في 26 مارس/ آذار 1993، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" صورة التقطها المصوّر الصحافي كيفن كارتر في السودان، عُرفت لاحقًا باسم "النسر والطفلة الصغيرة" (The Vulture And The Little Girl) والتي توثّق المجاعة في السودان.
ورغم فوزها بجائزة بوليتزر، إلا أنّ الصورة تحولت إلى واحدة من أكثر الصور الصحفية إثارة للجدل في العقود الأخيرة، وأثارت ردود فعل غاضبة، ونقاشات حول أخلاقيات التصوير الصحفي، والحد الفاصل بين توثيق حدث ما والإبلاغ عنه، وبين التدخّل لمساعدة المحتاجين.
في تلك الصورة، ظهرت طفلة منهكة على الأرض، بينما يقف نسر على مقربة منها، في مشهد اختصر قسوة الجوع والحرب والانهيار الإنساني. لكن الصورة لم تفتح باب التعاطف وحده، إنما فتحت أيضًا أحد أصعب الأسئلة في الصحافة:
متى يكون المصور شاهدًا؟ ومتى يصبح مطالبًا بالتدخل؟
انقسم الناس حول الصورة. رأى كثيرون أنها ساعدت العالم على رؤية مأساة السودان، ودفعت إلى زيادة الانتباه الدولي للكارثة الإنسانية. ورأى آخرون أنها كشفت معضلة أخلاقية قاسية: كيف يمكن للصحفي أن يلتقط صورة لطفل في هذا الوضع بدل أن يترك الكاميرا ويتدخل مباشرة؟
منذ ذلك الوقت، لم تعد الصورة تُستعاد بوصفها وثيقة عن المجاعة فقط. صارت مثالًا على التوتر الدائم بين واجب التوثيق ونداء التدخل، بين حق الجمهور في أن يرى وحق الضحية في ألا تتحول معاناتها إلى مشهد، وبين الصحافة كشهادة والصحافة كعبء نفسي وأخلاقي على من يمارسها.
من هو كيفن كارتر؟
مجموعة "بانغ بانغ".. المصورون في قلب العنف
ضمّ نادي بانغ بانغ كلًا من كيفن كارتر، وغريغ مارينوفيتش، وكين اوستيربرويك، وجواو سيلفا. واستُمد الاسم من مقال نُشر في صحيفة جنوب أفريقية، في إشارة إلى العنف الذي خاطر الرجال بحياتهم لتوثيقه.
وكان عملهم محفوفًا بالمخاطر، إذ لم يتردد المصورون الأربعة في الانخراط مباشرةً في الأحداث للحصول على أفضل لقطة، إن كان ذلك يعني كشف حقيقة الحياة في الأحياء الفقيرة بجنوب أفريقيا لجمهور أوسع.
وبالفعل، شهد كارتر وزملاؤه اضطرابات سياسية عنيفة، واحتجاجات، واشتباكات دامية بين مؤيدي نظام الفصل العنصري ومعارضيه المعروفين باسم "الرفاق".
في منتصف الثمانينيات، أصبح كارتر أول شخص يلتقط صورة لأسلوب الإعدام العنيف المعروف باسم "الشنق بالإطار" (necklacing)، حيث يتم وضع إطار سيارة مملوء بالبنزين حول عنق الضحية وإشعاله.
وكما ذكر هارولد إيفانز في مقالٍ بعنوان "التغطية الصحفية في زمن النزاع" نُشر في متحف نيوزيوم، أوضح كيفن كارتر أنّ المعضلة الأخلاقية التي واجهها أثناء توثيقه للحادثة، قائلًا:
شعرتُ بالاشمئزاز مما كانوا يفعلونه، ومما كنتُ أفعله. ولكن عندما بدأ الناس يتحدثون عن تلك الصور، شعرتُ أنّ أفعالي ربما لم تكن سيئة على الإطلاق. أن أكون شاهدًا على شيء بهذا القدر من الفظاعة لم يكن بالضرورة أمرًا سيئًا.
ولكن لم تكن تلك المرة الأخيرة التي يُشكّك فيها كارتر بأخلاقيات عمله، إذ عادت العديد من تلك المشاعر نفسها للظهور مرة أخرى في عام 1993، عندما سافر إلى جنوب السودان لتغطية المجاعة التي تجتاح البلاد.
القصة خلف صورة "النسر والطفلة الصغيرة"
في مارس/ آذار 1993، سافر كارتر مع المصور جواو سيلفا إلى جنوب السودان لتغطية المجاعة التي رافقت الحرب الأهلية والاضطرابات السياسية. كانت المهمة الصحفية جزءًا من محاولة نقل ما يجري إلى العالم الخارجي، في وقت كانت فيه صور الجوع والنزوح والموت البطيء تصل بصعوبة إلى الرأي العام العالمي.
هناك، التقط كارتر صورًا لجموع الناس الذين كانوا يتضورون جوعًا حتى الموت، لكنه التقط أيضًا الصورة التي ستصبح لاحقًا عنوانًا لسجال طويل.
نُشرت الصورة في "نيويورك تايمز" في 26 مارس/ آذار 1993، ثم تلقّت الصحيفة مئات الاتصالات والرسائل من قراء أرادوا معرفة مصير الطفلة. وبينما أشاد بعض الناس بكارتر لتوثيقه تلك اللحظة وتسليطه الضوء على الواقع المرير في السودان، انتقده آخرون لالتقاطه الصور بدلًا من تقديم المساعدة.
لم يكن السؤال عن الصورة فقط، إنما عن الشخص داخلها: هل نجت؟ هل وصلت إلى مركز المساعدات؟ هل ساعدها أحد؟
بعد سنوات، ظهرت معلومات تفيد بأن الطفل، الذي تبيّن لاحقًا أنه صبي يُدعى كونغ نيونغ، نجا من المجاعة وتوفي لاحقًا بسبب مرض عام 2007.
وفي هذا الإطار، قال دان كراوس، مخرج الفيلم الوثائقي المُرشّح للأوسكار "موت كيفن كارتر" (The Death of Kevin Carter)، في مقابلة مع إذاعة " NPR" عام 2006:
سارع الناس إلى وصف كيفن كارتر بالنسر، لكنهم لم يحاولوا فهم تعقيد الوضع في السودان، والتعقيدات أمام الصحفي الذي يواجه هذا القدر من المعاناة.
وبالفعل، كانت ردود الفعل على الصورة قوية، لدرجة أنّ صحيفة "نيويورك تايمز" نشرت توضيحًا في 30 مارس جاء فيه:
يذكر المصور أن الطفلة استعادت وعيها بما يكفي لتكمل سيرها بعد أن تم طرد النسر. ولا يُعرف ما إذا كانت قد وصلت إلى مركز المساعدات.
أجاب هذا التوضيح على بعض التساؤلات العالقة، لكن الكثير منها بقي من دون إجابة، وأهمها:
هل قام كيفن كارتر بأي شيء لمساعدة الطفلة؟
في هذا السياق، كشف المصور جواو سيلفا لمجلة "تايم" عام 1994، أنّ كارتر كان قد شاهد الطفلة الصغيرة التي تبيّن لاحقًا أنّها صبي يُدعى كونغ نيونغ، وهي تُكافح لمدة 20 دقيقة، منتظرًا أن يفتح النسر جناحيه ليحصل على اللقطة المثالية. لكن الطائر لم يفعل ذلك، وفي النهاية قام كارتر بإبعاده بنفسه عن الطفلة.
وأضاف سيلفا: "أُصيب كارتر بالاكتئاب بعد ذلك. وظل يردّد أنّه يُريد احتضان ابنته".
وفي عام 2011، كشف والد كونغ أنّ ابنه نجا بالفعل من المجاعة، لكنّه توفي لاحقًا بسبب مرض في عام 2007. لكن تلك المعلومات لم تكن متاحة لكارتر حين اجتاحته موجة الانتقادات.
بالنسبة إلى كثيرين، بقيت الصورة معلّقة على سؤال واحد: هل كان التصوير كافيًا؟
الشعور بالذنب والمعضلات الأخلاقية
شهد كيفن وأعضاء نادي "بانغ بانغ" أحداثًا تفوق التصوّر بشكل يومي، وهو ما ترك أثرًا نفسيًا عميقًا عليهم. لكن كارتر لم يتعافَ أبدًا من الاضطراب الداخلي الذي عاشه بعد رحلته إلى السودان.
مرّ كارتر بتقلبات عاطفية شديدة في الأشهر التي تلت نشر الصورة. ففي أبريل/ نيسان 1994، حصل على جائزة بوليتزر عن تلك الصورة، وهو تكريم كان من المفترض أن يمنحه شعورًا بالفخر. لكنّه بدلًا من ذلك شعر بالذنب والعار والحزن، وهي مشاعر تعمّقت بسبب الانتقادات الأخلاقية التي وُجّهت للصورة.
وفي الشهر نفسه، قُتل صديقه وزميله في نادي "بانغ بانغ" كين أوستربروك رميًا بالرصاص أثناء توثيقه اشتباكًا عنيفًا بين قوة حفظ السلام الوطنية والمؤتمر الوطني الإفريقي المُناهض للفصل العنصري، حين أطلق أفراد القوة النار، فأردوا أوستربروك قتيلًا وأصابوا غريغ مارينوفيتش.
في تلك اللحظة، كان كارتر يُجري مقابلة حول فوزه بجائزة بوليتزر، فشعر أنه كان يجب أن يكون مع المجموعة، وكان شعوره بالذنب لنجاته يكاد يكون لا يُطاق.
في الشهر التالي، انتُخب نيلسون مانديلا رئيسًا لجنوب إفريقيا. وكان كيفن كارتر قد كرّس حياته لفضح وحشية نظام الفصل العنصري، والآن، بطريقة ما، انتهى كل شيء. لم يعد يعرف ماذا يفعل بعد ذلك. وإلى جانب ذلك، شعر بأنّه مضطر لإثبات أنّه جدير بجائزة بوليتزر التي فاز بها. بعد ذلك بوقت قصير، وفي غمرة اكتئابه، ارتكب خطأً مأساويًا.
نهاية قاسية وسؤال عن أثر المهنة
أثناء مهمة صحفية لصالح مجلة "تايم" في يوليو/تموز 1994، سافر كارتر إلى موزمبيق. وفي رحلة عودته إلى جوهانسبرغ، ترك جميع أفلامه غير المظهّرة- حوالي 16 لفة- على متن الطائرة ولم يُعثر عليها قط. بالنسبة لكارتر، كانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير.
وبعد أقلّ من أسبوع، وُجد كارتر ميتًا، إذ توفي منتحرًا في 27 يوليو/ تموز 1994 بعد فترة من الاكتئاب والاضطراب النفسي.
ورسمت الرسالة التي تركها وراءه صورة مؤلمة للشعور بالذنب والعجز الذي طارده. وكتب كارتر:
تطاردني ذكريات حية عن جرائم القتل والجثث والغضب والألم، عن أطفال يتضوّرون جوعًا أو جرحى، عن رجال شرطة متهوّرين يُسارعون لإطلاق النار، وعن جلّادين قتلة. سأذهب للانضمام إلى كين أوستر بروك إذا كنت محظوظًا إلى هذا الحد.
كان كيفن كارتر يبلغ من العمر 33 عامًا فقط. ومع ذلك، فقد تركت فترة حياته القصيرة على الأرض بصمة لا تُمحى في وعي البشرية. وقد أعادت وفاته طرح سؤال مهم ظل لسنوات على هامش النقاش الصحفي: من يعتني بالشاهد؟ فالصحفيون الذين ينقلون الحروب والمجاعات والكوارث لا يخرجون دائمًا سالمين من المشاهد التي يوثقونها.
متى تكون الصورة شهادة؟
الصور الصحفية تمتلك قدرة لا تملكها النصوص دائمًا. يمكن أن تختصر حدثًا معقدًا في لحظة واحدة، وأن تجعل البعيد قريبًا، وأن تحول الضحية من رقم إلى وجه. ولهذا أدّت صور كثيرة عبر التاريخ دورًا في تنبيه العالم إلى الحروب والمجاعات والانتهاكات.
لكن قوة الصورة هي نفسها مصدر خطرها. فهي قد تكشف الحقيقة، وقد تختزلها. قد تمنح الضحية صوتًا، وقد تحبسها في صورة واحدة من الألم. قد تدفع إلى الفعل، وقد تكتفي بإنتاج الصدمة.
في حالة "النسر والفتاة الصغيرة"، تحولت الصورة إلى شهادة على المجاعة، لكنها تحولت أيضًا إلى امتحان للصحافة نفسها. هل يكفي أن يشهد المصور؟ هل ينتهي واجبه عند التقاط الصورة ونشرها؟ أم أن وجوده أمام إنسان يعاني يفرض عليه مسؤولية تتجاوز التوثيق؟
ليست هناك إجابة واحدة تصلح لكل الحالات. فالصحفي في مناطق النزاع يعمل ضمن ظروف معقدة: قيود أمنية، مخاطر ميدانية، تعليمات منظمات الإغاثة، أمراض، خوف، ووقت محدود. لكن ذلك لا يلغي السؤال الأخلاقي. على العكس، يجعله أكثر ضرورة.
الصحفي بين التوثيق والتدخل
يُدرَّب الصحفيون غالبًا على أن يكونوا شهودًا لا أطرافًا في الحدث. فالتدخل قد يغيّر المشهد، وقد يعرّض الصحفي أو من يصوره للخطر، وقد يحرم الجمهور من معرفة ما يجري. لكن هذه القاعدة تصبح أصعب حين يجد الصحفي نفسه أمام إنسان يحتاج إلى مساعدة مباشرة.
في مثل هذه اللحظات، تتداخل المهنة مع الضمير. لا يعود السؤال نظريًا. فالمصور أو المراسل لا يقف أمام "موضوع صحفي"، إنما أمام إنسان. لهذا بقيت صورة كارتر حاضرة في كليات الصحافة ونقاشات الأخلاق المهنية، لأنها لا تقدم درسًا بسيطًا، إنما تكشف مأزقًا لا يمكن حسمه بسهولة.
فلو لم تُلتقط الصورة، ربما بقيت المأساة أقل حضورًا في الوعي العالمي. ولو اكتفى العالم بالتعاطف مع الصورة من دون فهم سياقها، فقد يكون استهلك الألم من دون أن يقترب من أسبابه. هنا تكمن قوة الصورة وخطرها معًا.
الجمهور الذي يحاكم الصورة
بعد نشر صورة كارتر، لم يكن الجمهور متلقيًا فقط. تحوّل إلى محكمة أخلاقية واسعة. كتب قراء، اتصلوا، تساءلوا، وانتقدوا. بعضهم رأى في الصورة عملًا صحفيًا مهمًا، وبعضهم رأى فيها قسوة لا تُغتفر.
هذا التفاعل يكشف جانبًا آخر من الصحافة الحديثة: الصورة لا تنتهي عند نشرها. تبدأ حياة جديدة في النقاش العام. يعاد تأويلها، وتُحمَّل بمعانٍ جديدة، وقد يتحول مصورها نفسه إلى موضوع للمحاكمة.
اليوم، مع منصات التواصل الاجتماعي، أصبح هذا الأثر أسرع وأقسى. يمكن لصورة من حرب أو كارثة أن تنتشر خلال دقائق، وأن يتعرض مصورها أو ناشرها أو حتى الضحية نفسها إلى موجة من التعليقات والأحكام.
لذلك لم تعد أخلاقيات الصورة مسألة تخص غرفة الأخبار وحدها، إنما تخص الجمهور أيضًا: كيف نرى؟ كيف نشارك؟ وماذا نفعل بالصورة بعد أن تصل إلينا؟
الصورة التي بقيت سؤالًا