الجمعة 16 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

الهجرة إلى سبتة.. كيف انتهت أحلام مغاربة إلى خسائر ومصائر معلقة؟

الهجرة إلى سبتة.. كيف انتهت أحلام مغاربة إلى خسائر ومصائر معلقة؟

شارك القصة

محاولات هجرة جماعية من المغرب إلى سبتة انتهت بالفشل - غيتي
محاولات هجرة جماعية من المغرب إلى سبتة انتهت بالفشل - غيتي
محاولات هجرة جماعية من المغرب إلى سبتة انتهت بالفشل - غيتي
الخط
يواجهه المغاربة الفقدان والبطالة بعد محاولات عبور جماعية إلى سبتة، إثر انتشار معلومات مضللة عن الهجرة وفرص الاستقرار في إسبانيا.

يواجه المهاجرون المغاربة الفقدان والبطالة بعد محاولات عبور جماعية إلى سبتة، إثر انتشار معلومات مضللة عن الهجرة وفرص الاستقرار في إسبانيا.

ودفعت منشورات ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي عامل زخرفة الجبس مراد صبري إلى مغادرة مسقط رأسه في مدينة قلعة السراغنة، جنوب وسط المغرب، في يوليو/ تموز الماضي، متجهًا إلى سبتة، بعدما صدّق معلومات خاطئة عن إمكانية العبور سباحة إلى الجيب الخاضع لسيطرة إسبانيا والاستقرار فيه دون إعادته.


ليس فشل محاولة الهجرة فحسب


لكن محاولة صبري باءت بالفشل، بعدما طاردته قوات الأمن، ليعود إلى مدينته وعمله وبيته، فيما لا يزال ابن خاله، الذي شارك في محاولة العبور، مفقودًا.

وقال صبري لوكالة رويترز: "سمعت أن إسبانيا فتحت حدودها عبر سبتة بحرًا، فأردت أن أجرب حظي كغيري من أبناء بلدي، طامعًا في حياة أفضل. لكن بعد أن تمت مطاردتنا، ورأيت جثثًا طافية في البحر، قررت العودة إلى عملي وإلى بيتي الذي أملكه رغم الدخل القليل والظروف الصعبة".

وأضاف: "في الحقيقة، لست متأكدًا حتى إن تمكنت من الهجرة، هل ستكون ظروفي أفضل مما هي عليه الآن أم لا. لقد انسقت وراء موجة الدعوة للهجرة وأردت أن أجرب حظي، لكن الحمد لله أني عدت سالمًا".

ولم تقتصر خسارة صبري على فشل محاولة الهجرة، إذ لا يزال ابن خاله فتاح هاشم مفقودًا، بعد أكثر من شهر على موجة العبور الجماعي نحو سبتة، التي تجاوز خلالها عدد المتدفقين من المغرب 70 ألف شخص.

وقال صبري إن ابن خاله كان يعمل موظفًا في مقاطعة حضرية بمدينة طنجة، وهاجر قبله بيوم، لكنه ظل هاتفه مغلقًا منذ ذلك الحين، ولم تتلق عائلته أي معلومات تؤكد ما إذا كان حيًا أم ميتًا.

وأضاف: "والداه منهاران ولا يعرفان شيئًا عنه. لقد فقدا الأمل في العثور عليه، وهما منزويان في البيت ولا يتحدثان إلى أحد".


دفن جثث المهاجرين


وتشير تقديرات إلى أن نحو 70 ألف شخص، معظمهم من الشبان، حاولوا العبور بصورة غير قانونية من المغرب إلى سبتة في نهاية يوليو/ تموز، لكن السلطات الإسبانية أعادت غالبيتهم، فيما أفادت منظمات غير حكومية بأن أكثر من 100 شخص لقوا حتفهم خلال تلك المحاولة.

وفي أواخر أغسطس/ آب الفائت، دفنت إسبانيا عشرات الجثث مجهولة الهوية لأشخاص ماتوا غرقًا أثناء محاولة العبور الجماعية، ووضعت الجثامين في قبور مرقمة دون أسماء.

وانتقدت هيئات حقوقية مغربية عملية الدفن، وطالبت بوقفها فورًا. كما طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي من أكبر الجمعيات الحقوقية في المغرب، السلطات المغربية "بالتدخل العاجل لوقف دفن جثامين 82 مهاجرًا مغربيًا في سبتة، والتعجيل بالتعرف إلى هوياتهم وإعادتهم إلى المغرب لدفنهم بكرامة".

رفض المغرب أي تلميح لتسهيله تدفق آلاف المهاجرين إلى سبتة - غيتي
رفض المغرب أي تلميح لتسهيله تدفق آلاف المهاجرين إلى سبتة - غيتي

واعتبرت الجمعية أن "دفن الجثامين من دون استكمال إجراءات التعرف إلى هويات أصحابها، وتمكين أسرهم من استلامها، يشكل مساسًا بكرامتهم وبحق عائلاتهم في معرفة مصير ذويها".

كما استقبلت السلطات المغربية عددًا من جثامين ضحايا محاولة العبور الجماعي إلى سبتة في مستودع الأموات بمدينة تطوان، وقالت إنها "ستخضع للإجراءات القضائية والتحاليل للتعرف إلى هوياتهم".

