عند اتخاذ قرار الولادة بالعملية القيصرية، يتركز النقاش الطبي المصاحب لـ"الموافقة المستنيرة" عادة على المخاطر الآنية والمباشرة التي قد تواجه الأم، مثل احتمالات العدوى الجراحية والنزيف الحاد ومضاعفات التخدير. لكن أثر هذه الجراحة المحتمل في المسار النمائي والصحي للطفل خلال السنوات اللاحقة بات بدوره موضع اهتمام متزايد لدى الباحثين.
فبينما تمثل القيصرية إجراءً ضروريًا وآمنًا في العموم عند وجود دواعي طبية، وقد تكون منقذة لحياة الأم أو الطفل في حالات كثيرة، تكشف الدراسات عن ارتباطها ببعض النتائج الصحية طويلة المدى، بدءًا من التغيرات في مؤشر كتلة الجسم وارتفاع احتمالات السمنة، وصولًا إلى بعض اضطرابات الجهاز المناعي والأمراض التحسسية.
وتشير إحدى الفرضيات العلمية الراهنة إلى أن اختلاف طريقة الولادة يغير طبيعة تعرض الطفل المبكر للميكروبات التي تسهم في تشكيل ميكروبيوم الأمعاء ونضج الجهازين المناعي والهضمي. غير أن الميكروبيوم ليس التفسير الوحيد، إذ تتداخل معه صحة الأم وأسباب اللجوء إلى القيصرية واستخدام المضادات الحيوية والرضاعة وغيرها من العوامل.
ارتفاع عدد الولادات القيصرية
تشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة الولادات القيصرية ارتفعت من نحو 6% عالميًا عام 1990 إلى 21% عام 2018، أي أكثر من ولادة واحدة بين كل خمس ولادات. وتتوقع المنظمة أن تقترب النسبة من 30% بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 38 مليون ولادة قيصرية سنويًا.
وتتفاوت هذه المعدلات بصورة كبيرة بين المناطق والدول. ففي بعض المجتمعات، تعجز نساء كثيرات عن الوصول إلى العملية عند الحاجة الطبية إليها، بينما تسجل مجتمعات أخرى نسبًا مرتفعة لا تفسرها الضرورات الصحية وحدها.
وتعيد هذه الأرقام طرح الأسئلة بشأن أسباب الارتفاع، ولا سيما في الدول التي تتجاوز فيها المعدلات ما يمكن تفسيره بالاحتياجات الطبية وحدها. ففي مقابل مناطق لا تزال فيها نساء كثيرات محرومات من القيصرية عند الحاجة إليها، تشهد مناطق أخرى توسعًا في إجرائها من دون ضرورة طبية واضحة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن القيصرية قد تكون تدخلًا أساسيًا ومنقذًا للحياة، لكنها قد تعرض الأم والطفل لمخاطر صحية غير ضرورية عندما تُجرى في غياب الحاجة الطبية.
مخاطر صحية طويلة المدى
وفقًا لمراجعة علمية نُشرت عام 2022 في دورية "Cell Host & Microbe"، ترتبط الولادة بعملية قيصرية بارتفاع احتمالات مجموعة من الحالات الالتهابية والأيضية المزمنة، مع توافر أقوى الأدلة بشأن السمنة والتأتب، أي الاستعداد للإصابة بأمراض الحساسية.
وتشير دراسات رصدية كذلك إلى ارتباطات محتملة مع أمراض أخرى، من بينها داء الأمعاء الالتهابي والتهاب المفاصل اليافعي وبعض اضطرابات المناعة وأمراض النسيج الضام وسرطان الدم. إلا أن الأدلة المتعلقة بهذه الحالات أقل قوة واتساقًا من الأدلة الخاصة بالسمنة والربو والأمراض التحسسية، ولا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين القيصرية والإصابة بها.
اختلاف الاستعمار البكتيري للأمعاء
يعد اختلاف الاستعمار المبكر للأمعاء بالبكتيريا من أبرز الفرضيات التي تربط بين الولادة القيصرية وبعض الحالات الالتهابية واضطرابات التمثيل الغذائي.
فخلال الولادة وبعدها مباشرة، يبدأ جسم الطفل في استقبال الكائنات الدقيقة التي تستعمر الأمعاء والفم والجلد. ويحدث هذا الانتقال من مصادر متعددة، تشمل أمعاء الأم وجلدها وحليبها والبيئة المحيطة بالولادة.
