الولايات المتحدة في عيون العرب: فلسطين "مفتاح" الصورة
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس صورة الدول فقط بما تقوله عن نفسها، بل بما تتركه سياساتها في حياة الناس ومخاوفهم اليومية. وفي المنطقة العربية، حيث تتقاطع الحروب والاقتصاد والهوية، تأتي الولايات المتحدة على الدوام كفاعلٍ حاضرٍ في الخلفية.. وأحيانًا في قلب المشهد.
لذلك، خصّص "المؤشر العربي 2025" في هذه الدورة مجموعة من الأسئلة للوقوف على اتجاهات الرأي العام نحو الولايات المتحدة بصفة عامة، وحول مواقف المواطنين العرب من القيم والثقافة الأميركية. وقد قاس المؤشر العربي هذه الاتجاهات نحو الولايات المتحدة قبل عشر سنوات.
في النتائج التي يستعرضها هذا التقرير، ضمن سلسلة من التقارير الخاصة ستُنشَر تباعًا، في سياق ملف "المؤشر العربي 2025"، تتبدّى صورة واشنطن مركّبة:
سياسات واشنطن وتهديد أمن المنطقة
حين سُئل الرأي العام العربي عن القوى التي تهدّد أمن المنطقة العربية واستقرارها، جاءت النتيجة واضحة:
77% من المستجيبين قالوا إن السياسات الأميركية تهدّد أمن المنطقة واستقرارها.
وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية، مباشرة بعد إسرائيل، التي أظهرت النتائج أنّ الرأي العام متوافق بما يقارب الإجماع على أنّ سياساتها تشكّل تهديدًا لأمن المنطقة.
وتُظهِر هذه النتيجة على نحو جلي أنّ الرأي العامّ يرى أن سياستي إسرائيل والولايات المتحدة هما المصدران الأكثر تهديدًا لاستقرار المنطقة وأمنها.
هذا الرقم لا يعبّر عن موقفٍ عابر؛ بل عن مزاجٍ عام يرى في واشنطن جزءًا من معادلة الخطر الإقليمي، لا "ضامنًا" للاستقرار.
فلسطين في قلب الصورة
تظهر مركزية فلسطين أكثر حين ينتقل السؤال إلى تقييم السياسة الأميركية تجاهها مباشرةً:
76% قيّموا السياسة الأميركية نحو فلسطين تقييمًا سلبيًا، مقابل 11% فقط اعتبروها إيجابية.
وعلى الرغم من أن الرأي العام في الأقاليم المختلفة متشابه في تقييم السياسة الأميركية نحو فلسطين، فإن تقييم مواطني المشرق العربي كان الأكثر سلبية.
ومع أن المؤشر يرصد تقييمات سلبية لقوى دولية وإقليمية أخرى، مثل إيران، وروسيا، وكذلك بعض البلدان الأوروبية، فإن الحالة الأميركية تبدو الأكثر ارتباطًا بتشكيل الانطباع العام، باعتبارها "الاختبار" الأوضح لمعايير العدالة والازدواجية في نظر كثيرين.
ماذا يمكن أن يحسّن صورة أميركا؟
لا يكتفي "المؤشر العربي 2025" برصد السلبية، بل يسأل عن "المخرج":
ما القرارات التي يمكن أن تحسّن نظرة العرب إلى الولايات المتحدة إذا طبّقتها؟
هنا، تُظهِر النتائج أن 44% يربطون تحسين الصورة بتغيير السياسات الأميركية نحو فلسطين، مثل حماية الفلسطينيين ووقف الدعم المالي والعسكري لإسرائيل.
وعند تفصيل الخيارات، جاءت الإجابات على النحو الآتي:
-
وقف الدعم المادي والعسكري لإسرائيل (17%)
-
حماية الفلسطينيين من إسرائيل (14%)
-
التوصل إلى حل عادل في القضية الفلسطينية (13%)
في المقابل، كان لـ9 في المئة من المستجييبين رأي آخر، إذ قالوا:
"لن تتحسّن نظرتي إلى الولايات المتحدة مهما فعلت".
