الوجه المؤلم للجوع.. أفغانيون يبيعون طفلاتهم مقابل الطعام والدواء
لم يعد الجوع في ولاية غور الأفغانية يعني موائد شبه فارغة أو أيامًا تمر بلا طعام فحسب، بل دفع بعض الآباء إلى خيارات أكثر قسوة، بعدما لجأت عائلات إلى بيع بناتها أو تزويج طفلاتها أو وقف علاج أطفالها، بسبب العجز عن تأمين ثمن الخبز والدواء.
وكشف تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" صورة مأساوية للأوضاع في مدينة تشغتشران عاصمة الولاية، حيث يتجمّع مئات الرجال مع ساعات الفجر الأولى في ساحة مُغبرة بانتظار فرص العمل اليومية القليلة، التي تُحدّد من سيتمكن من إطعام أسرته ومن ستنام عائلته جائعة.
آباء عاجزون عن إطعام أطفالهم
ونقل التقرير قصة جمعة خان، البالغ 45 عامًا، الذي لم يحصل سوى على ثلاثة أيام عمل خلال ستة أسابيع، وقال إنّ أطفاله ناموا جائعين 3 ليالٍ متتالية، فيما اضطر إلى طلب المساعدة من أحد جيرانه لشراء الدقيق، مضيفًا: "أعيش في خوف من أن يموت أطفالي جوعًا".
أما القصة الأكثر قسوة فكانت لعبد الرشيد عظيمي، الذي قال إنّه مستعد لبيع إحدى بناته ليتمكّن من إطعام بقية أطفاله، مضيفًا باكيًا: "أنا مستعد لبيع بناتي، أنا فقير ومديون وعاجز".
وأوضح عظيمي أنّ أطفاله يطلبون الخبز كلما عاد إلى المنزل، لكنه لا يجد ما يقدمه لهم، مشيرًا إلى أن بيع ابنة واحدة قد يكفي لإطعام بقية العائلة لأربع سنوات على الأقل.
وقالت زوجته "كايهان" إن العائلة لا تجد ما تأكله سوى الخبز والماء الساخن "وليس حتى الشاي"، فيما أكد عظيمي، وهو يحتضن ابنته، أن القرار "يمزق قلبه"، لكنه لا يرى خيارًا آخر.
بيع طفلة لتأمين تكاليف العلاج
وفي مأساة أخرى، قال الأب الأفغاني سعيد أحمد إنه اضطر إلى بيع طفلته "شايقة"، البالغة خمس سنوات، إلى أحد أقاربه لتأمين تكاليف علاجها، بعد إصابتها بالتهاب الزائدة الدودية وكيس في الكبد.
وأوضح أن العملية الجراحية نجحت، لكن الاتفاق يقضي بأن يأخذها القريب بعد خمس سنوات، عندما تبلغ العاشرة، لتُصبح زوجة لأحد أبنائه.
وقال سعيد: "لو كان لدي مال، لما اتخذت هذا القرار أبدًا"، مضيفًا أنه كان يخشى موتها من دون الجراحة، فاختار أن تبقى على قيد الحياة رغم قسوة القرار.
الفتيات الأكثر تضررًا من الفقر والجوع
وأشار التقرير إلى أنّ الفتيات يدفعن الثمن الأكبر في مثل هذه الظروف، نتيجة نظرة اجتماعية تعتبر الذكور معيلين مستقبليين، إضافة إلى القيود التي فرضتها طالبان على تعليم النساء والفتيات وعملهن، فضلًا عن تقاليد الزواج التي تحصل فيها عائلة الفتاة على المال أو الهدايا من عائلة العريس.
كما نقل التقرير عن رجل يدعى "رباني" أنه تلقى اتصالًا يخبره بأن أطفاله لم يأكلوا منذ يومين، مؤكدًا أنه فكر في الانتحار قبل أن يتراجع بعدما أدرك أن موته لن يساعد أسرته.
وتحدث "خواجه أحمد"، وهو رجل مسن، عن عجزه عن العثور على عمل بعد وفاة أبنائه الأكبر الذين كانوا يعيلون الأسرة.
المستشفيات تواجه كارثة سوء التغذية
وفي المستشفى الرئيسي بمدينة تشغتشران، وثق التقرير مشاهد لأطفال ناقصي الوزن داخل وحدة حديثي الولادة، التي امتلأت أسرتها إلى درجة أن بعضها يضم طفلين.
ومن بين الحالات التي رصدها التقرير توأمتان ولدتا قبل موعدهما بشهرين، بعدما لم تجد والدتهما خلال الحمل سوى الخبز والشاي.
وبعد ساعات من وضعهما على أجهزة الأوكسجين، توفيت إحدى الطفلتين قبل أن تحصل على اسم، فيما بدأت الأخرى تكتسب بعض الوزن ويستقر تنفسها، إلا أن عائلتها اضطرت إلى إخراجها من المستشفى بسبب عدم قدرتها على تحمل تكاليف بقائها.
وغادر الطفل "زمير"، البالغ ستة أسابيع، المستشفى للسبب نفسه، رغم إصابته بالتهاب السحايا والالتهاب الرئوي، وهما مرضان قابلان للعلاج في حال توفرت الرعاية والإمكانات اللازمة.
وقالت الممرضة فاطمة حسيني إن رؤية الأطفال يموتون كانت في البداية قاسية، لكنها أصبحت مع تكرارها أمرًا "شبه طبيعي".
"اليونيسف": ملايين الأطفال يعانون سوء التغذية
وخلص التقرير إلى أن الفقر في ولاية غور لم يعد يعني الجوع فقط، بل بات يحدد من يأكل، ومن يُباع، ومن يتلقى العلاج، ومن يواجه المرض خارج المستشفى بسبب عجز أسرته عن دفع التكاليف، في وقت يؤكد فيه السكان أنهم لا يتلقون مساعدات من الحكومة أو المنظمات.
من جهتها، وصفت "اليونيسف" الأوضاع في أفغانستان بأنها "أزمة تغذية ممتدة"، مؤكدة أن انعدام الاستقرار الاقتصادي والصراع والكوارث المرتبطة بالمناخ فاقمت أزمة انعدام الأمن الغذائي، في وقت يعاني فيه نحو 3.7 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء تغذية حاد نتيجة نقص الغذاء المغذي والمياه النظيفة.