Skip to main content

المقاهي العربية في أيام المونديال.. حين تصبح الشاشة مدرجًا بديلًا

الجمعة 3 يوليو 2026
في أيام المونديال، يتغيّر إيقاع المقهى. تُعدّل الطاولات كي تواجه الشاشة- غيتي

في أيام كأس العالم، لا تبقى كرة القدم حبيسة الملاعب بل تمتدّ إلى البيوت والشوارع والساحات، وتجد في المقاهي العربية واحدًا من أكثر مسارحها حيوية. هناك، تتحول الشاشة الكبيرة إلى مدرج بديل، والطاولة الصغيرة إلى مساحة نقاش وتحليل وانفعال، فيما يصبح الهدف حدثًا جماعيًا لا يكتمل إلا بالصراخ والتصفيق وتبادل النظرات.

ولا يحتاج المشجع العربي إلى أن يكون في الملعب كي يشعر أنه داخل المباراة. يكفي أن تمتلئ القهوة قبل صافرة البداية، وأن تتوزع الأعلام والقمصان على الكراسي، وأن يبدأ الجدل حول التشكيلة والفرص والحسابات، حتى يتكوّن ذلك الشعور الخاص بأن البطولة لا تُشاهَد فقط، بل تُعاش.

المقهى كمدرج قريب

ومنذ عقود، ارتبطت المقاهي العربية بكرة القدم. في البطولات الكبرى، تصبح هذه المساحات أكثر من أماكن للجلوس أو شرب القهوة. تتحول إلى نقاط تجمع، يلتقي فيها من لا يعرفون بعضهم بالضرورة، لكنهم يتحدثون لغة واحدة بمجرد أن تبدأ المباراة.

وفي أيام المونديال، يتغيّر إيقاع المقهى. تُعدّل الطاولات كي تواجه الشاشة، تُرفع أصوات المعلّقين، وتتحول الحجوزات إلى جزء من طقوس اليوم. أحيانًا لا يجد المتأخر كرسيًا، لكنه يبقى واقفًا، كأن الوقوف في الزاوية أفضل من مشاهدة المباراة وحيدًا في البيت.

المقاهي العربية في أيام المونديال

وتمنح المقاهي ما لا تمنحه الشاشة الفردية. فهي لا تنقل المباراة فقط، بل تضيف إليها جمهورًا حيًا. كل تمريرة خطرة تُقابل بزفرة جماعية، وكل تسديدة ضائعة تثير حركة واحدة في المكان، وكل قرار تحكيمي يفتح نقاشًا سريعًا بين الطاولات، كما لو أن الجميع يجلسون على دكة تحليل واحدة.

حين تتسع الطاولة لبلد كامل

وتبلغ هذه الطقوس ذروتها عند مباريات المنتخبات العربية. هنا لا تعود المباراة شأنًا رياضيًا خالصًا، بل تتحول إلى مناسبة صغيرة للانتماء. في مقهى واحد، قد يجلس المصري إلى جانب المغربي والجزائري والتونسي والسعودي والقطري، وقد تختلف القمصان، لكن التوتر يصبح مشتركًا عندما يدخل منتخب عربي اختبارًا مصيريًا.

وفي تلك اللحظات، يختفي كثير من الحياد. حتى من لا يتابع الدوري أو لا يعرف أسماء اللاعبين جميعًا، يجد نفسه مشدودًا إلى الشاشة. فالمونديال يمنح المباراة معنى أكبر من نتيجتها، والمقهى يضاعف هذا المعنى لأنه يحوّل المشاهدة إلى تجربة جماعية.

لذلك، تبدو بعض الأهداف في المقاهي أكبر من حجمها داخل الملعب. لا لأن الكرة دخلت الشباك فقط، بل لأن عشرات الأشخاص قفزوا في الوقت نفسه، ولأن المكان كله اهتزّ كمدرج صغير. في هذه اللحظة تحديدًا، يصبح المقهى امتدادًا عاطفيًا للملعب، لا بديلًا ناقصًا عنه.

شاشة واحدة وذاكرات كثيرة

لا تشبه مشاهدة كأس العالم في المقهى مشاهدة مباراة عابرة. فهناك ذاكرة ترافق كل نسخة: هدف قديم، ركلة ترجيح ضائعة، فوز لم يُنسَ، أو خسارة ظلّت معلقة في أحاديث المشجعين. يكفي أن تظهر لقطة من بطولة سابقة حتى يبدأ أحد الجالسين في استعادة حكاية قديمة، غالبًا بصيغة تبدأ بـ"أتذكرون؟".

