في كل نسخة من كأس العالم، تأتي المنتخبات الكبرى محمّلة بتاريخها، ونجومها، وضغط جماهيرها، وحسابات المرشحين التقليديين.
لكن في مونديال 2026، لن تكون الحكاية حكرًا على الأبطال المعتادين ولا على المنتخبات التي تحفظ الجماهير تاريخها عن ظهر قلب.
فالنسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم تفتح بابها أمام وجوه جديدة، وبلدان تعبر إلى المسرح العالمي للمرة الأولى، حاملةً معها أحلامًا صغيرة في ظاهرها، كبيرة في معناها.
ضمن هذه الصورة، يحضر أربعة وافدين جدد إلى كأس العالم: الأردن، أوزبكستان، الرأس الأخضر، وكوراساو.
لكل منتخب منها حكاية مختلفة؛ عربية وآسيوية وإفريقية وكاريبية، لكنها تلتقي عند معنى واحد: في النسخة الأكبر، لم تعد المشاركة الأولى هامشًا في المشهد،
صحيح أنها ليست أسماء مرشحة للمنافسة على اللقب، لكنها تمنح البطولة شيئًا آخر: دهشة الظهور الأول، فرحة الجماهير التي انتظرت طويلًا، وقصصًا كروية تثبت أن كأس العالم لا يصنعه الكبار وحدهم.
نسخة كبيرة لقصص صغيرة
لا يقتصر توسيع كأس العالم على زيادة عدد المنتخبات أو تبدّل شكل المجموعات. فالنسخة الجديدة تفتح نافذة أوسع أمام خرائط كروية لم تكن حاضرة دائمًا في المشهد الأول، وتمنح منتخبات أقل صخبًا فرصة الظهور على المسرح الذي ظل طويلًا محكومًا بالأسماء الكبرى.
في هذا الهامش الجديد، تظهر تحولات لافتة نتيجة مسار أطول تغيّرت فيه خريطة اللعبة تدريجيًا؛ إذ صارت المنتخبات الصغيرة أكثر قدرة على البناء، وصار لاعبو الشتات جزءًا من ذاكرة كروية تعود إلى بلدانها، فيما وجدت اتحادات كانت بعيدة عن الواجهة فرصة لتقديم نفسها على المسرح الأوسع في كأس العالم.
من هنا، لا تبدو مشاركة الوافدين الجدد في مونديال 2026 مجرد إضافة عددية إلى جدول البطولة. فالأردن يصل بعد تطور واضح في حضوره الآسيوي، وأوزبكستان تعبر أخيرًا بعد انتظار طويل، والرأس الأخضر يحوّل أرخبيلًا صغيرًا إلى قصة عالمية، فيما تفتح كوراساو بابًا جديدًا لكرة القدم الكاريبية في بطولة تتسع للملاعب والجماهير والحكايات معًا.
الأردن.. من وصافة آسيا إلى الموعد العالمي
يصل المنتخب الذي بلغ نهائي كأس آسيا 2023، وقدّم واحدة من أبرز رحلاته القارية، إلى مونديال 2026 وفي ذاكرته القريبة لحظة تحوّل كبيرة مثّلها الفوز على عُمان بثلاثية في يونيو/ حزيران 2025، والتأهل للمرة الأولى إلى كأس العالم.
يدخل "النشامى" مجموعة صعبة تضم الأرجنتين حاملة اللقب، والجزائر، والنمسا.
بحسب برنامج مبارياته، يبدأ الأردن مشواره أمام النمسا في 17 يونيو، ثم يواجه الجزائر في 23 يونيو، قبل اختبار بالغ الرمزية أمام الأرجنتين في 28 يونيو.
ويعوّل المدرب جمال السلامي على أسماء بارزة في مقدمتها موسى التعمري، إلى جانب علي علوان ويزن العرب وغيرهم من عناصر الجيل الحالي.
أوزبكستان.. انتظار آسيوي طويل
منذ استقلال أوزبكستان الكروي، ظل المنتخب قريبًا من كأس العالم من دون أن ينجح في العبور. مرات كثيرة حضر في التصفيات الآسيوية كمنتخب صعب، لكنه تعثر في المراحل الحاسمة، أو خسر تفاصيل صغيرة كانت كافية لإبعاده عن البطولة.
في مونديال 2026 تنتهي هذه العقدة...
