بعد مرور خمسة وثلاثين عامًا على عرضه في مهرجان كان السينمائي عام 1991، يعود فيلم "ثيلما ولويزا" إلى الواجهة مجدّدًا بوصفه واحدًا من أكثر أفلام هوليوود قدرة على البقاء، رغم تبدّل الأزمنة وتغيّر حساسيات التلقي وثقافة مقاربة السينما والفنون عمومًا.
أخرج ريدلي سكوت الفيلم عام 1991، وقامت ببطولته سوزان ساراندون وجينا ديفيس، ويدور حول مغامرة استثنائية لامرأتين تقلبان تقاليد الجريمة والهروب في السينما الأميركية رأسًا على عقب.
ففي لحظة نادرة في هوليوود المهووسة بأفلام الجريمة والطريق، جاء "ثيلما ولويزا" ليضع امرأتين في قلب الحكاية، لا على هامشها.
كانت تلك اندفاعة سينمائية رفعت سقف آمال الجماعات النسوية في الولايات المتحدة، التي عوّلت على الفيلم لتغيير صورة المرأة على الشاشة، من موضوع للفعل إلى صاحبة له، قبل أن تستعيد هوليوود، في كثير من إنتاجاتها اللاحقة، أنماطًا أكثر تقليدية في النظر إلى النساء وأدوارهن.
لكن أوروبا ليست الولايات المتحدة، وهوليوود ليست مرادفًا دائمًا للسينما العالمية. ولعلّ ذلك ما يفسّر احتفاء مهرجانات السينما الأوروبية، من وقت إلى آخر، بسينما الهامش، وبالأعمال التجريبية، أو تلك التي شكّلت علامات فارقة في تاريخ الفن السابع. وهذا ما فعله مهرجان كان السينمائي أخيرًا.
"ثيلما ولويزا" ملصقًا لمهرجان كان
اختارت إدارة مهرجان كان، قبل أيام، صورة بطلتي فيلم "ثيلما ولويزا" لتكون الملصق الرسمي لدورته التاسعة والسبعين، التي تنطلق في 12 مايو/ أيار الجاري.
ويُظهر الملصق، المصمّم بالأبيض والأسود، بطلتي الفيلم، ساراندون وديفيس، على متن سيارة فورد ثندربيرد مكشوفة، خلال هروبهما من الرجال والمجتمع والشرطة.
بطاقة فيلم: Thelma & Louise
- الاسم: Thelma & Louise
المخرج: ريدلي سكوت
السيناريو: كالي خوري
البطولة: سوزان ساراندون، جينا ديفيس، براد بيت
سنة الإنتاج: 1991
الجوائز: أوسكار أفضل سيناريو أصلي
أمّا سبب اختيار إدارة "مهرجان كان" هذا الفيلم دون سواه، فيعود، وفق بيان صادر عنها، إلى أنه يعكس "موضوعات متقدّمة على عصرها" لا تزال حاضرة حتى اليوم. فبطلتاه حطّمتا صورًا نمطية اجتماعية وسينمائية، وجسّدتا الحرية المطلقة والصداقة الراسخة، وقدّمتا نموذجًا للتحرّر، وهي معانٍ ترى إدارة المهرجان أنها لا تزال تحتفظ بقوتها الراهنة.
واعتبرت إدارة المهرجان أن الفيلم شكّل، عند صدوره، علامة فارقة في تمثيل النساء على الشاشة، وكان من أوائل أفلام الطريق ذات الطابع النسوي في تاريخ السينما العالمية، ثم تحوّل مع مرور الوقت إلى واحد من كلاسيكيات السينما الحديثة.
يكفي ذلك لتكريم الفيلم بعد 35 عامًا على إنتاجه وعرضه في مهرجان كان. لكن السؤال الأهم يبقى:
ما الذي جعله ثوريًا إلى هذا الحد؟ وما المختلف في قصة امرأتين ترتكبان جرائم متلاحقة، بينما تلاحقهما الشرطة من دون أن تنجح في الإمساك بهما إلا في المشهد الأخير؟
ثورة في السينما ومقارباتها للمرأة
تكمن الإجابة في المقاربة التي وُصفت بالثورية لصورة المرأة، وفي الطريقة التي أعاد بها الفيلم تعريف سينما الطريق، وهي سينما غالبًا ما تناولت التحوّلات الداخلية لأبطالها بالتوازي مع رحلتهم في الخارج، سواء كان ذلك تمردًا على البيت والعائلة، أو هروبًا منهما، ومن العدالة استتباعًا، أي من إكراهات السلطة التي خرجوا عليها، قصدًا أو مصادفة.
كأن الرحلة، في هذا المعنى، قطيعة مع الماضي، وفرصة لاكتشاف النفس ومعرفتها وتعريفها من جديد.
غالبًا ما تدور أحداث هذا النوع من الأفلام في الطرق الخارجية، حيث تأتي المفاجآت من خارج الشخصيات، ويصنعها أشخاص يعانون، على نحو أو آخر، من مشكلات تتعلق بالتأقلم أو الهوية أو الامتثال للقانون.
وبينما تدور بعض أفلام الطريق في مناطق شبه خالية أو صحراوية، يدور بعضها الآخر على هامش المجتمعات المعاصرة، بين البلدات الصغيرة والفنادق الرخيصة ومحطات الوقود.
ومن هنا تكتسب هذه السينما جاذبيتها بوصفها "فرجة" ماتعة واستكشافية، وحقلًا لاكتشاف الذات والتمرّد على المجتمع والمركز والأفكار الراسخة.
وتعود أفلام الطريق في السينما الأميركية إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وارتبطت غالبًا برجال: صديقان أو شريكان أو هاربان، كما في أفلام "الطريق إلى المغرب" عام 1942، و"يقودون ليلًا" عام 1940، و"إيزي رايدر" عام 1969.
وفي حالات أقل، ظهر رجل وامرأة في قلب الرحلة، كما في "حدث ذات ليلة" عام 1934، بطولة كلارك غيبل وكلوديت كولبير، و"بوني وكلايد" عام 1967.
وسط هذه السلالة السينمائية، جاء "ثيلما ولويزا" ليمنح البطولة لامرأتين تؤديان دوري ثيلما ولويزا، ويحوّل الرحلة من مغامرة ذكورية تقليدية إلى مساحة لاكتشاف الذات الأنثوية في مواجهة الخوف والوصاية والعنف الاجتماعي.
ما هو فيلم الطريق؟
- هو نوع سينمائي تقوم حكايته على رحلة تتحوّل من انتقال جغرافي إلى تحوّل داخلي في حياة الشخصيات.
في الطريق، يواجه الأبطال الخوف والقانون والمجتمع والذاكرة، ويعيدون اكتشاف أنفسهم خارج المسارات المفروضة عليهم.
- تميّزت أفلام الطريق الأميركية طويلًا ببطولات ذكورية، قبل أن يأتي "ثيلما ولويزا" ليقلب المعادلة، جاعلًا من الرحلة مساحة أنثوية لاكتشاف الصداقة والحرية والكرامة الشخصية.
عن الصداقة وأنثوية الرحلة والجريمة
ثيلما، التي تؤدي دورها جينا ديفيس، زوجة رجل فظ يُسيء معاملتها، ولويزا، التي تؤدي دورها سوزان ساراندون، نادلة في أحد المطاعم ومرتبطة عاطفيًا بموسيقي لا يبدو مستعدًا للزواج منها.
تتفقان على الخروج من نمط حياتهما والقيام برحلة في نهاية الأسبوع بسيارة لويزا، وهي من طراز فورد ثندربيرد 1966.
تتركان البلدة الصغيرة في أركنسو وتتجهان إلى جنوب غربي الولايات المتحدة. وكلما تقدّمتا في الطريق، ازدادت صداقتهما عمقًا، وتداخلت شخصيتاهما، ووجدت كل منهما في الأخرى ما لم يقدمه الرجال لهما يومًا.
تقابلان رجلًا متحرّشًا في أحد البارات، فتطلق لويزا النار عليه بعد اعتدائه على ثيلما. تواجهان سائق شاحنة بذيئًا لا يتوقف عن إيماءاته الجنسية تجاههما، فتدمّران شاحنته وتشعلان النار فيها. وتصادفان ضابط شرطة متغطرسًا، فتنتزعان منه سلاحه وتحبسانه في صندوق سيارته.
تفعلان ذلك بنسوية، انتصارًا لكرامتهما أو حفظًا لخصوصيتهما، وبعد استنفاد كل السبل لحل مشكلاتهما بالحوار، فهما ليستا مجرمتين لكن الرحلة تحرّرهما من التردّد الذي وسم حياتهما قبلها، بل وتدفعهما للخروج عن القانون مضطرتين مع طرافة أحيانًا.
كأن الطريق هنا لا يمنحهما الحرية فقط، وإنما يقودهما أيضًا إلى خفة تتوازى مع ثقل الخروج على القانون؛ خفة تجعلهما تكتشفان الجسد والرغبة والقرار الشخصي بعيدًا عن عين الرجل وسلطته.
في مشهد الموتيل الشهير، تلتقي ثيلما بالشاب جي.دي، الذي يؤدي دوره براد بيت، في واحد من أدواره السينمائية الأولى اللافتة. هو شاب جذّاب ومتشرد ولص، يدخل القصة كاختبار جديد لرغبة ثيلما وثقتها بنفسها.