بعبارة أخرى: ما زالت هناك "مساحة للتغيير" لدى شرائح واسعة، لكنها مشروطة بخطوات ملموسة، لا بخطابٍ عام.
"الشعب" أقلّ سلبية من "السياسة"
واحدة من أكثر النتائج دلالة أن السلبية لا تُسقَط بالتساوي على كل ما هو "أميركي".
فصحيح أن 56% من المستجيبين عبّروا عن مشاعر سلبية تجاه الولايات الولايات المتحدة، وهي نسبة أعلى من تلك التي سجلت قبل عشر سنوات.
إلا أنّ 54% من المستجيبين أفادوا أن موقفهم السلبي تجاه الولايات المتحدة هو نتيجة لسياستها الخارجية وليس نتيجة لاختلاف مع القيم أو الثقافة الأميركية، مقابل 24% قالوا إن موقفهم السلبي هو نتيجة لاختلافهم مع القيم والثقافة الأميركية.
لكنّ الأهمّ من كلّ ذلك، أنه عندما سُئل المستجيبون عن مشاعرهم تجاه الشعب الأميركي بمعزل عن السياسة الخارجية، جاءت النتائج معايرة تمامًا:
-
27% قالوا إن نظرتهم سلبية تجاه الشعب الأميركي (ارتفاعًا من 19% قبل 10 سنوات
-
42% قالوا إن نظرتهم إيجابية
-
14% قالوا إن موقفهم "لا سلبي ولا إيجابي"
هذه الفجوة بين تقييم "السياسة" وتقييم "المجتمع" تعني أن القطيعة ليست ثقافية بالكامل؛ بل إن جذورها، في جزء كبير منها، سياسية وخارجية، مرتبطة بما تفعله واشنطن في المنطقة أكثر مما ترتبط بماهية المجتمع الأميركي نفسه.
الدور الأميركي في المنطقة.. كيف يراه العرب؟
استنادًا إلى كلّ ما تقدم، يتبيّن أنّ الرأي العام العربي يقيّم سلبًا سياسات الولايات المتحدة في المنطقة العربية بصفة عامة، ونحو فلسطين بصفة خاصة، إذ توافق نحو ثلاثة أرباع المواطنين في المنطقة على أن سياسات الولايات المتحدة تهدد استقرار المنطقة.
ففي سلسلة عبارات تقيس نظرة العرب إلى الدور الأميركي في المنطقة، تظهر مجموعة تصورات قاسية ومترسخة، أبرزها:
-
66% يوافقون على أن الولايات المتحدة "تسعى إلى السيطرة على البلدان العربية"
-
63% يرون أنها تستخدم المساعدات لفرض أجندتها
-
55% يعتقدون أن سياساتها تساهم في انتشار الفساد المالي والإداري في البلدان العربية
-
50% يعتقدون أنها تفضّل التعامل مع حكومات غير ديمقراطية في المنطقة
وفي المقابل، حين يتعلّق الأمر بحقوق الإنسان، تنقلب المعادلة:
فقط 31% يوافقون على أن الولايات المتحدة "تحمي حقوق الإنسان في العالم العربي"، مقابل 55% يعارضون ذلك.
هنا تتضح عقدة أساسية في صورة واشنطن: كثيرون لا يرونها "قوة قيم"، بل "قوة مصالح"، حتى حين تستخدم مفردات الحقوق والحريات.
أميركا خيارٌ… لكن ليس "الخيار الأول"
لأن الصورة ليست سياسية فقط، سئل المستجيبون إن كانت النظرة السلبية إلى سياسة الولايات المتحدة تنعكس على خياراتهم الشخصية، سواء للهجرة إليها أو الاستقرار فيها، أو قضاء إجازة فيها، أو من أجل العلاج لهم أو لأحد أفراد أسرهم، أو التدريب في مجال عملهم، أو إكمال الدراسة الجامعية، السفر للعمل.