يصل المنتخب الأوزبكي بقيادة الإيطالي فابيو كانافارو، وبمجموعة تضم أسماء تملك خبرة جيدة، يتقدمها القائد إلدور شومورودوف، والمدافع عبد القادر خوسانوف، وعباسبيك فايزولاييف.
وسيخوض أوزبكستان مبارياته في المجموعة الحادية عشرة أمام كولومبيا، ثم البرتغال، ثم الكونغو الديمقراطية.
قصة أوزبكستان لا تقوم على الرومانسية وحدها. ثمة عمل تراكمي في الفئات العمرية، وحضور واضح في البطولات الآسيوية، ورغبة في أن يكون هذا الظهور بداية مرحلة، لا محطة استثنائية - غيتي
الرأس الأخضر.. أرخبيل صغير بحلم كبير
بلد صغير من جزر متفرقة في غرب إفريقيا، وعدد سكانه أقل من 600 ألف نسمة، يجد نفسه فجأة في كأس العالم.
بالنسبة إلى بلد يعرف الهجرة والحنين والشتات، تبدو المشاركة في المونديال أكثر من إنجاز رياضي؛ إنها فرصة ليظهر اسم البلاد على شاشة كونية.
تأهل منتخب "القروش الزرقاء" بعد مشوار لافت في التصفيات الإفريقية، حقق خلاله سبعة انتصارات في عشر مباريات، ونجح في تجاوز منافسين أكبر خبرة، بينهم الكاميرون.
ويضم المنتخب مزيجًا من لاعبين محليين وآخرين ولدوا في أوروبا ويحملون جذورًا من الرأس الأخضر، في صورة تشبه كثيرًا حكاية البلد نفسه مع الاغتراب والعودة.
المجموعة لا تبدو سهلة على الإطلاق. فالرأس الأخضر سيواجه إسبانيا، والأوروغواي، والسعودية. لكن الحكاية تبدأ قبل النتائج.
في بلد صغير، قد تكفي مباراة واحدة جيدة، أو هدف واحد تاريخي، كي تتحول المشاركة الأولى إلى ذاكرة طويلة - غيتي
كوراساو.. أصغر بلد على المسرح الأكبر
الجزيرة الكاريبية، التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة هولندا، تصبح أصغر بلد يشارك في كأس العالم من حيث عدد السكان.
عدد سكانها يزيد قليلًا على 150 ألف نسمة، ومساحتها محدودة، لكن فريقها نجح في عبور تصفيات الكونكاكاف وفرض نفسه بين 48 منتخبًا.
تكمن خصوصية كوراساو في علاقتها الكروية بهولندا. غالبية لاعبي المنتخب ولدوا هناك، ويحملون جنسية هولندية وجذورًا من الجزيرة.
هذه الصلة منحت الفريق قاعدة فنية أوسع، خصوصًا مع المدرب المخضرم ديك أدفوكات، الذي أعاد تنظيم المنتخب وبنى مجموعة أكثر انضباطًا من دون أن يفقدها روحها الكاريبية.
سيواجه كوراساو اختبارًا قاسيًا في مجموعة تضم ألمانيا، والإكوادور، وساحل العاج.
على الورق، تبدو الفوارق كبيرة. لكن المنتخب الذي صعد بعد تعادل حاسم أمام جامايكا يعرف أن وجوده في البطولة حدث استثنائي بحد ذاته، وأن كل مباراة ستكون فرصة لتقديم صورة مختلفة عن كرة القدم في الجزر الصغيرة.
ما الذي يمكن أن يفعله الوافدون الجدد؟
لا يدخل أي من الوافدين الجدد مونديال 2026 بوصفه مرشحًا بعيد المدى. الفوارق الفنية واضحة، والمجموعات صعبة، والخبرة العالمية شبه معدومة. لكن نظام البطولة الجديد يمنح هامشًا أكبر للمفاجأة، لأن احتلال المركز الثالث قد يكون كافيًا لعبور الدور الأول إذا جاءت النتائج مناسبة.
هذا التفصيل يغيّر نظرة المنتخبات الصغيرة إلى مبارياتها. لم تعد الخطة محصورة في تجنب الخسائر الثقيلة. يمكن لنقطة واحدة، أو فوز مفاجئ، أو فارق أهداف مقبول، أن يفتح بابًا لم يكن متاحًا في النسخ السابقة.
هنا تحديدًا تصبح قصص الأردن وأوزبكستان والرأس الأخضر وكوراساو جزءًا من دراما البطولة.