تدخل المكسيك كأس العالم 2026 وهي تحمل عبئًا لا يشبه أعباء كثير من المنتخبات.
هي ليست ضيفة على البطولة، ولا منتخبًا يبحث فقط عن عبور دور المجموعات، ولا فريقًا قادمًا من تصفيات طويلة صقلت شخصيته في الطريق إلى النهائيات.
هذه المرة، تعود المكسيك إلى المونديال على أرضها، وسط جماهيرها، وفي ملعب يعرف جيدًا معنى الذاكرة الكروية.
على ملعب أزتيكا في مكسيكو سيتي، يفتتح منتخب "التري" البطولة أمام جنوب إفريقيا، في مشهد يعيد المكسيك إلى قلب الحكاية العالمية بعد أربعين عامًا على آخر مونديال استضافته البلاد. غير أن الافتتاح، مهما حمل من رمزية، ليس سوى البداية في رحلة أعمق، هي رحلة البحث عن كسر العقدة التي اختصرها المكسيكيون منذ عقود بعبارة "المباراة الخامسة".
خرجت المكسيك من دور المجموعات في قطر 2022، في نتيجة بدت صادمة لمنتخب اعتاد الوجود في الأدوار الإقصائية. لذلك، تأتي المشاركة الثامنة عشرة في تاريخها المونديالي محمّلة بسؤال يتجاوز الظهور المشرّف:
افتتاح تحت ضغط الذاكرة
جنّبت الاستضافة المشتركة مع الولايات المتحدة وكندا منتخب المكسيك عناء التصفيات، لكنها سلبته في المقابل واحدة من أهم مراحل البناء التنافسي. فالطريق الطويل إلى المونديال يمنح المنتخبات اختبارًا تدريجيًا للهوية والتشكيلة والصلابة الذهنية، وهو ما لم تحصل عليه المكسيك هذه المرة بالطريقة المعتادة.
لهذا السبب، تحوّلت المباريات الودية والمسابقات الإقليمية إلى مساحة اختبار لخافيير أغيري. لم يكن المطلوب فقط تجربة اللاعبين أو تثبيت الخطة، وإنما إعادة بناء الثقة حول منتخب تعرّض لكثير من الاهتزاز بعد مونديال قطر.
على الورق، تبدو المجموعة قابلة للعبور. أما في الواقع، فستكون المباراة الافتتاحية اختبارًا نفسيًا وفنيًا كبيرًا، لأن أي تعثر مبكر على أرض أزتيكا قد يفتح الباب أمام ضغط جماهيري لا يرحم.
أغيري.. عودة المدرب المنقذ
عاد خافيير أغيري إلى تدريب المنتخب المكسيكي في يوليو/ تموز 2024، خلفًا لجيمي لوزانو، في ولاية ثالثة يعرف صاحبها طبيعة المهمة جيدًا. فقد سبق لأغيري أن قاد المكسيك في مونديالي 2002 و2010، وفي المرتين وصل المنتخب إلى دور الـ16 قبل أن يتوقف هناك.
في كوريا الجنوبية واليابان 2002، خرجت المكسيك أمام الولايات المتحدة بخسارة 2-0.
وفي جنوب إفريقيا 2010، انتهت الرحلة أمام الأرجنتين بنتيجة 3-1.
لذلك، لا يعود أغيري إلى المونديال من موقع المدرب الجديد على هذه الضغوط، وإنما من موقع رجل يعرف المسار الذي تعثرت فيه المكسيك مرارًا.
وفق صحيفة "الغارديان"، تعتمد رؤية أغيري الكروية على البراغماتية أكثر من الجمالية، بمعنى أنه يستند إلى مقاربة عملية أكثر من بحثه عن كرة قدم استعراضية. لا يريد منتخبًا يستحوذ لمجرد الاستحواذ، ولا فريقًا يترك المساحات خلفه بحثًا عن صورة جميلة. فكرته تقوم على الكثافة، والضغط، والانتقال السريع، والقدرة على إزعاج الخصم حتى في المباريات التي لا تذهب فنيًا كما يريد.
في العادة، يستخدم أغيري تشكيل 4-3-3 المرن، القابل للتحول إلى 4-2-3-1 أو 4-4-2 وفق مجريات اللعب وهوية المنافس. هذه المرونة قد تكون سلاحًا مهمًا في بطولة طويلة، خصوصًا أن نسخة 2026 تضيف دورًا إقصائيًا جديدًا وتفرض على المنتخبات إدارة الجهد والخيارات بحذر أكبر.
ملامح منتخب يبحث عن توازن
يقف إدسون ألفاريز في قلب المعادلة المكسيكية. حضوره في الوسط يمنح الفريق صلابة، وقدرة على افتكاك الكرة، وحماية للمساحات أمام الدفاع. وإلى جانبه، يبرز إريك ليرا بوصفه أحد اللاعبين الذين لا يصنعون العناوين دائمًا، لكنهم يمنحون الفريق توازنه الحقيقي.
