الثلاثاء 10 مارس / مارس 2026
Close

الهرم الغذائي الجديد.. ثورة في التغذية أم انقلاب على القواعد العلمية؟

الهرم الغذائي الجديد.. ثورة في التغذية أم انقلاب على القواعد العلمية؟ محدث 08 فبراير 2026

شارك القصة

قدمت وزارة الزراعة الأميركية هرمًا غذائيًا مُعاد تصميمه يعكس أحدث توصياتها- غيتي
قدمت وزارة الزراعة الأميركية هرمًا غذائيًا مُعاد تصميمه يعكس أحدث توصياتها- غيتي
الخط
وصف وزير الصحة الأميركي روبرت إف كينيدي جونيور الهرم الغذائي الجديد بأنه "أهم إعادة هيكلة للسياسة الغذائية الفيدرالية في التاريخ".

أصدرت الولايات المتحدة مجموعة جديدة من الإرشادات الغذائية للفترة 2025-2030، مرفقةً بـ"هرم غذائي" مُعاد التصميم يبتعد كثيرًا عن النموذج الكلاسيكي الذي اعتاد الأميركيون رؤيته لعقود.

جاء الإعلان في سياق سياسي واضح، إذ ربطته الإدارة الأميركية بشعار "جعل أميركا صحية مرة أخرى"، وبخطاب يدعو إلى العودة إلى "الطعام الحقيقي" وتقليص الأطعمة فائقة المعالجة.

وقال وزير الصحة روبرت إف كينيدي جونيور إن رسالته واضحة: "تناولوا طعامًا طبيعيًا"، واصفًا التحول بأنه إعادة ضبط تاريخية لسياسة التغذية الفيدرالية.

كيف تطوّر "الهرم الغذائي" الأميركي؟

وفق موقع "يو أس إيه توداي"، بدأ اعتماد "الهرم الغذائي" بصورته الأشهر عام 1992، حين قدّمت وزارة الزراعة نموذجًا من مستويات متدرجة: قاعدة واسعة للحبوب والنشويات، تتبعها الخضراوات والفواكه، ثم منتجات الألبان والبروتينات، وصولًا إلى قمة صغيرة للدهون والزيوت والسكريات.
  • 6 إلى 11 حصة من الحبوب والنشويات، بما في ذلك الخبز والحبوب والأرز والمعكرونة.
  • 3 إلى 5 حصص من الخضراوات، ومن 2 إلى 4 حصص من الفاكهة.
  •  2 إلى 3 حصص من منتجات الألبان واللحوم والدواجن والأسماك والبقوليات والبيض والمكسرات.
  • كمية قليلة من الدهون والزيوت والسكريات.
تم تعديل الهرم الغذائي الأصلي عام 2005 ليصبح نموذج "هرمي الغذائي"- غيتي
تم تعديل الهرم الغذائي الأصلي عام 2005 ليصبح نموذج "هرمي الغذائي"- غيتي
وفي 2005، استُبدلت فكرة "الطبقات" بشرائط ملونة داخل مثلث واحد (نموذج MyPyramid)، مع توصيات رقمية مبنية على نظام غذائي نموذجي يقارب 2000 سعرة حرارية يوميًا:
  • 6 أونصات من الحبوب.
  • 2.5 كوب من الخضراوات.
  • 2 كوب من الفاكهة.
  • 3  أكواب من الحليب أو منتجات الألبان.
  • 5.5 أونصة من اللحوم والأسماك والبقوليات والبيض والمكسرات يوميًا.
  • "تناول محدود" للدهون والزيوت.
تخلّت الولايات المتحدة عن الهرم عام 2011 لصالح نموذج بصري يشبه طبق الطعام (MyPlate)، قبل أن تعود الآن إلى منطق "الهرم" ولكن بمحتوى مختلف جذريًا.
استبدل الهرم الغذائي بنموذج بصري عام 2011
استبدل الهرم الغذائي بنموذج بصري عام 2011

 


الهرم الغذائي الجديد: ثلاثة أقسام بدلًا من خمسة


اللافت في النسخة الجديدة من الهرم الغذائي أنها تُبسّط الخريطة الغذائية إلى ثلاثة أقسام بدل التصنيفات التقليدية الخماسية أو السداسية. وفي ترتيب يثير الجدل، تتقدم المنتجات الحيوانية على غيرها، فيما تُصنّف الفواكه والخضراوات بوصفها "أساسية"، لكنها تأتي في مرتبة تالية داخل الهرم.

البروتين أولًا.. ورفع السقف اليومي

لم يكن "البروتين" بحد ذاته فئةً ضمن مخططات الحمية الغذائية الشائعة حتى عام 2011، حيث كان يُنصح بتناوله بكميات صغيرة آنذاك. أما الإرشادات الحديثة، فلا تكتفي بإعادة الاعتبار للبروتين كفئة مركزية، بل ترفع الكمية الموصى بها إلى 1.2–1.6 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا، بعد أن كان الحد الأدنى الشائع في الإرشادات السابقة 0.8 غ/كغ.

الدهون: "إنهاء الحرب" مع الإبقاء على سقف 10%

أما الدهون، فتشهد هي الأخرى تحولًا جذريًا. ففي السابق، كانت التوصيات الغذائية تنصح بتقليل أو تجنب منتجات الألبان كاملة الدسم وجميع أنواع الدهون، بما فيها الدهون الصحية والمشبعة. أما الآن، فتدعو الإرشادات إلى الحصول على "الدهون الصحية" من مصادر طبيعية كاملة، وتسمح عمليًا بحضورٍ أوسع لمنتجات مثل الألبان كاملة الدسم ضمن نمط الغذاء المقترح.

وتشجع الإرشادات الحديثة على استهلاك الدهون "الصحية"، بما في ذلك الدهون المشبعة، وتضعها في قمة الهرم الغذائي في نفس فئة البروتين ومنتجات الألبان. وقد أعلن روبرت كينيدي جونيور أن وزارة الزراعة الأميركية "تنهي الحرب على الدهون المشبعة".

ومع ذلك، تُبقي الوثيقة على القاعدة العامة بأن الدهون المشبعة لا ينبغي أن تتجاوز 10% من إجمالي السعرات اليومية، لكن مع تشديدٍ على أن مصدرها المفضل يجب أن يكون "طعامًا كاملًا" لا منتجات فائقة المعالجة.

الهرم الغذائي الأميركي الجديد- الإرشادات الغذائية للفترة 2025-2030
الهرم الغذائي الأميركي الجديد- الإرشادات الغذائية للفترة 2025-2030

وتقترح الإرشادات الغذائية الأميركية ثلاث حصص من الخضراوات وحصتين من الفاكهة يوميًا، لكنها لا تُقدم إرشادات كافية حول كمية كل حصة كما تفعل بالنسبة للبروتين. 

السكر المضاف: تشدد جديد بلغة مباشرة

تتبنى الإرشادات موقفًا أكثر صرامة تجاه السكر المضاف: فهي تعتبر أن "لا كمية" منه تُعد جزءًا من نظام صحي، ثم تترجم ذلك إلى توصية عملية تقول إن الوجبة الواحدة يجب ألا تتضمن أكثر من 10 غرامات من السكر المضاف، مع دعوة لتجنب المشروبات المحلاة وتقليص الأطعمة فائقة المعالجة.

الحبوب: "كاملة" في القاعدة.. والمكررة خارج المعادلة

وفي قاعدة الهرم تظهر الحبوب الكاملة مع تنبيه صريح لتجنب الكربوهيدرات المكررة، والتشديد على تقليص منتجات الدقيق الأبيض والسكريات والنشويات فائقة التصنيع، وتناول حصتين إلى أربع حصص من الحبوب الكاملة كل يوم.

الكحول: تراجع عن الأرقام لصالح عبارة عامة

ومن التغييرات الملحوظة أيضًا ما يتعلق بالكحول. فبدل تحديد عدد معين من "المشروبات" يوميًا، تميل الإرشادات إلى توصية عامة: قلّل الاستهلاك، من دون الدخول في أرقام تفصيلية كما اعتادت إصدارات سابقة.


هل يتصادم الهرم الجديد مع علم التغذية؟


على الرغم من أن الهرم الجديد يرفع شعار التبسيط و"الطعام الحقيقي"، إلا أن الاعتراضات لم تتأخر، باعتبار أنه لا يتوافق تمامًا مع علم التغذية الذي يشجعه أخصائيو التغذية، وفق موقع "إيتنغ ويل". 

وينقل الموقع عن اختصاصية التغذية المعتمدة مادلين بيك قولها: "إن الهرم الغذائي الجديد يضع الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة، مثل الجبن واللحوم الحمراء، في الجزء الأعرض (في الأعلى)، مما يوحي بضرورة استهلاكها بكميات أكبر من الأطعمة الموجودة في الجزء السفلي، والتي تحتوي على كميات كبيرة من البقوليات والحبوب الكاملة". وتضيف:

 "هذا يتعارض مع ما نعرفه من حقائق، وهي أن الدهون المشبعة يجب ألا تتجاوز 10% من إجمالي السعرات الحرارية المتناولة".

وهناك أيضًا بعض المجموعات الغذائية الصحية التي لا تحظى بالأولوية في الهرم الغذائي، مثل الأطعمة المخمرة المفيدة لصحة الأمعاء، كما أن البقوليات والحبوب الكاملة تحتل مرتبة متأخرة في أسفل الهرم، رغم أنها من ركائز التغذية المتوازنة في كثير من المدارس الغذائية المعاصرة.

وتُعد البقوليات والحبوب الكاملة مصدرًا غنيًا بالألياف، وهي عنصر غذائي لا يحصل عليه غالبية الأميركيين بكميات كافية.

أما الألياف، فهي بالغة الأهمية لصحة الأمعاء، ومستويات الكوليسترول والطاقة وطول العمر والصحة العامة. لذلك، فإن الحصول على كمية كافية منها ليس تفصيلًا ثانويًا يمكن تأجيله أو تعويضه بمكملات، بل جزء أساسي من أي نظام غذائي صحي.

كذلك يُعد البروتين عنصرًا أساسيًا ويجب أن يكون محورًا رئيسيًا في النظام الغذائي، لكن ليس على حساب الأطعمة الغنية بالألياف مثل الفواكه والخضراوات والبقوليات والحبوب الكاملة، والتي تأتي في المرتبة الثانية في هذا الهرم، مع أنها ضرورية لصحة أمعائنا وقلوبنا وعقولنا.

وبحسب "إيتنغ ويل"، لا يوجد نظام غذائي واحد يناسب الجميع، وهذا ما يجعل اتباع أي هرم غذائي (جديدًا كان أم قديمًا) أمرًا صعبًا بعض الشيء. فمن الضروري استشارة اختصاصي تغذية للحصول على نصائح حول نمط غذائي يلبي حاجات كل فرد بدلًا من استخدام الهرم كإطار جامد للنظام الغذائي، أي أن الهرم قد يصلح كبوصلة عامة، لا كخريطة دقيقة للجميع.

تابع القراءة

المصادر

ترجمات