السبت 17 أكتوبر / أكتوبر 2026

"بائعة البطيخ".. حين حوّل جواد سليم تفاصيل بغداد إلى ذاكرة بصرية

"بائعة البطيخ".. حين حوّل جواد سليم تفاصيل بغداد إلى ذاكرة بصرية

شارك القصة

لوحة جواد سليم
بيعت لوحة البطيخ في دار كريستيز بلندن ضمن مزاد الفن الحديث والمعاصر في الشرق الأوسط عام 2017

بيعت لوحة البطيخ في دار كريستيز بلندن ضمن مزاد الفن الحديث والمعاصر في الشرق الأوسط عام 2017
الخط
تكشف أعمال جواد سليم التشكيلية عن مشروع فني استلهم التراث الرافدي والشعبي وأعاد صياغته بلغة حديثة، ومن أبرزها لوحة "بائعة البطيخ".

لم يكن جواد سليم مجرد نحات عراقي، بل أحد أبرز مؤسسي الحداثة التشكيلية في العراق، وصاحب التصميم الأصلي لـ"نصب الحرية" في ساحة التحرير ببغداد أحد أبرز رموز العاصمة العراقية.

تكشف أعمال سليم التشكيلية عن مشروع فني استلهم التراث الرافدي والشعبي وأعاد صياغته بلغة حديثة، ومن أبرزها لوحة "بائعة البطيخ" التي حققت رقمًا قياسيًا لأعماله في مزاد كريستيز بلندن عام 2017.

جواد سليم والرموز الشعبية

وُلد جواد سليم عام 1919 في أنقرة التركية لعائلة عراقية غنية بالفنون؛ فكان والده رسامًا ووالدته تمارس التطريز، فيما اتجه أشقاؤه إلى الفن التشكيلي.

وبرزت موهبته في سن مبكرة، قبل أن يدرس الفن في باريس وروما، ثم في مدرسة سليد للفنون الجميلة في لندن عام 1946. وعاد إلى بغداد حاملًا رؤية فنية تمزج بين تراث بلاد الرافدين والتقنيات الأوروبية الحديثة، وعمل في المتحف العراقي، كما ترأس قسم النحت في معهد الفنون الجميلة.

وفي عام 1951، شارك سليم في تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث، التي سعت إلى استلهام التراث وربط الفن العراقي القديم بروح القرن العشرين.

وكان من أوائل الفنانين العراقيين الذين منحوا الرموز الشعبية حضورًا ثقافيًا في اللوحة الحديثة، لتتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى عناصر تحمل دلالات أوسع عن المكان والهوية.

لوحة بائعة البطيخ

في "بائعة البطيخ"، التي أنجزها عام 1953، تبدو امرأة رافعة ذراعيها نحو الشمس، وأمامها أنصاف بطيخ حمراء، فيما يمتد خلفها جدار مزخرف بخطوط هندسية وألوان يغلب عليها الأصفر والفيروزي والبني.

مشهد بسيط من الحياة اليومية في بغداد، لكنه عند جواد سليم يتحول إلى تركيب بصري تتجاور فيه حرارة السوق مع رموز الخصوبة والحياة.

لا تبدو المرأة في اللوحة مجرد بائعة؛ فرفع ذراعيها وثمرة الأرض إلى أعلى يمنح المشهد إيحاءً بالاحتفاء بالحياة والخصب. أما أنصاف البطيخ، بعضها على الطاولة وبعضها مرفوع إلى الأعلى، فتخلق صلة بين العالم المادي والرمزي، بينما يكشف التكوين الهندسي والزخرفي عن الطريقة التي كان سليم يعيد بها بناء الواقع من خلال مفردات محلية ولغة تشكيلية حديثة.

ويظهر في العمل ذلك المزج الذي ميّز تجربة جواد سليم؛ حيث التراث مادة لإنتاج هوية فنية عراقية حديثة. وفي هذا يرى الفنان شاكر حسن آل سعيد، أن سليم جعل اللوحة العراقية تتحدث بلغتها الخاصة بدل استعارة مفردات الفن الغربي.

رُسمت "بائعة البطيخ" بالزيت على لوح ماسونيت، بقياس 87 في 75 سنتيمترًا، وهي موقعة ومؤرخة بالعربية في أسفل يمين اللوحة.

وفي 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، بيعت في دار كريستيز بلندن ضمن مزاد الفن الحديث والمعاصر في الشرق الأوسط، بسعر نهائي بلغ 668750 جنيهًا إسترلينيًا، لتسجل رقمًا قياسيًا عالميًا لأعمال جواد سليم.

أما سليم، الذي أنجز تصميم "نصب الحرية" عقب ثورة 1958، فلم يمهله العمر طويلًا لإكمال مشروعه الفني؛ إذ توفي إثر أزمة قلبية في يناير/ كانون الثاني 1961، عن 41 عامًا.

لكن أعماله بقيت شاهدة على تجربة جعلت من الرموز الرافدية والشعبية نواة لهوية بصرية عراقية حديثة، وحوّلت مشاهد عابرة من حياة بغداد إلى صور راسخة في ذاكرتها.

تابع القراءة

المصادر

العربي 2