تُظهر النتائج أن 21% فقط قالوا إنهم سيختارون الولايات المتحدة بلدًا للهجرة، و14% لقضاء إجازة سياحية، بينما قال 25% إنهم يختارون منتجات أميركية عند شراء المستورد.
أما في مجالات تُعدّ الولايات المتحدة متقدمة فيها تقليديًا، مثل العلاج أو التدريب، فأفاد "أقل من ثلث" المستجيبين بأنهم سيختارونها.
المفارقة أن الانطباع السلبي لا يلغي جاذبية "القوة" بالكامل، لكنه يضعها في مرتبة أقلّ مما كانت عليه.
صورة متبادلة.. تزيد التوتر بدل أن تخففه
عند مقارنة خيارات المستجيبين في استطلاع 2025 بتلك التي سجلت قبل 10 سنوات، يظهر انخفاض في اتجاهات الرأي العام نحو تفضيل الولايات المتحدة بين الدول الأجنبية، حيث تراجعت نسب الذين أفادوا أنها ستكون خيارًا لهم بنحو 15% إلى 20%، وهذا انخفاض كبير يعكس تحولًا جوهريًا من الناحية الإحصائية في النظرة إلى الولايات المتحدة كبلد.
تعكس النتائج أيضًا أن اتجاهات الرأي العام أصبحت أكثر سلبية مقارنة بعشر سنوات مضت عند السؤال عن مجموعة من العبارات الإيجابية حول المجتمع الأميركي، مثل: أنه مجتمع متسامح، ويحترم الأقليات، ومجتمع ديمقراطي، ومجتمع متقدم في مجال الفنون ويقدر الجهد الفردي.
ومن زاوية أخرى، تتعلق بالوعي المتبادل بين المجتمعات، سُئل المستجيبون حول ما إذا كانت نظرة الشعوب الغربية (بما فيها الشعب الأميركي) إلى العرب إيجابية أم سلبية.
أجاب 60% بأنها سلبية، مقابل 28% قالوا إنها إيجابية.
وعند سؤالهم عن رأيهم في أسباب هذه النظرة السلبية، قال 25% إنها لأسباب دينية، وعزاها 20% إلى حملات منظمة تشوّه صورة العرب، بينما قال 14% إنها نتيجة أفعال مسيئة يقوم بها العرب أنفسهم.
بهذا المعنى، لا تتغذّى الفجوة من السياسات فقط، بل من شعورٍ متبادل بأن كل طرفٍ "غير مرحّب" في عين الآخر.
في الخلاصة..
إن كانت واشنطن تريد فهم مزاج الشارع العربي، فالمؤشر يقول باختصار: القضية الفلسطينية هي الممر الإجباري لأي تحسين حقيقي للصورة، لكنها ليست وحدها. فالتصورات عن السيطرة، ودعم غير الديمقراطيين، والفساد، وازدواجية حقوق الإنسان، تضع السياسة الأميركية أمام اختبار ثقة لا يكفيه خطابٌ ناعم.
وفي الوقت نفسه، تُظهر الأرقام أن العلاقة ليست مقطوعة بالكامل: فالنظرة إلى المجتمع الأميركي أقلّ حدّة، ونسبة معتبرة ترى أن تغيّرًا محددًا في السياسات يمكن أن يفتح نافذة جديدة، قبل أن تُغلق نهائيًا لدى من يقولون: "لن تتحسن نظرتي مهما فعلت".
"أرقام سريعة"
-
77%: السياسات الأميركية تهدد أمن المنطقة
-
76%: تقييم سلبي للسياسة الأميركية نحو فلسطين
-
44%: تغيير سياسة واشنطن تجاه فلسطين يحسّن الصورة
-
42%: نظرة إيجابية للشعب الأميركي (مقابل 27% سلبية)
-
66%: واشنطن تسعى للسيطرة على البلدان العربية