الثلاثاء 10 مارس / مارس 2026
Close

باسم خندقجي.. عن الأسر والقناع والصراع المحتدم بين الأنا والآخر

باسم خندقجي.. عن الأسر والقناع والصراع المحتدم بين الأنا والآخر محدث 20 أكتوبر 2025

شارك القصة

فاز خندقجي بجائزة الرواية العربية بينما كان في السجن-فيسبوك
فاز خندقجي بجائزة الرواية العربية بينما كان في السجن- فيسبوك
الخط
يستعيد باسم خندقجي، الأسير الفلسطيني الذي كتب روايته خلف القضبان، "قناع بلون السماء" أسئلة الهوية والحرية، وصراع الأنا والآخر بين واقع الأسر وتخييل الخلاص.

كان مساء الثامن والعشرين من أبريل/ نيسان 2024 مختلفًا واستثنائيًا في أبو ظبي؛ فهذه ليست المرة الأولى التي تُعلن فيها نتائج الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) التي انطلقت عام 2007، لكنها الأولى التي يفوز بها أسير فلسطيني يقبع في سجون الاحتلال، ما جعل أجواء الحفل مشحونة بالانفعالات التي سرعان ما انفجرت في موجة تصفيق كبيرة عندما أعلن الروائي السوري نبيل سليمان، رئيس لجنة تحكيم الجائزة، فوز باسم خندقجي بها.

انتقلت عدسات المصورين إلى القاعة، وتحديدًا إلى شقيق الفائز يوسف خندقجي، الذي أجهش بالبكاء من السعادة، وإلى رنا إدريس، مديرة دار الآداب التي نشرت روايته الفائزة "قناع بلون السماء" عام 2023 وتسلّمت الجائزة نيابة عن كاتبها الأسير.

اختارت لجنة التحكيم رواية خندقجي "قناع بلون السماء" من بين مئة وثلاثٍ وثلاثين رواية ترشّحت للجائزة في دورتها السابعة عشرة، وكانت من بين القائمة القصيرة التي أُعلن عنها في فبراير/ شباط العام الماضي، وتضمّنت ست روايات، هي:

  • "مقامرة على شرف الليدي ميتسي" للكاتب المصري أحمد المرسي

  • "سماء القدس السابعة" للروائي الفلسطيني أسامة العيسى

  • "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي

  • "باهبل: مكة Multiverse 1945-2009" للروائية السعودية رجاء عالم

  • "خاتم سليمى" للسورية ريما بالي

  • "الفسيفسائي" للمغربي عيسى ناصري

وترأس لجنة التحكيم الروائي السوري نبيل سليمان، وضمّت في عضويتها حمور زيادة (كاتب وصحفي سوداني)، وسونيا نمر (كاتبة وباحثة وأكاديمية فلسطينية)، وفرانتيشيك أوندراش (أكاديمي تشيكي)، ومحمد شعير (ناقد وصحفي مصري).

وفي معرض تقديمه للرواية الفائزة، قال سليمان إنها "رواية تغامر في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككًا الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري والتهجير والإبادة والعنصرية".

صدرت قناع بلون السماء عن دار الاداب عام 2023-فيسبوك
صدرت رواية "قناع بلون السماء" عن دار الآداب عام 2023 - فيسبوك

باسم خندقجي.. بين الكتابة والأسر

بعد أكثر من عام من فوزه بجائزة الرواية العربية، أُفرج عن خندقجي في الثالث عشر من الشهر الجاري ضمن صفقة التبادل بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإسرائيل، وأُبعد إلى مصر.

وبموجب الصفقة، أفرجت إسرائيل يوم الإثنين الماضي عن 1968 أسيرًا، بينهم 250 من المحكومين بالمؤبد، من ضمنهم 154 مبعدًا إلى الخارج، و1718 من أسرى غزة الذين اعتُقلوا بعد الحرب.

وجاء الإفراج عن الروائي الأسير باسم خندقجي بعد 21 عامًا قضاها في السجون الإسرائيلية، إذ كان محكومًا بالسجن ثلاثة مؤبدات بعد عملية تفجير استهدفت سوق الكرمل في تل أبيب عام 2004، وأسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وجرح أكثر من خمسين آخرين.

افرج عن خندقجي ضمن صفقة التبادل الاخيرة بين حماس واسرائيل-غيتي
أفرج عن خندقجي ضمن صفقة التبادل الأخيرة بين حماس وإسرائيل - غيتي

يُذكر أنه بعد تأهّل روايته إلى القائمة القصيرة لجائزة "بوكر"، تم عزل خندقجي في زنزانة انفرادية لمدة اثني عشر يومًا، كبّلت خلالها يداه وقدماه لنحو 12 ساعة يوميًا، كما تعرّض لحملة تحريض قادها وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير، دعت إلى تغليظ العقوبات عليه خلال اعتقاله، ووصلت إلى حد الدعوة إلى قتله من اليمين الإسرائيلي.

وبعد الإفراج عنه ووصوله إلى القاهرة، قال خندقجي في حديث لـ"التلفزيون العربي" إنه علم بفوزه بالجائزة عندما اقتحمت قوات الاحتلال زنزانته واقتادته للتحقيق، مشيرًا إلى أنه لاحظ في عيون المحققين ارتباكًا وغضبًا من تأثير كلماته، حتى أنه قال لهم: "لو كنت أعلم أن كلماتي تؤثر بكم إلى هذا الحد، لكتبت عشرات الكتب". وأضاف أنه تعرّض لمزيد من المضايقات والاعتداءات داخل محبسه لأن الاحتلال "أدرك أنه فشل في تفكيك إنسانيته ومحو ملامحه وهويته".

مقابلة خاصة للتلفزيون العربي مع الأسير المحرر والروائي الفلسطيني باسم خندقجي - 15 أكتوبر 2025

من هو باسم خندقجي؟

وُلد باسم خندقجي عام 1983 في مدينة نابلس (شمالي الضفة الغربية)، ودرس الصحافة والإعلام في جامعة النجاح الوطنية، قبل أن يُعتقل في عامه الدراسي الأخير، وتحديدًا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2004، بعد عملية تفجير استهدفت سوق الكرمل في تل أبيب في الأول من الشهر نفسه، أسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وجرح نحو خمسين آخرين.

باسم خندقجي في بورتريه لأنس عوض- صحيفة العربي الجديد
باسم خندقجي في بورتريه لأنس عوض - صحيفة العربي الجديد

واتهمته إسرائيل بالمشاركة في العملية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة مؤبدات، إضافة إلى غرامة مالية قيمتها 11.6 مليون دولار كتعويض لعائلات الضحايا.

وخلال فترة سجنه التي امتدت 21 عامًا، وهي تعادل تقريبًا عمره قبل الاعتقال، التحق خندقجي بجامعة القدس المفتوحة، وحصل منها على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية. وكانت سنوات أسره حافلة بالعطاء الإبداعي، إذ رفض، ككثيرين من الأسرى الفلسطينيين، الاستسلام لواقع السجن، وحلّق عاليًا وبعيدًا عن إكراهاته بالكتابة.  

مسودات عاشق وطن

بدأ خندقجي رحلته الإبداعية بكتابة المقالات وسرد تجربة المعتقلين في سجون الاحتلال، وجمع كتاباته في كتابين هما "مسودات عاشق وطن" و"هكذا تحتضر الإنسانية".

وفي أحد مقالات الكتاب الأخير، يقارب خندقجي لقاء أسيرين في سجن واحد، أحدهما قديم والآخر دخل السجن للتو، قائلًا:

"هو الأسير الفلسطيني القديم الذي يقضي في سجنه أكثر مما قضى خارجه حيث الحرية، هو الذي تأتيه فجأة تلك الغصّة الحارقة عندما يلتقي أسيرًا جديدًا يكشف له من دون قصد أن عمره من عمر سنوات حبسه التي ما يزال يقضي بها إلى أن يقضي عليها. هنا فقط بالإمكان القول: إذا كان هناك من أمل فهو موجود داخل قلب ذلك الأسير الذي ما يزال ينتظر، وإذا كان هناك من تحدٍّ فهو ذلك التحدي الذي يومض ليل نهار بقوة وصبر داخل عيني ذلك (الأسير) القديم".

وبعد هذين الكتابين، أصدر خندقجي مجموعتين شعريتين: "طقوس المرة الأولى" عام 2010، و"أنفاس قصائد ليلية" عام 2013 الذي احتفى بصدوره متحف محمود درويش في مارس/ آذار 2014 في غياب كاتبه، الذي عوّض تغيّبه القسري في سجن ريمون برسالة صوتية قصيرة قال فيها: "أهرب بصوتي لأحتفي معكم بهذه القصائد".

وخلال الاحتفاء بالديوان، أشار الشاعر الفلسطيني خالد جمعة إلى خصوصية هواجس خندقجي الشعرية، وخروجه "من روح البطولة لصالح الإنسان فيه"، وهو (خندقجي) "الذي لم يذكر مفردة سجن أو سجّان في ديوانه كاملًا".

غلاف ديوانه الاول طقوس المرة الاولى-فيسبوك
غلاف ديوان باسم خندقجي الأول "طقوس المرة الأولى" - فيسبوك

كما أصدر خندقجي عدة روايات مشغولة بالتاريخ، بدأها بـ"مسك الكفاية.. سيرة سيدة الظلال الأولى" (2015)، ثم "نرجس العزلة" (2017)، و"خسوف بدر الدين" (2019)، و"أنفاس امرأة مخذولة" (2020)، و"قناع بلون السماء" (2023) التي نال عنها جائزة "بوكر".

البحث عن مريم المجدلية

على خلاف رواياته السابقة، تنشغل "قناع بلون السماء" بالحاضر أكثر من الماضي، رغم أن الأنا-الراوي فيها يسرد تفاصيل حياته الصعبة في أحد المخيمات، ووقائع سعيه لكتابة رواية عن "مريم المجدلية" ردًا على الصورة التي قدّمها دان براون عنها في "شيفرة دافنشي"، بوصفها عاهرة أو زانية على الأقلّ.

تجري أحداث الرواية في الزمن الواقعي عام 2021، بالتوازي مع أحداث الشيخ جرّاح في القدس، بينما يمتد الزمن الروائي إلى الماضي، ماضي الشخصيات ومنهم والد الراوي الذي خذله رفاقه بعد اتفاق أوسلو، فانتهى يائسًا ومحبطًا، يبيع القهوة والشاي لتدبير شؤون أسرته.

تقيم الرواية حوارًا معقدًا بين زمنين، وبين الأنا والآخر داخل الراوي نفسه، وبين روايتين: إسرائيلية وفلسطينية لتاريخ المكان وسردياته الكبرى، وبين الأسر والحرية (الراوي "الحر" وصديقه مراد المعتقل).

وفي هذا الحوار المتعدد المستويات، يصبح هاجس الأنا-الراوي المركزي هو ألا ينفرد دان براون الذي قد يكون الصهيونية نفسها، بالسطو على الإرث الفلسطيني، ومنه سيرة مريم المجدلية، الشخصية الأكثر إثارة للجدل في المرويات والأناجيل المسيحية.

القناع.. هوية أم مسوخ؟

يشتري الراوي معطفًا جلديًا مستعملًا من أحد أسواق يافا الشعبية، ويجد في أحد جيوبه هوية لأحد الإسرائيليين، فتتحوّل الهوية إلى قناعه لاحقًا، وإلى مسرحٍ لصراعٍ يحتدم بين الاثنين.

ولأن الراوي، وهو باحث في الآثار، يسعى لإثبات فرضيته المناقضة لما كتبه دان براون عن المجدلية، فإن بطاقة الهوية الإسرائيلية تتيح له انتحال شخصية صاحبها، خاصة أن ملامحه تبدو أشكنازية، إذ ورث بياض البشرة والوسامة عن والدته الجميلة التي فارقت الحياة بعيد ولادته.

يتجوّل نور مهدي الشهدي (الراوي) في المناطق الإسرائيلية بهوية "أور شابيرا"، بينما يحتدم الصراع في القدس، ويشارك بفضلها لاحقًا في ورشة عمل ينظمها معهد أولبرايت للأبحاث الأثرية داخل إحدى المستوطنات القريبة من المكان الذي يُفترض أن يكون فيه إنجيل المجدلية "المفترض"، ما يشكّل حافزًا له للتخلي عن فلسطينيته مؤقتًا لصالح "أور".

يرصد خندقجي انتقال الصراع بين الفلسطيني والاسرائيلي الى داخل كل منهما-فيسبوك
يرصد خندقجي انتقال الصراع بين الفلسطيني والاسرائيلي الى داخل كل منهما-فيسبوك

كأن الفلسطيني هنا يتراجع لصالح القناع، لهدفٍ وحيد هو العثور على الوثيقة النادرة التي يمكن أن تقلب مسار السردية لصالحه.

على أن للقناع آلياتٍ في التحوّل والتحويل؛ فخلفه دومًا وجهٌ آخر، ما يجعل الصراع يحتدم بين الاثنين، بين نور وأور، بين السرديتين، ليكتشف الراوي أن القناع قد يحوّله إلى مسخ، وأن عليه أن يخلعه ويخوض صراعه مع الآخر على أرض الواقع، في القدس وسواها، لا على صفحات رواية لم تُكتب بعد.

يحدث ذلك عندما يتعرّف إلى سماء إسماعيل، الفلسطينية الوحيدة المشاركة في تلك الورشة بصفتها هذه، وهي من فلسطينيي عام 1948، التي يبدو الصراع بالنسبة إليها أكثر وضوحًا، فتقول له: "بينما تسعى أنت إلى القناع (هوية الآخر)، فإنني منذ ولدت وأنا أسعى لخلعه".

صراع الخارج والداخل

هكذا، تقارب الرواية واحدًا من أعقد الصراعات في العالم، حيث لا يدور الصراع على الأرض فحسب، بل على المفاهيم وموضعتها في السياق التاريخي لإثبات الأحقية في الأرض وتغليب شرعية هذا الجانب أو ذاك في العالم. كما أنه صراع داخل أطراف الصراع أنفسهم، ففي داخلك عدوك، وعليك أن تتعايش معه أو تدعه ينفجر.

نور، الأنا الراوي، يختار في نهاية المطاف أن يتحرّر من القناع، وربما كان باسم خندقجي نفسه، الذي تحرّر فعليًا من الأسر أخيرًا، قد أنهى فصلًا واحدًا فقط من فصول هذا الصراع البالغ التعقيد، والمتعدد المستويات.

تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من