وخلال الولادة المهبلية، يتعرض الطفل إلى مجموعة من الميكروبات القادمة من الأم، ولا سيما الميكروبات المعوية والمرتبطة بقناة الولادة ومنطقة العجان. أما الأطفال المولودون قيصريًا، فتكون أمعاؤهم في البداية أقل احتواءً على بعض البكتيريا المنتقلة من الأم، مع حضور أكبر لبعض البكتيريا المرتبطة بالجلد وبيئة المستشفى.
وأظهرت دراسة نُشرت في دورية "Nature"، وشملت 1679 عينة مأخوذة من 596 طفلًا، انخفاض انتقال سلالات من بكتيريا "Bacteroides" من الأم إلى الأطفال المولودين قيصريًا، مقابل ارتفاع استعمار أمعائهم ببعض البكتيريا الانتهازية المرتبطة بالمستشفيات، مثل "Enterococcus" و"Enterobacter" و"Klebsiella".
وتساعد الميكروبات التي تستعمر الجسم في بدايات الحياة في تطور الجهاز المناعي ووظائف الهضم والتمثيل الغذائي. وقد تستمر بعض الفروق المرتبطة بطريقة الولادة خلال مرحلة الرضاعة أو مدة أطول، في حين تتراجع فروق أخرى مع نمو الطفل وتأثير الرضاعة والغذاء والمضادات الحيوية والبيئة المحيطة.
الجهاز المناعي للأطفال
قد يساعد اختلاف الميكروبيوم المبكر في تفسير ارتفاع احتمالات الإصابة ببعض الأمراض المزمنة المرتبطة بالمناعة لدى الأطفال المولودين بعمليات قيصرية، إذ يتطور الجهاز المناعي بالتوازي مع تطور الكائنات الدقيقة التي تستعمر الجسم.
ويعتقد الباحثون أن التعرض المبكر لمجموعة متنوعة من الميكروبات يسهم في تدريب الجهاز المناعي على التمييز بين العوامل الضارة والمواد التي لا تستوجب استجابة التهابية قوية.
وترتبط هذه العملية بما يُعرف بـ"التحمل الفموي"، وهي قدرة الجهاز المناعي على تقبل المستضدات غير الضارة التي تدخل الجسم عبر الفم والجهاز الهضمي، مثل مكونات الغذاء وبعض الكائنات الدقيقة، بدل التعامل معها بوصفها تهديدًا يستوجب استجابة مناعية مفرطة. وقد تؤثر طبيعة الاستعمار الميكروبي المبكر في تطور هذه القدرة، لكن الآليات الدقيقة لا تزال موضع بحث.
ويصعب في الوقت نفسه عزل أثر طريقة الولادة عن عوامل أخرى تؤثر في الجهاز المناعي، مثل صحة الأم أثناء الحمل، والاستعداد الوراثي للحساسية، والولادة المبكرة، والرضاعة الطبيعية، واستخدام المضادات الحيوية.
الولادة القيصرية والسمنة
تناولت دراسة تايوانية واسعة، نُشرت إلكترونيًا عام 2024 في "مجلة الجمعية الطبية في فورموزا"، بيانات 1,884,701 طفل، بهدف تحديد ما إذا كانت طريقة الولادة ترتبط بحالات صحية معينة، بما فيها زيادة الوزن والسمنة.
وخلصت الدراسة إلى ارتباط الولادة القيصرية بارتفاع خطر زيادة الوزن لدى الأطفال، حتى بعد أخذ عوامل متداخلة في الاعتبار، مثل اضطرابات المناعة لدى الأم ومضاعفات الحمل والخصائص الديموغرافية للطفل. وبلغ معدل الخطر المعدّل 1.29، أي بزيادة نسبية قدرها 29% مقارنة بالأطفال المولودين ولادة مهبلية.
وتنسجم هذه النتيجة مع عدد من الدراسات السابقة. فقد خلص تحليل تجميعي نُشر عام 2015 وشمل 28 دراسة إلى أن الأطفال المولودين بعمليات قيصرية كانوا أكثر عرضة للإصابة بالسمنة خلال الطفولة بنسبة بلغت 34% مقارنة بأقرانهم المولودين ولادة مهبلية. وانخفض حجم الارتباط في الدراسات التي أخذت وزن الأم قبل الحمل في الاعتبار، ما يوضح أهمية العوامل المتداخلة.
ولا تعني الزيادة النسبية أن القيصرية تؤدي وحدها إلى السمنة. فوزن الطفل يتأثر أيضًا بالعوامل الوراثية، ووزن الأم وصحتها خلال الحمل، والرضاعة، ونمط الغذاء، والنشاط البدني والظروف الاجتماعية والاقتصادية.