يعكس هذا المشهد المقاربة الثورية للفيلم لصورة المرأة في السينما. فبينما انشغلت هوليوود طويلًا بجسد المرأة من خلال عين الرجل ورغباته، ينشغل "ثيلما ولويزا" بجسد الرجل، وتراه الكاميرا من خلال رغبة ثيلما ومخيلتها هي.
غير أن جي.دي يخون ثيلما في نهاية المطاف. فبعد أن يخبرها بأساليبه في السرقة، تستيقظ لتكتشف هروبه وسرقته مدّخرات لويزا التي كانت معها، وهو ما يدفع المرأتين لاحقًا إلى سرقة أحد المتاجر في رحلة هروبهما.
ينتهي الفيلم بوصولهما إلى منحدر، ومحاصرتهما بأسطول من سيارات الشرطة ومروحية وعشرات رجال الأمن. لكنهما، بخفة وعناد، تقرران المضي في الطريق إلى نهايته المفتوحة، في واحد من أشهر المشاهد الختامية في تاريخ السينما الأميركية.
أوسكار وحيد وأثر طويل
يفتتح ريدلي سكوت الفيلم بصورة أقرب إلى الأبيض والأسود، حيث يظهر طريق ترابي في الصحراء لثوانٍ، ربما يكون الطريق نفسه الذي سلكته ثيلما ولويزا في نهاية الفيلم. وقد تُقرأ هذه البداية كتحية إلى أفلام الطريق، أو كضربة فنية تنتمي إلى البنية الدائرية في الفنون.
أيًا يكن التفسير، فإن اللجوء البارع إلى الأبيض والأسود قد يعكس الثنائيات التي تتحرك بينهما البطلتان: الحرية والقيد، الخوف والرغبة، الجريمة والكرامة، الهروب واكتشاف الذات.
ومن اللافت أن تلجأ إدارة "مهرجان كان" أيضًا إلى الأسود والأبيض في ملصق دورتها المقبلة، المأخوذ من إحدى صور الفيلم، كأن حاضر السينما يوجّه تحية إلى ماضيها.
يعود الفضل في ثورية الفيلم إلى كاتبة السيناريو الأميركية من أصل لبناني، كالي خوري، التي فازت عام 1992 بجائزة أوسكار أفضل سيناريو أصلي.
وترشّح الفيلم لست جوائز أوسكار من بينها أفضل مخرج لريدلي سكوت، وترشيحان لأفضل ممثلة لكل من سوزان ساراندون وجينا ديفيس. غير أن جوائز كبرى كثيرة ذهبت في تلك الدورة إلى فيلم "صمت الحملان"، الذي حصد خمس جوائز رئيسية، بينها أفضل فيلم، وأفضل مخرج لجوناثان ديم، وأفضل ممثل لأنتوني هوبكنز، وأفضل ممثلة لجودي فوستر.
النسخة الأنثوية من "بوني وكلايد"
ينتمي "ثيلما ولويزا" إلى سلالة أفلام الطريق، ويعتبره بعض النقاد النسخة الأنثوية من فيلم "بوني وكلايد"، الذي أصبح واحدًا من أيقونات السينما الأميركية.
الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقية لبوني باركر وكلايد بارو، وهما مجرمان نفّذا سلسلة سرقات صغيرة في ثلاثينيات القرن الماضي، زمن الكساد العظيم، ونُظر إليهما حينها باعتبارهما متمردين على سلطة أفقرت المواطنين ودفعتهم إلى اليأس.
أخرج آرثر بن الفيلم عام 1967، وقام ببطولته وارن بيتي في دور كلايد، وفاي دوناوي في دور بوني. وكان بيتي، الذي ساهم في إنتاج الفيلم، يرغب في تصويره بالأبيض والأسود لمنحه بعدًا توثيقيًا، غير أن شركة وارنر براذرز رفضت الفكرة.
يتقاطع "ثيلما ولويزا" مع "بوني وكلايد" في المسحة العاطفية، وفي ربط الجريمة بمشاعر التحرر الشخصي، وفي قدرة كل منهما على إنتاج صورة مختلفة للجريمة، فإذا بها تبدو مفهومة وجاذبة وتحظى بتعاطف واسع.
وتضاف إلى ذلك قرابتهما السينمائية بوصفهما من أفلام الطريق، ذلك النوع الذي لا يزال يحتفظ بجاذبية خاصة لدى كبار المخرجين وصنّاع الفن السابع، لأنه يحوّل الهروب إلى سؤال عن الحرية، والطريق إلى مساحة لاختبار الإنسان حين تُغلق أمامه المخارج.