قد تكفي صورة واحدة لمعرفة البلد الذي التُقطت فيه خلال أيام المولد النبوي. ففي مدينة سلا المغربية، ترتفع هياكل ضخمة مكسوة بالشموع الملونة فوق رؤوس المشاركين في موكب عمره قرون.
وفي تونس، تمتلئ الموائد بأطباق "عصيدة الزقوقو" المزينة بالفستق واللوز. أما في مصر، فتعود "حلاوة المولد" إلى واجهات المحال، بينما تحمل المناسبة في دمشق نبرة تصنعها المدائح والموشحات وصرر الملبس.
منذ أن بدأت ذكرى مولد النبي محمد تتحول إلى مناسبة عامة في أجزاء من العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى، تراكمت حولها طبقات من التقاليد المحلية: طعام وحلوى ومواكب وإنشاد وأسواق وحرف وطقوس اجتماعية.
وتبدو الرحلة من المغرب إلى المشرق خلال ربيع الأول كأنها انتقال بين نسخ متعددة من المناسبة نفسها؛ تتكرر فيها قراءة السيرة والمدائح والإطعام والاجتماع لدى المحتفلين، بينما تتغير التفاصيل من مدينة إلى أخرى.
من احتفال البلاط إلى الشوارع
لا تعود الاحتفالات العامة بالمولد بصورتها المعروفة اليوم إلى السنوات الأولى للإسلام. ويشير الباحث نيكو كابتين، في دراسته المرجعية عن تاريخ المولد النبوي، إلى أن الدولة الفاطمية في مصر عرفت احتفالًا بمولد النبي ضمن سلسلة موالد رسمية لأفراد من آل البيت، وكانت الاحتفالات ذات طابع مرتبط بالبلاط والدولة، تتضمن توزيع الحلوى ومراسم رسمية. كما تشير "موسوعة الأديان" إلى أن أولى الاحتفالات المسجلة تعود إلى أواخر العصر الفاطمي.
لكن نقطة التحول الأبرز جاءت في إربل سنة 1207 ميلادية، حين أقام حاكمها مظفر الدين كوكبري احتفالًا واسعًا بالمولد شارك فيه علماء ومتصوفة وشعراء، وتخللته الولائم والإنشاد والتجمعات العامة. وتصف المراجع هذه المناسبة بأنها من أقدم الاحتفالات الجماهيرية الكبرى بالمولد التي وصلتنا تفاصيلها، ومحطة أساسية في انتشار هذا النموذج في مناطق أخرى من العالم الإسلامي.
لم ينتقل المولد بعد ذلك في قالب ثابت. فعندما وصل إلى مدن ومجتمعات مختلفة، اختلط بعاداتها وأسواقها وطرقها الصوفية وموروثها الغذائي. ومن هنا يمكن فهم الفارق بين شموع سلا وحلوى القاهرة وزقوقو تونس ومدائح دمشق.
المغرب.. مدينة تحمل الشموع
يمتلك المولد النبوي في المغرب تاريخًا طويلًا. وتوضح وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن الدعوة إلى الاحتفال به ظهرت في سبتة خلال القرن الثالث عشر، قبل أن يتسع حضوره في عهد المرينيين.
وفي سنة 1292 أصبح الاحتفال رسميًا معمّمًا في جهات المغرب في عهد السلطان يوسف بن يعقوب المريني، وترافق في مراحل لاحقة مع قراءة القرآن والإنشاد والمديح وإعداد الطعام والحلوى والعطور وتزيين مجالس الاحتفال.
لكن المشهد الأكثر فرادة اليوم يظهر في سلا المجاورة للرباط، حيث يقام "موسم الشموع". وليس المقصود شموعًا صغيرة يحملها المحتفلون؛ فالحرفيون يصنعون هياكل خشبية كبيرة على هيئة مآذن وقباب، ثم يغطونها بقطع من الشمع متعددة الألوان تشكل زخارف هندسية ونباتية.
ترجع بلدية سلا أصل الموكب إلى عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي في القرن السادس عشر. فبعدما شاهد مواكب الشموع المرتبطة بالمولد خلال وجوده في الدولة العثمانية، نُقلت الفكرة إلى المغرب، واستمر التقليد في سلا عبر أجيال من الحرفيين.
وينطلق الموكب عشية المولد عبر شوارع المدينة القديمة وصولًا إلى ضريح سيدي عبد الله بن حسون، بمشاركة فرق للمديح والموسيقى التراثية.
لا ينتهي الاحتفال بوصول الشموع. فالموسم يتضمن السماع والمديح والموسيقى الأندلسية، إلى جانب أنشطة ثقافية واجتماعية.
وهكذا صار المولد النبوي في سلا مرتبطًا بحرفة كاملة وذاكرة عمرانية وموسيقية تتوارثها المدينة، حتى أصبحت الشموع علامتها الأكثر وضوحًا في المناسبة.
تونس.. المولد الذي يُؤكل بالـ"زقوقو"
تأخذ الرحلة شكلًا مختلفًا تمامًا في تونس، حيث تختصر كلمة واحدة جانبًا كبيرًا من الذاكرة الشعبية للمولد: "عصيدة الزقوقو" وهي حلوى تصنع أساسًا من بذور الصنوبر الحلبي المطحونة، ويضاف إليها الدقيق والسكر، ثم تغطى عادة بالكريمة وتزين بالفستق واللوز والبندق وغيرها من المكسرات.
وتؤكد دراسات غذائية متخصصة الارتباط الوثيق لهذا الطبق بالمولد في تونس، حيث تتحول عملية تحضيره وتزيينه إلى جزء من طقوس المناسبة المنزلية.
يحمل الزقوقو أيضًا قصة اجتماعية لافتة. فبحسب مصادر تونسية، انتشر استخدام بذور الصنوبر الحلبي في الطعام خلال النصف الثاني من القرن 19، حين دفعت المجاعات السكان إلى البحث عن موارد غذائية بديلة في المناطق الغابية.
لا يقتصر المولد التونسي على المائدة. فالقيروان تتحول في المناسبة إلى أحد أهم مراكز الاحتفال في البلاد، وتجذب عشرات آلاف الزوار عبر برنامج ديني وثقافي وسياحي يمتد لأيام.
وفي دورة 2026، التي تزامنت مع حلول المولد في أغسطس، شملت الفعاليات أنشطة دينية وثقافية وسياحية وأسواقًا للصناعات التقليدية، فيما استعدت المدينة لتدفق الزوار من مختلف الولايات ومن خارج تونس.
مصر.. للمناسبة سوقها الخاص
في مصر، يكفي دخول أحد محال الحلوى قبل المولد لرؤية تقليد مختلف. تظهر السمسمية والفولية والحمصية والملبن والمكسرات، وتوضع في علب تحمل اسمًا لا يحتاج إلى تفسير بالنسبة للمصريين: حلاوة المولد.
ترتبط هذه الحلوى بتاريخ طويل للمناسبة في مصر. فقد كان توزيع الحلوى جزءًا من الاحتفالات الفاطمية، ثم توسعت العادة مع مرور القرون وانتقلت من فضاء الدولة والمناسبات الرسمية إلى الأسواق والبيوت. واليوم تكاد الحلوى تشكل موسمًا تجاريًا مستقلًا يبدأ قبل حلول المولد نفسه.
إلى جانب قطع الحلوى، اشتهرت مصر تاريخيًا بـ"عروسة المولد" و"الحصان"، اللذين كانا يصنعان من السكر ويزخرفان بالأوراق الملونة.
تحيط بأصل العروسة روايات شعبية متعددة، لذلك يصعب تثبيت قصة واحدة لولادتها، لكن حضورها ضمن تقاليد المولد المصرية موثق منذ زمن طويل، قبل أن تتراجع النسخ المصنوعة من السكر تدريجيًا أمام الدمى والمنتجات الحديثة.
يبقى الجانب الديني حاضرًا أيضًا من خلال قراءة السيرة والذكر والمدائح والإنشاد، ولا سيما في الأوساط الصوفية. وتصف دار الإفتاء المصرية صور الاحتفال المتداولة بأنها تشمل الاجتماع على الذكر والمدائح والطعام وقراءة السيرة، وهي عناصر ظلت حاضرة بأشكال مختلفة إلى جانب الوجه التجاري والاجتماعي للمناسبة.
لهذا يبدو المولد المصري موزعًا بين ثلاثة فضاءات: المسجد ومجلس الذكر، البيت الذي تدخل إليه علبة الحلوى، والسوق الذي يعيد ترتيب واجهاته كاملة استعدادًا للموسم.
دمشق.. الصوت جزءًا من المولد
في دمشق، يصعب فصل ذاكرة المولد عن الإنشاد الديني، وذلك ليس عادة حديثة، إذ تكشف دراسة للمؤرخة ماريون هولمز كاتز عن دمشق في القرنين الخامس عشر والسادس عشر أن مجالس المولد كانت تقام بكثرة في البيوت، وتشمل تلاوة نص المولد والضيافة والحلوى والطعام.
وتظهر يوميات دمشقي من القرن الخامس عشر عشرات المجالس التي حضرها خلال سنوات قليلة، ما يشير إلى أن المولد أصبح آنذاك جزءًا من الحياة الدينية والاجتماعية داخل المدينة، وليس احتفالًا رسميًا فقط.
احتفظت دمشق لاحقًا بخصوصيتها الصوتية. فالمدائح النبوية والموشحات وفرق الإنشاد تُسمع في المساجد والأحياء والأسواق، وتبدأ بعض المجالس بقراءة القرآن ثم سرد السيرة قبل الانتقال إلى الإنشاد والمديح. وارتبط التراث الدمشقي كذلك بالطريقة المولوية وغيرها من التقاليد الصوفية التي شاركت في المناسبات الدينية.
للحلوى نصيبها أيضًا. فمن عادات المدينة توزيع "صرر الملبس"، وهي حبات من اللوز أو المكسرات المغلفة بالسكر، إلى جانب "المحلاية" وحلويات أخرى.
وفي وصف حديث لاحتفالات دمشق بالمولد، تتكرر مشاهد تزيين الأسواق والأحياء وتوزيع الملبس على الزوار والمارة مع سماع المدائح من المحال والمنازل.
العراق.. من أقدم محطات القصة
تصل الرحلة إلى العراق لتعود، بطريقة ما، إلى بداية القصة نفسها. فمدينة إربل، عاصمة إقليم كردستان العراق، هي المدينة التي شهدت سنة 1207 واحدًا من أشهر الاحتفالات المبكرة بالمولد في المصادر التاريخية.
كان مظفر الدين كوكبري حاكمًا لإربل آنذاك، وتحول احتفاله الواسع إلى مرجع متكرر في الدراسات التي تتناول تطور المولد وانتقاله إلى مناسبة جماهيرية.
بعد أكثر من ثمانية قرون، ما زالت المناسبة حاضرة في المدينة. وتذكر محافظة أربيل أن الاحتفالات الحديثة تشمل مجالس دينية خاصة وتوزيع الحلويات في الأسواق والأماكن العامة، كما تنظم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في الإقليم فعاليات رسمية بالمناسبة.
ويضع التقويم الرسمي لحكومة إقليم كردستان المولد ضمن العطل الرسمية؛ وقد وافق في تقويم عام 2026 يوم 25 أغسطس.
تمنح إربل المادة بذلك دائرة تاريخية شبه مكتملة: مدينة شاركت في صياغة أحد أقدم النماذج الجماهيرية للمولد ما تزال تحتفظ بالمناسبة داخل تقويمها وحياتها العامة بعد قرون طويلة.
ليس الجميع بالطريقة نفسها
الاختلاف بين المجتمعات لا يقتصر على الشموع والحلوى والإنشاد، فالموقف من تخصيص يوم للمولد نفسه ظل موضوعًا لخلاف فقهي قديم ومستمر.
ترى مؤسسات دينية مثل دار الإفتاء المصرية أن الاجتماع على السيرة والذكر والمديح والإطعام والصلاة على النبي من صور الاحتفال المشروعة، وتعتبر المولد مناسبة للتعبير عن الفرح والمحبة.
وفي المقابل، يمثل اتجاه سلفي معروف رأي الشيخ عبد العزيز بن باز الذي رفض تخصيص المولد باحتفال ديني، معتبرًا أنه لم يكن من ممارسات النبي والصحابة والقرون الأولى.
يفسر هذا التباين جزئيًا لماذا لا تمتلك المناسبة الحضور الشعبي نفسه في جميع المجتمعات العربية. فقد تتحول في مكان إلى موسم يمتد أيامًا وتدخل فيه الأسواق والشوارع والبيوت، بينما تمر في مكان آخر من دون مواكب أو احتفالات شعبية مماثلة.