تنتهي المباراة النهائية، ثم تبدأ عملية تفكيك مناطق المشجعين وإزالة الأعلام واللافتات من الشوارع. تغادر الوفود والسياح، وتستعيد المطارات والفنادق إيقاعها المعتاد. عندها فقط يظهر السؤال الذي لا تحسمه نتائج المباريات: ماذا بقي للمدن التي استضافت كأس العالم؟
وأقيم مونديال 2026 في 16 مدينة موزعة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وشهد 104 مباريات بمشاركة 48 منتخبًا.
اجتذبت البطولة ملايين المتفرجين، لكن حجم الحشود لا يكفي وحده لقياس نجاح الاستضافة؛ فالإرث الحقيقي يبدأ بعد مغادرة الجمهور، عندما تُقارن المنشآت والخدمات التي بقيت بالفاتورة التي دفعتها المدن.
ملاعب لا تبحث عن وظيفة جديدة
وتختلف نسخة 2026 عن بطولات سابقة أنفقت فيها الدول المستضيفة مليارات الدولارات على بناء ملاعب جديدة، ثم وجدت صعوبة في استخدامها بعد انتهاء الحدث. اعتمدت بطولة أميركا الشمالية بدرجة كبيرة على منشآت قائمة تستضيف أصلًا مباريات كرة القدم الأميركية أو كرة القدم، إلى جانب الحفلات والفعاليات الكبرى.
وخفض هذا الخيار خطر ظهور ما يُعرف بـ"الفيلة البيضاء"، أي المنشآت الضخمة التي تتحول بعد البطولة إلى عبء مالي. وبمجرد انتهاء المونديال، عادت معظم الملاعب إلى فرقها وجداولها المعتادة، فيما أُزيلت بعض التجهيزات المؤقتة التي فُرضت لتلبية متطلبات الاتحاد الدولي لكرة القدم.
لكن استمرار استخدام الملعب لا يعني تلقائيًا أن البطولة تركت إرثًا رياضيًا. فالاختبار الأهم هو ما حدث خارج المدرجات: هل أصبحت ملاعب التدريب متاحة للأندية والأكاديميات؟ هل توسعت ممارسة كرة القدم بين الأطفال؟ وهل حصلت الأحياء التي تحملت ازدحام البطولة على منشآت يمكنها استخدامها بعد رحيل المشجعين؟
وأطلقت بعض المدن برامج لتحقيق ذلك. ففي هيوستن، شملت المبادرات إنشاء أو تجديد 23 ملعبًا لكرة القدم في عدد من الحدائق، مع توجيه جزء منها إلى مناطق تفتقر إلى المنشآت الرياضية. كما طرحت تورونتو ولوس أنجلوس برامج للملاعب المجتمعية ودعم المؤسسات العاملة مع الأطفال والشباب.
وتبقى قيمة هذه المبادرات مرتبطة باستمرار تمويلها وصيانتها. بناء ملعب صغير أسهل من ضمان بقائه مفتوحًا وآمنًا ومتاحًا للسكان بعد سنوات.
ما يبقى من خطط النقل
وفرضت البطولة على المدن نقل عشرات الآلاف من الأشخاص في وقت واحد بين المطارات والفنادق والملاعب ومناطق المشجعين. لذلك مدت بعض شبكات النقل ساعات عملها، وزادت عدد الحافلات والقطارات، وحسّنت الإشارات ومسارات المشاة وخطط إدارة الازدحام.
واستخدمت مدن عدة موعد المونديال لتسريع مشروعات كانت مقررة أصلًا. ففي تورونتو مثلًا، أُعطيت الأولوية لبعض مشروعات الحافلات والنقل العام لخدمة البطولة، بينما دفعت الاستضافة المدن المكسيكية الثلاث إلى مراجعة سلامة الطرق وتحسين وصول المشاة والدراجات إلى مواقع الفعاليات.
ولا تتحول كل هذه الإجراءات إلى إرث دائم. فالحافلات الإضافية والمسارات المؤقتة تختفي سريعًا ما لم تدمجها السلطات في خدماتها اليومية. لذلك لا يُقاس نجاح خطة النقل بسهولة وصول المشجع إلى الملعب فقط، وإنما بما إذا كان الموظف أو الطالب يجد تنقله أسهل بعد انتهاء البطولة.
وتكشف التجربة أيضًا حدود دور الاتحاد الدولي. فقد تحملت السلطات الأميركية جانبًا كبيرًا من تكاليف تشغيل النقل وتحسينه، مع اعتمادها على التمويل الفيدرالي والمحلي وإيرادات التذاكر، بدل الحصول على تمويل مباشر من "فيفا" لهذه الخدمات.
موسم مزدحم لا يعني اقتصادًا أقوى
وخلال المونديال، ترتفع الحجوزات ويتزايد الإنفاق في المطاعم والمتاجر ومناطق الترفيه. تبدو هذه الحركة دليلًا مباشرًا على الربح، لكن قياس الأثر الاقتصادي أكثر تعقيدًا.
وقد يحل زوار البطولة مكان سياح كانوا سيأتون في موسم آخر، وقد ينفق السكان أموالهم في منطقة المشجعين بدل إنفاقها في أنشطة محلية أخرى. كما تستفيد الفنادق والمطاعم الواقعة قرب الملاعب أكثر من الأحياء البعيدة، بينما تكون نسبة كبيرة من الوظائف التي تخلقها البطولة مؤقتة.
وظهرت هذه الفجوة بوضوح في المكسيك. فعلى الرغم من امتلاء الملاعب والحضور الجماهيري الكبير، جاءت مساهمة المونديال في الاقتصاد أقل من بعض التوقعات السابقة، وتفاوتت الفائدة بين مكسيكو سيتي وغوادالاخارا ومونتيري. كما بقيت الوظائف التي أوجدتها البطولة دون التقديرات، وكان كثير منها مرتبطًا بفترة الحدث وحدها.
واعتمدت نسخة 2026 على المنشآت القائمة، ما جنّب المدن موجة ضخمة من بناء الملاعب. ومع ذلك، بقيت تكاليف الأمن والنقل وتجهيز المنشآت ومناطق المشجعين مرتفعة. وقدّرت تقارير أن بعض المدن المضيفة أنفقت عشرات أو مئات ملايين الدولارات، في وقت احتفظت فيه "فيفا" بالجزء الأكبر من إيرادات التذاكر والرعاية والبث.
ولهذا لا تكفي الأرقام التي تعلنها لجان التنظيم قبل البطولة. يحتاج الحكم إلى حساب ما دفعته الأموال العامة، وما عاد إلى الاقتصاد المحلي فعلًا، ومن حصل على الفائدة.
مدينة أكثر شهرة.. ولكن لمن؟
وتمنح كأس العالم المدينة حملة ترويجية عالمية يصعب شراؤها بالإعلانات التقليدية. تظهر معالمها وأحياؤها أمام ملايين المشاهدين، وقد يعود بعض الزوار إليها بعد البطولة أو يوصون الآخرين بزيارتها.
لكن الشهرة ليست فائدة موزعة بالتساوي. قد ترتفع أسعار الإقامة والإيجارات خلال الحدث، وتتضرر بعض الأنشطة الصغيرة من إغلاق الطرق أو القيود الأمنية. وقد تتركز الأرباح في الفنادق الكبرى والمناطق التجارية، بينما يتحمل السكان الازدحام والتكاليف العامة.
ويقاس الإرث الاجتماعي بمدى إشراك السكان، لا بتحويل المدينة إلى خلفية تلفزيونية. تشمل المؤشرات المهمة وصول الأحياء إلى الفعاليات المجانية، والاستفادة من برامج التطوع، وتوزيع المشروعات الرياضية والخدمية خارج المناطق الغنية والمحيطة بالملاعب.
فاتورة السفر الطويل
وكشفت نسخة 2026 أيضًا كلفة توزيع بطولة واحدة على ثلاث دول و16 مدينة متباعدة. فقد احتاجت المنتخبات والجماهير والمسؤولون إلى عدد كبير من الرحلات الجوية، وأصبحت مسافات السفر جزءًا أساسيًا من الأثر البيئي للمونديال.
وقدّرت دراسة أعدها باحثون من جامعة كامبريدج أن سفر الجماهير كان مسؤولًا عن أكثر من 80% من الانبعاثات المرتبطة بالبطولة.
ويعني ذلك أن إعادة تدوير النفايات داخل الملاعب أو استخدام الطاقة النظيفة، على أهميتهما، لا يعالجان وحدهما المشكلة الأكبر المتمثلة في الرحلات الدولية والتنقل بين المدن.
ولا يمكن محو هذا الأثر بعد انتهاء البطولة، لكنه يقدم درسًا للنسخ المقبلة: تقليل المسافات بين مجموعات المباريات، وتحسين الربط بالقطارات، وتشجيع المشجعين على البقاء في منطقة واحدة، بدل دفعهم إلى عبور القارة لمتابعة منتخبهم.
الإرث يبدأ بعد المباراة الأخيرة
ولا يترك كأس العالم أثرًا واحدًا في جميع المدن. قد تحصل مدينة على خط نقل جديد، وتخرج أخرى بملعب مجدد، فيما لا يبقى في مدينة ثالثة سوى ذكرى أسابيع مزدحمة وفاتورة أمن وتشغيل.
لهذا لا يُقاس نجاح الاستضافة بصور المدرجات أو أعداد السياح وحدها. يظهر النجاح عندما تصبح وسائل النقل أفضل، وتبقى الملاعب المجتمعية مفتوحة، وتصل الفرص إلى السكان، ولا تتحول التكاليف إلى عبء طويل الأمد.
وتغادر الجماهير حاملة القمصان والصور والذكريات، بينما تبقى المدن مع ما أُنفق وما أُنجز. وبين الاثنين يتحدد أن كان المونديال مهرجانًا ضخمًا مرّ لأسابيع، أم فرصة استُخدمت لتحسين المدينة بعد أن انطفأت أضواء الملاعب.