هكذا تصنع المقاهي أرشيفها الخاص. ليست أرشيفًا بالأرقام والنتائج فقط، بل بالوجوه والانفعالات والجمل التي تُقال بعد المباراة. من كان جالسًا في الزاوية حين جاء الهدف؟ من غادر قبل النهاية ففاته التعادل؟ من أقسم أن المنتخب لن يعود ثم عاد ليحتفل أكثر من الجميع؟

وفي المونديال، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى جزء من الحكاية. الكرسي نفسه قد يصبح فألًا، والطلب نفسه قد يتكرر قبل كل مباراة، والطاولة التي شهدت الفوز الأول تتحول إلى "مكان محظوظ". إنها خرافات المشجعين الصغيرة، لكنها تمنح التجربة دفئها وخصوصيتها.

بين البيت والملعب

ولا يستطيع معظم المشجعين السفر إلى مدن البطولة. المسافات بعيدة، والتذاكر مكلفة، وتفاصيل السفر معقدة. لكن المقهى يمنحهم نسخة قريبة من التجربة: شاشة كبيرة، جمهور حاضر، صوت مرتفع، وانفعال لا يخجل من نفسه.

وفي البيت، قد يخفف المشجع صوته حتى لا يزعج أحدًا. أما في المقهى، فالصراخ جزء من المشهد. في البيت، قد يشاهد المباراة وحده. أما في المقهى، فهو محاط بآخرين يشاركونه التوتر نفسه، حتى لو اختلفوا في التحليل أو الانتماء.

قد يكون الملعب بعيدًا، لكن المقهى يجعله أقرب- غيتي
قد يكون الملعب بعيدًا، لكن المقهى يجعله أقرب- غيتي

هذا ما يجعل المقاهي في أيام كأس العالم مساحة اجتماعية بامتياز. فهي لا تجمع الناس حول كرة فقط، بل حول حاجة قديمة إلى الفرح المشترك. في زمن الشاشات الفردية، يبقى للمشاهدة الجماعية معنى خاص، لأنها تذكّرنا بأن الرياضة، في أصلها، حدث يُرى مع الآخرين لا بمعزل عنهم.

طقس عربي بامتياز

وفي المدن العربية، لا تبدو المقاهي مجرد خلفية للمونديال، بل جزءًا من صورته المحلية. في بيروت والقاهرة والدار البيضاء وتونس وعمّان والدوحة والرياض وبغداد، تتبدل التفاصيل، لكن المشهد العام يبقى مألوفًا: شاشة كبيرة، دخان قهوة، نقاش لا ينتهي، وتصفيق يأتي أحيانًا قبل أن يتأكد الجميع من أن الكرة دخلت الشباك.

أين كنت يوم الهدف

لكل بلد طريقته في المشاهدة. هناك من يحضر باكرًا، ومن يصل عند النشيد، ومن لا يكف عن التحليل، ومن يكتفي بالصمت حتى تأتي اللحظة الحاسمة. لكن الجميع يشتركون في شيء واحد: أن المباراة في المقهى لا تنتهي عند صافرة الحكم. بعدها يبدأ الشوط الآخر من الكلام.

من لعب جيدًا؟ من أخطأ؟ هل كان التبديل صحيحًا؟ هل ظلم الحكم المنتخب؟ وهل يمكن العبور في المباراة المقبلة؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى استوديو تحليلي. يكفي أن تنتهي المباراة حتى تتحول الطاولات إلى برامج مفتوحة، يتكلم فيها الجميع بثقة المدرب وبحرارة المشجع.

مدرج لا يغلق أبوابه

قد يكون الملعب بعيدًا، لكن المقهى يجعله أقرب. يختصر المسافة بين المشجع والبطولة، ويمنح من لا يملك تذكرة إحساسًا بأنه جزء من الحدث. لذلك، لا تبدو المقاهي في أيام المونديال أماكن مشاهدة فقط، بل مدرجات صغيرة موزعة في قلب المدن.

وهناك، تُختبر كرة القدم كما يحبها الناس: صاخبة، عاطفية، قابلة للجدل، ومفتوحة على المفاجأة. هناك أيضًا، يتأكد أن المونديال لا يعيش في الملاعب وحدها، بل في كل مكان تضيء فيه شاشة، ويجلس أمامها أشخاص غرباء، ثم يكتشفون مع الهدف الأول أنهم يشجعون كأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن.

في النهاية، قد لا يذهب الجميع إلى كأس العالم، لكن كأس العالم يجد طريقه إلى الجميع. وفي المقاهي العربية تحديدًا، يصبح الطريق أقصر: شاشة معلّقة على الجدار، مقاعد مزدحمة، وقلوب معلقة بكرة يمكن أن تغيّر مزاج مدينة كاملة في ثانية واحدة.

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة