"النابلسية" سامية الزرو.. أن تنتج فنًا بأي خامة وتترك أعمالك في الساحات
نعت الأوساط الثقافية الأردنية الفنانة التشكيلية الأردنية-الفلسطينية سامية الزرو، التي توفيت الخميس الماضي (8 يناير/ كانون الثاني الجاري) عن ثمانية وثمانين عامًا.
خلال ستة عقود، انشغلت ابنة نابلس، طويلة القامة بابتسامتها الودودة والدافئة، بالبحث عن الفن في الجوار وبما توفر من خامات، وبناء مشروع تشكيلي بقدر ما ينشدّ إلى السياسة (مرغمًا) بقدر ما يتفلّت منها ويعلن طلاقه معها.ب
لم ترتهن للشعار، كما سعى بعض أقرانها من التشكيليين الفلسطينيين، ولا لهواجس الفن الخالصة التي تقطع أي صلات مفترضة للوحة بمحيطها وبيئة مُنتجها؛ بل راهنت على تحويل كل ما تراه العين إلى عمل فني، يستجيب لبيئته وهواجسه الفنية في الوقت نفسه.
الرسم على "طبلية الخبّاز"
من نابلس التي ولدت فيها عام 1938، إلى رام الله فبيروت فالولايات المتحدة فالأردن، تنقّلت الزرو بعد أن تخلت عن فكرة دراسة الطب واتجهت إلى التشكيل.
حافظت الزرو خلال مراحل تطورها الفني على مبدأ واحد: أن اللوحة أو المنحوتة يمكن أن توجد في كل مكان تعيش فيه، وأن إنتاجها ممكن بما يتوفر من مواد خام. فرسمت على قطع قماش كانت جزءًا من خيام اللاجئين في الأحياء الشعبية، كما رسمت على الخشب، بل وعلى "طبلية الخبّاز"، كما قالت في حوار قديم لها.
بالإضافة إلى ذلك، نفذت الزرو جداريات بالغة الضخامة والامتداد، لأنها لم تكن تبحث عمن يشاهد أعمالها بشروط غاليريهات العرض ومتطلبات طبقة دون أخرى، بل كانت تذهب إلى المتلقي أو تترك أعمالها في طريقه.
تنتمي الزرو، وفقًا للتشكيلي والمؤرخ الفلسطيني كمال بلّاطة، إلى المرحلة الثالثة التي مر بها التشكيل الفلسطيني منذ القرن الثامن عشر، والتي أطلق عليها وصف "المنقّبون"، بعد مرحلتي "الأوائل" (1795–1955) التي اتسمت برسم الأيقونات كأحد أقدم التقاليد في صناعة الصورة، و"الرواد" (1955–1965) الذين ترعرعوا في مناطق اللجوء واشتقوا لأنفسهم طرقًا جديدة، معاصرة على صعيد الأدوات والتقنيات، ومرتبطة بتحولات القضية الفلسطينية نفسها على صعيد المحتوى والرسالة.
ومن أبرز ممثلي هذه المرحلة إسماعيل شمّوط وبول غيراغوسيان ومصطفى الحلّاج وجوليانا سيرافيم وإبراهيم غنّام وناجي العلي.
أما المرحلة الثالثة فتمتد ما بين عامي 1965 و1995، وتشمل الفن الذي أُنتج في المنفى وعلى التراب الوطني الفلسطيني، واستخدم فيه الفنانون في الضفة الغربية وقطاع غزة إنتاجهم الفني للتعبير عن الهوية الجمعية لشعبهم.
ويوضح بلّاطة أنه على مدار العقود الثلاثة التي تلت حرب عام 1967 سعى التشكيليون الفلسطينيون، أينما عاشوا أو ألقت بهم رياح اللجوء، "إلى ربط معاناتهم الشخصية بالحلم الجماعي لاستعادة الوطن".
ومن هؤلاء من انتقل إلى الأردن وأصبح جزءًا تأسيسيًا من حراكها الثقافي والفني، ومنهم فاطمة المحبّ (1931)، وأحمد نعواش (1934-2017)، وعفاف عرفات (1938)، وسامية الزرو، ومحمود طه (1942-2017)، وسهى شومان (1944)، وعزيز عمورة (1945-2018)، وفؤاد ميمي (1949).
وظل عدد آخر في الضفة الغربية وقطاع غزة، المنطقتين اللتين خضعتا للاحتلال الإسرائيلي، ومنهم كريم دبّاح وتيسير شرف ونبيل عناني وكامل المغنّي وفيرا تماري وفتحي غبن وسليمان منصور وآخرون.
سامية الزرو.. من الطب إلى التشكيل
ولدت سامية طقطق زرو في نابلس 1938 لعائلة ميسورة، فوالدها كان يعمل مفتشًا للصحة في مجال الصيدليات في فلسطين والأردن.
ودرست في المدرسة الإنجيلية بنابلس قبل أن تنتقل وعائلتها إلى مدينة رام الله عام 1948، حيث التحقت بمدرسة الفريندس.
وبعد تخرجها، حصلت على بعثة جامعية لدراسة الفنون الجميلة، وبدلًا من دراسة الطب كما كانت تخطط درست النحت والرسم في الجامعة الأميركية في بيروت، وأنهت دراستها الجامعية عام 1957.
التحقت فيما بعد بأكاديمية كوركورن في واشنطن وبالجامعة الأميركية في واشنطن خلال الفترة من 1958 إلى 1961، قبل أن تستقر في عمّان بعد قيام إسرائيل بإبعاد زوجها عام 1968.
ألوان حارّة وخامات متعدّدة
لجأت الزرو إلى تنويع الوسائل والخامات في إنجاز أعمالها، وفي ألوانها لجأت إلى الألوان الحارة والدافئة بما يتسق ومناخ المنطقة، أما في منحوتاتها فلجأت إلى ما توفر لديها من مواد خام موجودة في البيئة المحيطة بها.
وربما جعلها هذا أقرب من غيرها إلى بيئتها المحلية، وفي الوقت نفسه الأقرب إلى الحداثة الفنية في أعلى درجاتها تجريبًا، إذ لم تعد اللوحة لديها حبيسة المدارس الفنية القديمة والقارّة وكذلك المنحوتات.
وفي هذا كله لم تنس هواجسها الأصيلة ابنةً للمنطقة وقضيتها الكبرى "فلسطين"، لكن من دون أن تُُثقَل لوحتها بالشعار السياسي أو تحوّلها إلى بيان فتفقد بنيتها الفنية الأساسية.
اشتغلت الزرو التي كانت تتجول وتُشاهد وهي ترتدي الأثواب الفلسطينية المطرزة، على التطريز والمنسوجات المطبوعة، وهو ما ظهر ايضًا في لوحاتها عن القدس مثلًا، في سبعينيات القرن الماضي.
كما لجأت إلى تقنية الكولاج (اللصق)، ما حوّل لوحتها إلى مختبر للخامات والتقنيات المتعددة.
بهذا حرّرت الزرو لوحاتها من كل قيد أو مدرسة فنية، بل فعلت أكثر بأن تركت عددًا من لوحاتها بلا إطار، كأن اللوحة جزء من المحيط والجوار وليست كائنًا منغلقًا ومكتفيًا بعزلته، وينتظر من يقصده ليعجب به.
وكأنها بذلك كانت تدفع أعمالها نحو التفاعل والتأثر والتأثير، انطلاقًا من قناعة مفادها أن اللوحة ينبغي أن تذهب إلى المتلقي وتلتقيه، لا أن تنتظره، وأن تشكّله كما يشكّلها.
وعن هذا تقول إنها لا تؤمن "بالإطار المزخرف" لأن "اللوحة امتداد للمكان الذي تجلس فيه"، وهذا دفعها أيضًا إلى تنفيذ لوحات أو أعمال جدارية ضخمة، في الشوارع والساحات وأمام بعض المؤسسات الثقافية، وكانت أولاها عام 1964 في مركز تدريب رام الله، ثم جدارية "تراث فلسطين".
جداريات ضخمة وتكوينات مركّبة
نفذت الزرو عددًا من الجداريات في الأردن، من بينها منحوتة "العائلة" قرب مركز هيا الثقافي، وجداريات نادي السيارات ومدينة الحسين الرياضية والنادي الأرثوذكسي، إضافة إلى عملها "الممر التاريخي" في حدائق الملك حسين في العاصمة الأردنية عمّان، الذي يعتبر مثالاً على استخدامها التكوينات المركبة وإدارة المساحات الكبرى في كتلة فنية واحدة، حيث يمتد العمل على مساحة تقارب الألف متر.
لكن ماذا عن "فلسطينيتها" حتى لو كانت ثاوية؟
ترى الزرو أن الفن نفسه عمل من أعمال المقاومة، وأنه يعكس المشاعر عبر الألوان، ما يجعل أعمالها تنطوي على المقاومة لكن من نوع مختلف.
بالنسبة لي.. في رسوماتي أظهر مقاومة ولا أظهر عنفًا، لأنني لا أؤمن بالعنف، فأعمالي تتسم باتجاهات، تشعرك بالمآسي داخلها، لذلك أختار الألوان الصاخبة. القضايا الحارة في رأيي تحتاج إلى ألوان حارة.
وقد ظهر هذا جليًا في المعرض الذي أقامته عام 2009، وكان بعنوان "من جنين إلى غزة".
وفي ذلك المعرض عرضت لوحاتها من دون إطار، كأنما لوحاتها بما تنطوي عليه من قضايا ومشاعر سؤال مفتوح أمام العالم، ينتظر من يؤطره ويموضعه في سياقه الإنساني العريض.
عندما سئلت عن ذلك قالت:
نفذت لوحاتي على قماش دون إطار لأن القضية الفلسطينية لا تُؤطَر، فهي عالمية ومسؤولية العرب أولًا والعالم ثانيًا.
وتسيّدت الألوان الحارة لوحات ذلك المعرض، في تماثل مع ما رأته في أحداث في غزة التي لم تتوقف إسرائيل عن قصفها، قائلة إن ألوان لوحاتها مرتبطة بمشاعرها الداخلية إزاء موضوعاتها.
أستخدم ألواني التي لها علاقة بالموقف الانفعالي الداخلي، فاللون الأسود هو انعدام الضوء وهكذا كان الوضع في غزة، بينما استخدمت في رسم جنين ومخيمها اللون البنيّ لأن العملية كانت هدمًا أكثر منها حرقًا.
عرفت عن الزرو أيضًا دعواتها لتدريس الفنون باعتبارها مؤشرًا على التقدم الحقيقي في المجتمعات، وقد مارست تدريس الفنون في مركز تدريب المعلّمين التابع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في عمّان، كما شاركت في عدة لجان لتطوير المناهج الدراسية وخاصة المتعلقة بالفنون الجميلة.
والزرو من الأعضاء المؤسسين للمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، وسبق أن شغلت منصب رئيسة رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، بالإضافة إلى عملها مستشارة لمنظمة "اليونسكو" لتطوير مناهج الفنون البصرية، وعملها خبيرة في مشاريع حوار الحضارات التابعة للاتحاد الأوروبي.
أقامت الزرو العديد من المعارض في الأردن والدول العربية، وعرضت أعمال لها في عدد من المتاحف الكبرى، ومنها "متحف النساء" في واشنطن، و"متحف الفاتيكان" و"متحف سيمي فالي" في كاليفورنيا، و"متحف الفن الحديث" في موسكو.