تشير دراسة جديدة إلى انعكاس ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون (CO2) في الغلاف الجوي للأرض، في التركيب الكيميائي لدم السكان.
ففي بيانات صحية جُمعت على مدى عشرين عامًا من قاعدة بيانات سكانية أميركية، وجد العلماء أن تغيرات في تركيب الدم الكيميائي، تتوافق، بحسب قولهم، مع زيادة التعرض لثاني أكسيد الكربون.
ولا يُعدّ هذا الارتفاع خطيرًا حتى الآن، ولكن إذا استمر هذا الاتجاه، فقد تقترب بعض قيم تركيب الدم الكيميائي من الحد الأقصى للنطاق الصحي المقبول حاليًا بحلول عام 2076 تقريبًا، وفقًا لنموذج الباحثين. وقد نُشرت هذه الدراسة في مجلة "جودة الهواء والغلاف الجوي والصحة".
تحول تدريجي في كيمياء الدم
وينقل موقع "سينس أليرت" عن ألكسندر لاركومب، أخصائي فسيولوجيا الجهاز التنفسي في جامعة كورتين بأستراليا قوله: "إن ما نشهده هو تحول تدريجي في كيمياء الدم يعكس ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وهو ما يُفاقم تغير المناخ".
ويضيف: "إذا استمرت الاتجاهات الحالية، تشير النماذج إلى أن متوسط مستويات البيكربونات قد يقترب من الحد الأعلى للنطاق الصحي المقبول حاليًا في غضون 50 عامًا. كما قد تصل مستويات الكالسيوم والفوسفور إلى الحد الأدنى لنطاقاتها الصحية في وقت لاحق من هذا القرن".
ووفقًا للسجل الأحفوري، ظلت مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض مستقرة نسبيًا طوال تاريخ الإنسان العاقل الممتد على مدى 150 ألف عام على الأقل، حيث تراوحت بين 280 و300 جزء في المليون.
وفي العقود الأخيرة، ارتفعت هذه المستويات بشكل كبير، من نحو 369 جزءًا في المليون عام 2000 إلى نحو 420 جزءًا في المليون اليوم.
ويتحول ثاني أكسيد الكربون في دم الإنسان إلى بيكربونات. وهذا المركب يعد مفيدًا بتركيزاته الطبيعية، إذ يساعد الجسم على الحفاظ على مستويات حموضة صحية.
البيكربونات مؤشر لمستويات ثاني أكسيد الكربون في الجو
ومع ذلك، افترض لاركومب وزميله، عالم الجيولوجيا المتقاعد فيل بيرويرث، المنتسب إلى الجامعة الوطنية الأسترالية، أن البيكربونات قد تكون أيضًا مؤشرًا دمويًا لمستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
وقام الباحثون بتحليل بيانات كيمياء الدم من المسح الوطني الأميركي لفحص الصحة والتغذية الذي جمع عينات من نحو 7000 أميركي كل عامين بين عامَي 1999 و2020، لتحديد أي تغيرات في مستويات البيكربونات في الدم على مستوى السكان.
وخلال فترة الدراسة، ارتفع متوسط تركيز البيكربونات في الدم من 23.8 إلى 25.3 ملي مكافئ لكل لتر، أي بزيادة قدرها 7% تقريبًا، أو 0.34% سنويًا.
وأشار الباحثون إلى أن هذا الارتفاع تزامن مع ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون خلال الفترة نفسها.
انخفاض مستويات الكالسيوم والفوسفور
في المقابل، أظهرت مستويات الكالسيوم والفوسفور في المجموعة المدروسة اتجاهًا معاكسًا، حيث انخفض الكالسيوم بنسبة 2% والفوسفور بنسبة 7%.
وقد يرتبط ذلك بحقيقة أن ذوبان ثاني أكسيد الكربون في مجرى الدم يُغير توازن الحموضة والقلوية في الجسم.
وللحفاظ على درجة حموضة الدم ضمن نطاقها الصحي الضيق، تُخزن الكليتان البيكربونات، وهي جزيء مُنظم للحموضة يُساعد على معادلة الحموضة الزائدة. كما تستطيع العظام معادلة الحموضة عن طريق تبادل معادن مثل الكالسيوم والفوسفور.
وفي الوقت الحالي، تُعدّ هذه التغيرات طفيفة وضمن النطاق الذي يتحمله الجسم. ومع ذلك، فإن الارتفاع الموازي لافت للنظر.
وإذا أصاب الباحثون، فقد نشهد تغيرات فسيولوجية على مستوى السكان بمرور الوقت.
ووفق "سينس أليرت"، يقول عالم الجيولوجيا بيرويرث: "أعتقد في الواقع أن ما نشهده هو نتيجة عدم تكيف أجسامنا. يبدو أننا تكيفنا مع نطاق معين من ثاني أكسيد الكربون في الهواء، والذي ربما تجاوزناه الآن".
ويضيف: "يحافظ النطاق الطبيعي على توازن دقيق بين كمية ثاني أكسيد الكربون في الهواء، ودرجة حموضة الدم، ومعدل التنفس، ومستويات البيكربونات في الدم؛ وبما أن ثاني أكسيد الكربون في الهواء الآن أعلى مما شهده البشر على الإطلاق، يبدو أنه يتراكم في أجسامنا. ربما لن نتمكن أبدًا من التكيف، لذا من الضروري للغاية الحد من مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي".