذيب خلال التحقيق، وتأخر المحاكمات بسبب الاعتماد المفرط على التوقيف الاحتياطي دون مبرر قانوني، إضافة إلى إهمال طبي أدى إلى تفشي الأوبئة ووفاة عدد من السجناء.
ولفت البيان إلى أن الدولة اللبنانية توقّفت عن تقديم الرعاية الطبية والدواء للمساجين، وبدأت تظهر وصفات طبية ممهورة بعبارة "على نفقة ذويه"، ما أكدته لاحقًا منظمة العفو الدولية، مضيفةً أن سلطات السجون تطلب من الأهالي تغطية نفقات العلاج، حتى في الحالات الطارئة، وأن ارتفاع عدد الوفيات أثناء الاحتجاز يجب أن يشكّل جرس إنذار للسلطات.
أما في ما يخص التعذيب، فقد أصدرت منظمة العفو الدولية، في مارس/ آذار 2021، تقريرًا بعنوان: "كم تمنيت أن أموت: لاجئون سوريون احتُجزوا تعسفيًّا بتهم تتعلق بالإرهاب وتعرضوا للتعذيب في لبنان"، تضمّن شهادات لمعتقلين، من بينهم نساء وأطفال، تعرّضوا لتعذيب جسدي ونفسي بوسائل مروّعة.
ووفقًا للتقرير، فقد تنوّعت أساليب التعذيب الجسدي بين الحرمان من النوم والطعام والماء، والضرب المبرح على أماكن حساسة، والتعذيب باستخدام العصي والقضبان والكابلات الكهربائية، وأسلوبَي "بساط الريح" و"البلانكو"، إضافة إلى الشبح. ووصلت بعض الحالات إلى حد الموت تحت التعذيب.
أما التعذيب النفسي، فتضمّن عمليات إعدام وهمي، وتهديد المعتقل بإحضار أحد أفراد أسرته، وإجبار الابن على ضرب والده، وخلع الملابس أمام السجناء، واستخدام الأرقام بدل الأسماء، إلى جانب شهادات عن تحرّش جنسي تعرّضت له سجينات سوريات خلال التحقيق.
كما أورد التقرير شهادات عن تعرّض السوريين للضرب والإهانة من قبل عناصر تابعة للدولة اللبنانية فور معرفة هويتهم أو طائفتهم أو موقفهم السياسي، في إطار ما وصفه بالتمييز المجحف.
أما في المرحلة الأولى بعد التوقيف، فتشمل الانتهاكات عدم إبلاغ المعتقل بسبب توقيفه، وقطع صلته بالعالم الخارجي، وحرمانه من توكيل محامٍ، وتأخير اللجوء إلى مستشار قانوني، ومحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، وانتزاع اعترافات بالإكراه، والاعتماد على أدلة غير موثوقة، ضمن قانون مكافحة الإرهاب الذي يحتوي على تهم غامضة وعامة.
وقد قامت السلطات اللبنانية، في فترة حكم نظام الأسد، بترحيل عدد من المعتقلين المعارضين إلى سوريا، حيث واجهوا خطر الاعتقال أو الموت تحت التعذيب، كما حدث مع اللاجئ السوري أحمد نمر الحللي في منتصف عام 2024.
احتجاجات على طريق الهلاك
لم يترك السجناء السوريون في لبنان وسيلة احتجاجية إلا لجؤوا إليها، بدءًا بالصراخ والمناشدات، مرورًا بالإضرابات والاستعصاءات، وصولًا إلى الانتحار.
وأحدث تلك الحالات انتحار السجين محمد فواز الأشرف داخل سجن رومية في يوليو/ تموز الحالي، بعد نحو عامين ونصف على توقيفه دون عقد أي جلسة محاكمة، وتدهورت حالته الصحية والنفسية إثر إصابته بمرض الصدفية، وعدم سماح إدارة السجن له بإدخال العلاج، رغم شرائه الدواء على نفقته الخاصة.
وسبق هذه الحادثة محاولات انتحار جماعية، كان أبرزها في مارس/ آذار 2024، حين حاول أربعة سجناء شنق أنفسهم بعد تبلّغهم بأن السلطات اللبنانية سلّمت شقيق أحدهم إلى النظام السوري. كما تكررت الحادثة في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، حين حاول عدد من السجناء الانتحار شنقًا بعد ترحيل خمسة موقوفين إلى سوريا.
أما على صعيد الإضرابات، فقد نفّذ أكثر من 100 موقوف سوري في سجن رومية إضرابًا مفتوحًا عن الطعام في فبراير/ شباط 2025، احتجاجًا على عدم تسليمهم للسلطات السورية الجديدة لاستكمال محاكمتهم. كما أعلن معتقلو الرأي السوريون إضرابًا مشابهًا في سبتمبر/ أيلول 2024، احتجاجًا على وفاة عشرة معتقلين بسبب ظروف الاحتجاز وسوء الرعاية الصحية.
ولا تكاد الاحتجاجات والاستعصاءات والمناشدات من السجناء السوريين تنقطع، على أمل تسليط الضوء على معاناتهم.
المنظمات الحقوقية.. هل تطرق بابًا موصدًا؟
رغم صدور عشرات التقارير والبيانات الحقوقية على مدار السنوات، لم تلقَ مناشدات المنظمات الدولية استجابة ملموسة من الدولة اللبنانية.
فقد دعت منظمة العفو الدولية الحكومة اللبنانية إلى إنهاء الاحتجاز التعسفي للاجئين السوريين، ووضع حد لتعذيبهم وسوء معاملتهم، وضمان حقهم في محاكمات عادلة.
وأوصت المنظمة بتخصيص ميزانية كافية للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، التي تضم الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، كي تتمكن من زيارة أماكن الاحتجاز وتوثيق الانتهاكات.
وطالبت منظمة هيومن رايتس ووتش، عام 2017، بتحقيق مستقل وشفاف في وفاة سوريين محتجزين لدى الجيش، مع تأكيدها لاحقًا أن نتائج التحقيق لم تُعلن رغم وجود أدلة على التعذيب.
وفي عام 2023، شددت المنظمة على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتخفيف الاكتظاظ في السجون، والنظر في بدائل للتوقيف الاحتياطي، وضمان توفير الغذاء والعلاج للسجناء.
كما دعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مؤخرًا الحكومتين اللبنانية والسورية إلى اتخاذ خطوات عاجلة لإنهاء معاناة المعتقلين، وإعادتهم في إطار قانوني يحترم حقوق الإنسان، مع ضرورة التنسيق بين الجانبين لمراعاة التحديات السياسية والقانونية.
جسر الهوّة أم تعميق الخلاف؟
يُعد ملف السجناء السوريين في لبنان من أبرز الملفات العالقة بين لبنان وسوريا، إلى جانب قضايا ترسيم الحدود، وانتشار العصابات وعمليات التهريب، وملف اللاجئين.
ويُنظر إلى هذا الملف باعتباره من الأقل تعقيدًا، ما يجعل حله فرصة لجسر الهوة بين البلدين، فيما سيؤدي استمرار تجاهله إلى تعميق الخلاف.
وقد أُثيرت القضية مؤخرًا بعد تقرير لتلفزيون سوريا، نقل عن مصادر خاصة أن الرئيس السوري أحمد الشرع هدّد بتصعيد دبلوماسي واقتصادي تجاه بيروت بسبب تجاهل ملف المعتقلين، في ظل دراسة دمشق خطوات تصعيدية تشمل تجميد التعاون الأمني والاقتصادي، وإغلاق المعابر الحدودية، وفرض قيود على الشاحنات اللبنانية.
وقد نفت وزارة الإعلام السورية هذه الأنباء، مؤكدة في الوقت ذاته على أولوية هذا الملف وضرورة معالجته بسرعة عبر القنوات الرسمية.
لكنّ عملية إعادة السجناء السوريين إلى بلادهم تواجه عقبتين رئيسيتين: الأولى، رفض لبنان تسليم من صدرت بحقهم أحكام بتهم خطيرة، ولا سيما من قتلوا عناصر من الجيش اللبنانيين؛ والثانية، عدم تسليم الموقوفين قبل محاكمتهم، فضلاً عن وجوب التعامل مع الملفات كل على حدة، عملاً بالاتفاقيات القضائية.
في المقابل، تبرز مشكلتان حقوقيتان: الأولى، بطء المحاكمات، إذ لم يُحاكم سوى نحو 18% من السجناء، فيما ينتظر أكثر من ألفي معتقل صدور أحكام بحقهم. والثانية، الشكوك حول نزاهة القضاء، مع توثيق حالات تعذيب وانتزاع اعترافات بالإكراه.
وكان مسؤول قضائي لبناني قد صرّح لوكالة الصحافة الفرنسية بأن بيروت مستعدة لتسليم أكثر من 700 سجين سوري، لكن ثمّة مخاوف قائمة من اقتصار ذلك على من صدرت بحقهم أحكام قصيرة، أو التي شارفت على نهايتها، في مقابل تجاهل السجناء السياسيين، ولا سيما منهم معتقلي الرأي.
الاتفاقية القضائية.. هل تحل القضية؟
في ظل البحث عن مخرج، تعود اتفاقية التعاون القضائي الموقعة عام 1951 بين سوريا ولبنان إلى الواجهة. وتنص على عدة شروط لتسليم السجناء، منها:
-
أن يكون السجين من رعايا الدولة الطالبة.
-
أن يكون الحكم بحقه نهائيًا.
-
أن تتبقى من العقوبة مدة لا تقل عن ستة أشهر.
-
أن يوافق السجين على نقله.
-
أن تكون الجريمة معاقبًا عليها في قوانين البلدين.
-
أن توافق الدولتان على تنفيذ النقل.
ويبدو أن العائق الأبرز هو عدم صدور أحكام نهائية ضد غالبية السجناء، إضافة إلى رفض بيروت تسليم بعض المحكومين، رغم أن لبنان سبق أن خرق هذه الاتفاقية خلال حكم الأسد، حين سلّم سجناء دون موافقتهم، وفقًا للتقارير.
ويبقى الأمل لدى المعتقلين بأن تُحل قضيتهم في أسرع وقت، وألا يتحوّلوا إلى ورقة مساومة في ميدان السياسة أو ملف منسي في أدراج الإهمال.