تبحث الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا، في أعقاب ما وصفه مسؤولون أميركيون بـ“الانهيار شبه الكامل” لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن، بحسب ما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال".
ويأتي ذلك بعد أيام من تسليم الولايات المتحدة قاعدة عين الأسد في العراق إلى الحكومة في بغداد، في خطوة تعكس تحوّلًا في الانتشار العسكري الأميركي داخل بعض ساحات التمركز التقليدية في المنطقة.
وبالتوازي مع هذا التوجه، تشهد المنطقة توسعًا في الانتشار العسكري الأميركي، من القواعد البرية إلى القطع البحرية، في إطار ما تقول واشنطن إنه مسعى لإدارة الردع واحتواء المخاطر وضبط الإيقاع الأمني المتغير، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك ساحاتها.
وفي هذا السياق، وصفت إذاعة الجيش الإسرائيلي الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط بأنه الأعلى منذ الضربة التي استهدفت إيران في يونيو/ حزيران الماضي، معتبرةً ذلك مؤشرًا واضحًا على تصاعد مستوى التوتر ورفع درجة الجاهزية العسكرية الأميركية.
وأشارت الإذاعة إلى نشر الولايات المتحدة منظومات دفاع جوي من طرازي “باتريوت” و“ثاد” في عدد من مواقع الشرق الأوسط، بهدف تعزيز الحماية من أي تهديدات صاروخية محتملة.
وكان الرئيس الأميركي قد أكد تحريك أسطول بحري وسفن حربية باتجاه إيران، جامعًا بين الحزم والحذر، ومشددًا على استمرار المراقبة، فيما أوضح نائبه جي دي فانس أن التعزيزات العسكرية تهدف إلى توفير خيارات لحماية القوات الأميركية، إلى جانب تأمين موارد ردع كافية لمنع أي “مغامرة إيرانية غير محسوبة”، وفق تقديرات إدارة ترمب.
وتعكس هذه التحركات ملامح إعادة تموضع عسكري أميركي في المنطقة، تقوم على تقليص الوجود في بعض الساحات مقابل تعزيز الانتشار والجاهزية في أخرى، في ظل بيئة إقليمية شديدة التقلب وتوازنات أمنية متحركة.
خطوة غير مفاجئة
وقال أستاذ الدراسات الأمنية في معهد ثاير مارشال، ديفيد دي روش، إن انسحاب القوات الأميركية من سوريا ليس مفاجئًا، مذكّرًا بمحاولات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تنفيذ هذه الخطوة منذ عام 2019، ما يعكس، برأيه، غياب رؤية استراتيجية واضحة لواشنطن في الملف السوري.
وأوضح دي روش في حديث إلى "التلفزيون العربي" أن الوجود الأميركي في سوريا أُنشئ في سياق مختلف، بهدف هزيمة تنظيم الدولة واحتواء النفوذ الإيراني عبر نظام بشار الأسد، إلا أن هذه المعطيات تغيّرت، معتبرًا أن بقاء القوات بات ينطوي على مخاطر تفوق الفوائد، خاصة مع احتمال تعرضها لهجمات، ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الحكومة السورية، ونقل معتقلي التنظيم إلى العراق.
وأشار إلى أن هذه الخطوة متوقعة ولها تبرير عسكري، لافتًا إلى أن الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط كان تاريخيًا محدودًا ويركّز أساسًا على التدريب، مع اعتماد متزايد على الشركاء الإقليميين لتحمّل الأعباء الأمنية.
وأضاف أن العراق يظل استثناءً، في ظل تعرض القوات الأميركية لمخاطر أمنية من قبل جماعات موالية لإيران، معتبرًا أن كلفة هذا الوجود باتت مرتفعة، ما يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في انتشارها العسكري في المنطقة.
رسائل ضغط سياسي
من جهته رأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، فيصل أبو صليب، أن التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة تحمل رسائل ضغط سياسي أكثر من كونها مؤشّرًا على تغيير جذري في السياسة الأميركية تجاه الخليج، معتبرًا أن هذا النهج ليس جديدًا في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصًا في ما يتعلق بإيران.
ورأى أبو صليب في حديث إلى "التلفزيون العربي" أن الحديث عن انسحاب عسكري أميركي واسع من المنطقة مبالغ فيه، مشيرًا إلى أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لا تقوم على الوجود العسكري الدائم، بل على القدرة على التدخل السريع عند الحاجة، كما حدث قبل غزو العراق للكويت.
وأضاف أن “مبدأ كارتر” لا يزال يشكّل الركيزة الثابتة للسياسة الأميركية في المنطقة رغم تغيّر الإدارات، لافتًا إلى أن الوجود العسكري الأميركي في العراق وسوريا مكلف، مقابل حضور أكثر استقرارًا في دول خليجية مثل الكويت وقطر.
واعتبر أبو صليب أن دول الخليج لا مصلحة لها في مواجهة عسكرية مع إيران في المرحلة الراهنة، مرجّحًا أن التعزيزات الأميركية تندرج في إطار الضغط السياسي لدفع طهران نحو اتفاق بشأن برنامجها النووي وتعديل سياساتها الإقليمية، من دون أن تنذر بعمل عسكري وشيك.
وجود عسكري مرن
أما أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قطر، حسن البراري، فرأى أن الولايات المتحدة تعاني من غياب وضوح إستراتيجي شامل في المنطقة، معتبرًا أن ما يجري لا يعني إنهاء الوجود الأميركي، بل تغيير طبيعته وأدواته.
وأوضح البراري في حديث إلى "التلفزيون العربي" من الدوحة أن واشنطن تتجه نحو ما وصفه بـ"الوجود المرن"، القائم على الاعتماد على قواعد عسكرية قائمة أصلًا في المنطقة، مشيرًا إلى وجود أكثر من 35 ألف جندي أميركي في دول الخليج، إضافة إلى أساطيل بحرية ونقل أصول عسكرية من المحيط الهادئ إلى الخليج، بما يؤكد أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك القدرة على إدارة المخاطر الإقليمية.
واعتبر أن الانسحاب الأميركي من سوريا جاء نتيجة تآكل مشروعية البديل الذي قدمته قوات سوريا الديمقراطية، التي لم تنجح، برأيه، في بناء مشروع يحظى بقبول إقليمي، ما جعلها عبئًا على واشنطن، قبل التفاهم على دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، ونقل ملف معتقلي تنظيم الدولة إلى العراق.
وأشار البراري إلى أن الانسحاب من سوريا لا يضعف بشكل كبير قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الملف السوري، في ظل الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري والسويداء، معتبرًا أن أي تفاهم بين دمشق وتل أبيب يمر عبر واشنطن.
وختم بالقول إن الولايات المتحدة تسعى إلى “القيادة من دون كلفة، والردع من دون حرب، والقوة من دون وجود بري”، معتبرًا أن الخروج من سوريا يمنحها هامش حركة أوسع، ويقلل من تعرض قواتها للاستهداف، مع بقاء نفوذها قائمًا بأدوات مختلفة.