وانتقدت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان في إقليم المضيق - الفنيدق - مرتيل التعامل الرسمي مع الواقعة، وقالت في تقرير إن أحداث سبتة "أفرزت وضعًا إنسانيًا استثنائيًا تجاوز مجرد تدبير أزمة للهجرة، ليطرح أسئلة جوهرية حول مدى احترام الحق في الحياة والكرامة الإنسانية، والحماية الدولية، وحقوق الطفل، وعدم الإعادة القسرية، وواجب السلطات في توفير الحماية للأشخاص الموجودين تحت ولايتها".


"لا شيء سوى الوعود الكاذبة"


في مدينة سلا القريبة من العاصمة الرباط، كانت كوثر (س) تعمل نادلة في مقهى وتنفق من دخلها الشهري البسيط على احتياجاتها وتساعد والدتها، لكنها استجابت لدعوات الهجرة الجماعية عبر سبتة في يوليو/ تموز، برفقة مجموعة من أصدقائها.

وبعد فشل المحاولة، حاولت العودة إلى حياتها السابقة، لكن صاحب العمل رفض إعادتها، بدعوى أنها انقطعت عن العمل من دون إخباره وتركت المقهى 3 أيام من دون مساعدة.

وقالت كوثر لرويترز: "قال لي الأصدقاء إن إسبانيا فتحت باب الهجرة، فقررت من دون تفكير أن أذهب لأحسن وضعي، ليس فقط ماديًا. لقد سئمت من العيش هنا دون آفاق".

وأضافت أنها كانت تتقاضى شهريًا 2000 درهم، نحو 200 دولار، إلى جانب إكراميات الزبائن، ليصل دخلها إلى نحو 300 أو 350 دولارًا، لكنها قالت: "حتى الآن لم أجد شيئًا، ما زلت أبحث عن عمل منذ أن أضعت عملي كنادلة، والأمور تزداد سوءًا".

وأشارت إلى أن دافعها للهجرة لم يكن ماديًا بالأساس، قائلة: "أردت فضاء أرحب يتقبلني كامرأة مختلفة، فضاء لا يتدخل في حريتي واختياراتي. حتى وإن كنت سأجد عملًا بأجر هزيل في إسبانيا كالذي أتقاضاه في المغرب، كنت سأقبل بالهجرة. هنا الأفق يبدو منغلقًا، ولا شيء سوى الوعود الكاذبة".

وذكرت أنها عندما ذهبت مع أصدقائها، وجدت السلطات المغربية تفرق المهاجرين وتطاردهم، وقالت: "كان الوضع خطيرًا والحجارة تتطاير من كل جانب، فخفت وعدت أدراجي".

وأضافت أن صديقًا لها كان يبيع سلعًا مستعملة في سلا، أصيب بكسر مضاعف في يده أثناء مطاردات السلطات المغربية للمهاجرين، بعدما سقط وداسته أقدام المتدافعين.


حلم تبخر


وأظهرت وثائق نشرتها الحكومة الإسبانية أن أجهزة المخابرات والأمن الإسبانية حذرت نظيراتها المغربية والسلطات في مدريد من خطط لاقتحام سبتة، قبل يوم واحد من عبور المهاجرين إلى المدينة.

لكن المغرب رفض أي تلميح إلى تسهيله تدفق آلاف المهاجرين إلى سبتة، وكثف الإجراءات الاحترازية على الحدود، كما أحبط محاولة جديدة للعبور باتجاه سبتة في منتصف أغسطس/ آب الفائت، وألقى القبض على 111 مهاجرًا.

وقال عبد اللطيف باكر، الكاتب الإقليمي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان في منطقة المضيق - الفنيدق - مرتيل: "هذا حلم عند شباب المنطقة أن يلتحقوا بإسبانيا، حتى ولو علموا أنهم لن يحققوا مكاسب اقتصادية. بالنسبة إليهم، يبحثون عن حقوق وكرامة وعدالة، ولديهم قناعة بأنهم لن يجدوا ذلك إلا في الضفة الأخرى".

وأضاف: "للأسف، المنطقة لا توجد بها أنشطة اقتصادية لفائدة الشباب. فبعد أن أغلقت الجمارك بين البلدين في العام 2019، انهار التهريب المعيشي الذي كان يعيش عليه عدد من السكان".

وتابع: "باستثناء بعض أنشطة الكراء والسياحة الصيفية الموجهة بالأساس إلى المغاربة، ليست هناك مشاريع اقتصادية مهمة تساهم في انتعاش المنطقة اقتصاديًا".

وكان المغرب أغلق معبر باب سبتة نهائيًا في 2019 أمام ممتهني التهريب المعيشي والسلع المهربة.

وقال المغرب في وقت سابق إن التهريب الذي كان يمارس عبر معبري سبتة ومليلية كان يكلف المملكة خسائر بنحو 7 مليارات درهم، أي نحو 700 مليون دولار، سنويًا.

ويرى عبد اللطيف أن على الدولة توفير "كرامة المواطن من عدالة اجتماعية، خاصة التعليم والتطبيب والشغل، وأن يكون هناك اهتمام بالمواطن وتنميته فكريًا واجتماعيًا، لإعمال مقاربة شاملة لمحاربة الهجرة غير النظامية".

تابع القراءة

المصادر

رويترز