الولادة القيصرية والأمراض التحسسية
ترتبط الولادة القيصرية في عدد من الدراسات بارتفاع احتمالات الإصابة ببعض الأمراض التحسسية، ولا سيما الربو والأكزيما والتهاب الأنف التحسسي وحساسية الطعام.
وكشف تحليل شامل نُشر عام 2024 في "مجلة الحساسية والمناعة السريرية"، وضم 113 دراسة، أن الأطفال المولودين بعمليات قيصرية كانوا أكثر عرضة نسبيًا للإصابة بالربو بنسبة 20%، والتهاب الأنف أو الملتحمة التحسسي بنسبة 15%، والأكزيما بنسبة 8%، وحساسية الطعام بنسبة 35%، مقارنة بالأطفال المولودين ولادة مهبلية.
وتشير هذه الأرقام إلى زيادة نسبية في الاحتمالات، لا إلى أن هذه النسب من الأطفال ستصاب فعليًا بالمرض. كما تختلف النتائج بين الدراسات بحسب عمر الأطفال وطريقة تشخيص المرض والمنطقة الجغرافية والعوامل الصحية والاجتماعية التي يضبطها الباحثون.
وقد عزت بعض الأبحاث جزءًا من هذه الارتباطات إلى العوامل الصحية لدى الأم. فالحالات التي تزيد احتمال إجراء القيصرية، مثل زيادة الوزن والسكري وبعض مضاعفات الحمل، قد تؤثر بدورها في صحة الطفل واستعداده للإصابة بالسمنة أو الأمراض التحسسية.
وتشير مراجعة عام 2022 في دورية "Cell Host & Microbe" إلى أن بيئة الأم قبل الولادة واختلاف الانتقال الميكروبي بعد الولادة قد يعملان معًا. فلا تتوقف المسألة على أنواع البكتيريا التي يتعرض لها الطفل، وإنما تشمل أيضًا استجابته لهذا التعرض، وهي استجابة تتأثر بالبيئة التي نما فيها خلال الحمل.
ما تأثير المضادات الحيوية؟
يبرز دور المضادات الحيوية بوصفه عاملًا متداخلًا آخر، إذ تتلقى الأمهات الخاضعات للقيصرية عادة مضادات حيوية وقائية للحد من خطر العدوى الجراحية. ويمكن لهذه الأدوية أن تؤثر في بعض البكتيريا الموجودة لدى الأم وفي الميكروبات التي تصل إلى الطفل.
لكن فصل أثر المضادات الحيوية عن أثر طريقة الولادة ليس أمرًا سهلًا، لأن العاملين يحدثان غالبًا في الوقت نفسه. كما يتأثر ميكروبيوم الطفل بالمضادات الحيوية التي قد يتلقاها بعد الولادة وبنوع الرضاعة ومدة الإقامة في المستشفى.
وأظهرت دراسة نُشرت عام 2024 في دورية "Cell Host & Microbe" أن المضادات الحيوية الوقائية المستخدمة خلال القيصرية أحدثت تأثيرًا محدودًا في التركيب العام لميكروبيوم أمعاء الطفل، مع ظهور آثار أدق على مستوى السلالات البكتيرية والجينات المرتبطة بمقاومة المضادات. ويشير ذلك إلى أن الاختلافات المرصودة تنتج على الأرجح من تفاعل عدة عوامل، لا من المضادات الحيوية وحدها.
أما ما يُعرف بـ"التلقيح المهبلي"، الذي يقوم على مسح فم الطفل ووجهه وجلده بسوائل مهبلية من الأم بعد القيصرية، فلا يُعد حتى الآن وسيلة مثبتة لتعويض الاختلافات في الميكروبيوم. وقد يؤدي إلى نقل مسببات عدوى، مثل المكورات العقدية من المجموعة "ب" أو فيروس الهربس.
ولهذا لا توصي الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال بإجراء هذه الممارسة خارج الأبحاث العلمية المعتمدة، في ظل غياب أدلة كافية على فوائد صحية طويلة المدى واستمرار المخاوف المتعلقة بالعدوى.
ولا تختزل طريقة الولادة وحدها المسار الصحي للطفل. فالرضاعة الطبيعية والتغذية وصحة الأم والبيئة المنزلية والرعاية الطبية والنشاط البدني والعوامل الوراثية تؤدي جميعها أدوارًا متداخلة في نموه.
تبقى القيصرية جراحة كبرى تتطلب نقاشًا طبيًا واضحًا بشأن دواعيها وفوائدها ومخاطرها، من دون تخويف الأمهات اللواتي يحتجن إليها أو تقديمها بوصفها بديلًا روتينيًا للولادة المهبلية. فالقرار الأفضل هو الذي يستند إلى الضرورة الطبية وحالة كل أم وطفل.