في السنوات الأخيرة، بدا أن "التطبيع" يتقدّم في السياسة بخطوات سريعة، خصوصًا بعد "اتفاقات أبراهام" التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الأولى، والتي أفضت إلى إعادة رسم للعلاقات بين أكثر من عاصمة عربية وتل أبيب.
وإذا كانت الحرب الإسرائيلية على غزة "جمّدت" المسار الذي كان قادة الكثير من الدول العربية يعدّون العدّة للحاق به، ظلّ سؤال واحد يلاحق هؤلاء من خارج غرف القرار:
هل يقبل العرب أن تعترف بلدانهم بإسرائيل؟
في هذا السياق، يضع "المؤشر العربي 2025" هذا السؤال تحت مجهر الأرقام، ضمن مسحٍ ميداني واسع شمل 15 بلدًا عربيًا بين أكتوبر/ تشرين الأول 2024 وأغسطس/ آب 2025.
وجاءت النتيجة الأساسيّة حاسمة، بما لا يخالف التوقعات:
الرأي العام العربي لا يزال، بأغلبية ساحقة، على الضفة المقابلة للاعتراف بإسرائيل.
رفض كاسح.. رغم موجة اتفاقات التطبيع
في إطار استطلاع "المؤشر العربي 2025"، طُرِح السؤال بشكل مباشر: هل يقبل العرب أن تعترف بلدانهم بإسرائيل؟
فكيف جاءت النتائج؟
رفض 87% من المستجيبين أن تعترف بلدانهم بإسرائيل، مقابل 6% قالوا إنّهم يقبلون اعتراف بلدانهم بإسرائيل.
إلا أنّ نصف هؤلاء اشترطوا لذلك قيام دولة فلسطينية مستقلة في المقام الأول.
وإذا كانت هذه النتيجة "متوقعة" في الوعي العام، حيث لا تزال القضية الفلسطينية تحظى بثقل أساسيّ في الوجدان الشعبي العربي، فإن اللافت إحصائيًا هو اتجاهها الزمني:
على الرغم من موجة اتفاقات التطبيع الأخيرة (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان)، انخفضت نسبة المؤيدين للاعتراف درجتين مئويتين مقارنة بنتائج 2022، وأصبحت أقرب إلى مستويات عام 2020.
أين يشتدّ الرفض؟
لا يتوزّع رفض الاعتراف بإسرائيل بالتساوي بين الدول، وفق ما تُظهِر نتائج "المؤشر العربي 2025"، الذي رصد أيضًا اتجاهات الرأي العامّ العربي نحو اعتراف بلدانهم بإسرائيل بحسب بلدان المستجيبين.
ووفقًا للنتائج، يرتفع الرفض إلى مستويات شديدة في أكثر من بلد، كان أقصاها في ليبيا حيث سجّلت نسبة 97%، ثمّ الأردن (95%)، تليهما الكويت (94%)، ثم فلسطين (91%)، ولبنان (89%)، وكذلك المغرب وقطر (89%) لكل منهما.
ولوحظ أن مستجيبي إقليمي الخليج (السعودية والكويت وقطر)، والمغرب العربي (موريتانيا، والمغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا) "الأكثر رفضًا" للاعتراف.
بلدان تغيّر فيها المزاج.. بعكس الاتجاه المتوقع
إلى جانب ما تقدّم، يُسجّل المؤشر تغيّرات "جوهرية" في بعض البلدان المستطلعة، أبرزها:
السودان:
المغرب:
الكويت:
هذه الأرقام تلمّح إلى حقيقة صلبة:
لماذا يرفض المعارضون؟
لا يكتفي المؤشر بقياس ما إذا كان المستطلَعون يقبلون أو يرفضون التطبيع مع إسرائيل، بل يسأل المعارضين عن الأسباب.
وفي الإجابات، تظهر مجموعة من العوامل والأسباب، تشكّل مجتمعةً خريطة دوافع ذات طابع سياسي/حقوقي بالدرجة الأولى، يرتبط معظمها بالطبيعة الاستعمارية والعنصرية والتوسعيّة لإسرائيل.
-
السبب الأكثر شيوعًا: "لأنها دولة استعمار واحتلال واستيطان في فلسطين" (31.5% في 2024/2025).
-
"دولة توسعية تسعى للهيمنة أو احتلال بلدان في العالم العربي وثرواته" (13.3%).
-
"لتشتيت الفلسطينيين واستمرارها في اضطهادهم وقتلهم" (9.1%).
-
"لأن الاعتراف إلغاء للفلسطينيين وحقوقهم…" (6.0%).
-
"معارضون لأسباب دينية" (2.3%)، وهي نسبة منخفضة مقارنة ببقية الدوافع.
في الخلاصة
يقدّم “المؤشر العربي 2025” خلاصة واضحة:
التطبيع قد يحدث في السياسة،لكنه لم يصبح مزاجًا شعبيًا عربيًا.
الدليل على ذلك أنّ الأكثرية الكاسحة ترفض الاعتراف بإسرائيل، والأسباب سياسية/حقوقية بالدرجة الأولى، تتمحور حول الاحتلال والاستيطان والحقوق والعدالة، بينما تبقى "الأسباب الدينية" هامشية مقارنة بسواها.
وإذا كان ثمة نافذة صغيرة يلمحها المؤشر لتبدّل محتمل، فهي نافذة "مشروطة"، بعنوان واحد: "دولة فلسطينية وحقوق ملموسة قبل أي اعتراف".
وهكذا، يمكن فهم معنى "القبول المشروط" للبعض بالاعتراف: ليس انقلابًا على المزاج العام، بل محاولة لربط أي تحوّل محتمل بمحددٍ سياسي واضح.
فلسطين ليست تفصيلاً..هي الإطار الذي يعيد تعريف كلّ شيء
تابعوا في الحلقة المقبلة من سلسلة "المؤشر العربي 2025.. كيف يرى العرب عالمهم؟":السودان: حرب طويلة… نزوح واسع وانكشاف معيشي
أرقام سريعة
-
87% من المستطلَعين العرب يرفضون اعتراف بلدانهم بإسرائيل.
-
6% يقبلون الاعتراف (نصفهم يشترط قيام دولة فلسطينية).
-
أبرز سبب للرفض: "استعمار/احتلال/استيطان" (31.5%).
-
أعلى نسب الرفض: ليبيا 97%، الأردن 95%، الكويت 94%.
-
المغرب: التأييد هبط من 20% (2022) إلى 6% (2025).
-
السودان: التأييد هبط إلى 7%.