في الخطوط الأمامية، يملك أغيري مجموعة متنوعة من الحلول. يوفّر أليكسيس فيغا وروبرتو ألفارادو السرعة والحركة على الأطراف، فيما يمنح جيلبرتو مورا، وبرايان غوتيريز، وألفارو فيدالغو خيارات بين الخطوط، وقدرة على ربط الوسط بالهجوم في المساحات الضيقة.
أما في المقدمة، فتتوزع الخيارات بين الخبرة والحيوية. يبقى راؤول خيمينيز أحد الوجوه العاطفية لهذا المنتخب. مهاجم فولهام لا يمثل فقط رصيدًا من الأهداف والتجربة، وإنما حكاية عودة طويلة بعد إصابة قوية أثرت على مسيرته وقلّصت حضوره في مرحلة سابقة.
لكن خيمينيز لم يستسلم لهذه الفكرة، إذ لا يزال قادرًا على اللعب وظهره إلى المرمى، وفتح المساحات لزملائه، وحسم الكرات داخل المنطقة. وإلى جانبه، يملك أغيري أسماء قادرة على منح الهجوم شكلًا مختلفًا، من بينها سانتياغو خيمينيز وأرماندو غونزاليس.وقد يكون غونزاليس واحدًا من الأسماء التي ينتظرها الجمهور المكسيكي بكثير من الفضول. مهاجم شيفاس، الملقب بـ"لا هورميغا" أو "النملة"، صعد بقوة في الدوري المكسيكي، وفرض نفسه كأحد الوجوه الشابة القادرة على تغيير إيقاع المباراة من دكة البدلاء أو من التشكيلة الأساسية.
ذاكرة أزتيكا وسؤال الجيل الجديد
لا يمكن فصل مشاركة المكسيك في 2026 عن ذاكرة بطولتي 1970 و1986. ففي المرتين اللتين استضافت فيهما البلاد كأس العالم، حقق المنتخب أفضل نتائجه، وبلغ ربع النهائي. لذلك، لا تنظر الجماهير إلى الأرض والجمهور كعامل رمزي فقط، وإنما كجزء من تجربة تاريخية تقول إن المكسيك تكون أقوى عندما يلعب المونديال في بيتها.
- في 1970، وصلت المكسيك إلى ربع النهائي قبل أن تتوقف أمام إيطاليا.
- في 1986، قدّمت نسخة أكثر رسوخًا، إذ خرجت أمام ألمانيا الغربية بركلات الترجيح بعد مباراة لم تُحسب رسميًا كخسارة في سجلها. من هناك، ولدت صورة منتخب قادر على الذهاب أبعد مما اعتاد.
بعد 1986، بدأت العقدة.
- من 1994 إلى 2018، خرجت المكسيك من دور الـ16 في سبع نسخ متتالية. كانت تصل دائمًا إلى المنطقة ذاتها، ثم تتوقف أمام خصم أكبر أو لحظة أقسى أو تفاصيل صغيرة لا ترحم.
أرقام من تاريخ "التري"
تملك المكسيك واحدًا من أطول السجلات حضورًا في كأس العالم. شاركت في النهائيات منذ النسخة الأولى عام 1930، وغابت عن خمس نسخ فقط: 1934، 1938، 1974، 1982، و1990. وكان الغياب عن مونديال 1990 مرتبطًا بعقوبة فرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم بسبب مخالفات في بطولة للشباب.
خاض المنتخب المكسيكي 60 مباراة في كأس العالم قبل نسخة 2026، فحقق 17 فوزًا، و15 تعادلًا، وتلقى 28 هزيمة. سجل لاعبوه 62 هدفًا، واستقبلت شباكه 101 هدف، وهي أرقام تكشف مفارقة المنتخب المكسيكي: حضور دائم، ذاكرة واسعة، شعبية كبيرة، ونتائج لم تصل بعد إلى مستوى الطموح الجماهيري.
وعلى مستوى الأسماء، يحتل رافا ماركيز موقعًا خاصًا في تاريخ المكسيك المونديالي، إذ يملك الرقم الأعلى في عدد المباريات. كما يرتبط اسمه، إلى جانب غييرمو أوتشوا وأندريس غواردادو، بإنجاز الحضور في خمس نسخ من كأس العالم. أما على مستوى الأهداف، فيبقى لويس هيرنانديز وخافيير "تشيتشاريتو" هيرنانديز في صدارة الهدافين المكسيكيين في البطولة، بأربعة أهداف لكل منهما.
بطولة لاستعادة العلاقة مع الجمهور