بعد الجائحة والحروب.. لماذا أصبحت الثقة باللقاحات معركة صحية جديدة؟
لم تعد اللقاحات، في السنوات الأخيرة، مسألة طبية محصورة في العيادات وبرامج التحصين المدرسية. فقد تحوّلت في كثير من المجتمعات إلى قضية ثقة عامة، تتداخل فيها الصحة بالسياسة، والعلم بالخوف، والتجربة الشخصية بالمعلومة المتداولة على الشاشات والمنصات.
وفي أسبوع التحصين العالمي 2026، الذي تحييه منظمة الصحة العالمية تحت شعار "For every generation, vaccines work"، تبدو الرسالة واضحة: اللقاحات ليست إنجازًا يخص الماضي وحده، فقد ساعدت على حماية أجيال كاملة وما زالت جزءًا أساسيًا من مستقبل الصحة العامة.
غير أنّ هذه الرسالة لا تصل اليوم إلى الناس بسهولة كما كان يُفترض. فالجائحة تركت خلفها إرهاقًا عميقًا من الأخبار الصحية، والحروب عطّلت أنظمة الرعاية الأساسية، والمعلومات المضللة جعلت قرارًا بسيطًا مثل تلقي لقاح أو إعطائه لطفل موضوعًا للقلق والجدل.
إرث الجائحة.. حين صار العلم حاضرًا في الحياة اليومية
خلال جائحة كوفيد-19، دخلت مفردات الطب والوبائيات إلى تفاصيل الحياة اليومية. صار الناس يسمعون عن المناعة، والجرعات المعززة، والتحورات، وفعالية اللقاح، والتجارب السريرية، ومعدلات العدوى. هذا الحضور الكثيف للعلم كان ضروريًا في لحظة عالمية غير مسبوقة، لكنه ترك أثرًا مزدوجًا.
من جهة، أدرك كثيرون أن اللقاحات يمكن أن تكون خط دفاع واسعًا أمام الأوبئة. ومن جهة أخرى، شعر آخرون بتعب كبير من تبدّل التوصيات الصحية، ومن كثرة الأرقام والتفسيرات، ومن تضارب الأصوات بين الخبراء والسياسيين والمؤثرين.
هذا الإرهاق فتح الباب أمام الشك. فحين تُقدَّم المعلومة العلمية أحيانًا بلغة معقدة، وحين تتزاحم معها روايات مبسطة أو مثيرة، يصبح من السهل أن يفقد بعض الناس ثقتهم، لا باللقاح وحده، إنما بالمؤسسة الصحية كلها.
حين تتحول الشائعة إلى خطر صحي
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن المعلومات الخاطئة والمضللة عن اللقاحات تسهم في زيادة التردد تجاه التطعيم في دول عدة، وتشير إلى أن صون الثقة يحتاج إلى تواصل واضح ومشاركة مجتمعية ورسائل قائمة على الأدلة.
ولا تكمن خطورة المعلومات المضللة في أنها تربك الأفراد فقط. فهي قد تُضعف المناعة الجماعية، وتدفع بعض الأهالي إلى تأجيل لقاحات أطفالهم، وتسمح بعودة أمراض كان يمكن احتواؤها. في هذه الحالة، لا يبقى الخوف قرارًا شخصيًا معزولًا، إذ يتحول إلى فجوة صحية داخل المجتمع.
وتظهر خطورة هذه الفجوات بوضوح في أمراض شديدة العدوى مثل الحصبة. فوفق منظمة الصحة العالمية، ساعد لقاح الحصبة في إنقاذ نحو 59 مليون حياة بين عامي 2000 و2024، ومع ذلك سُجّل في عام 2024 نحو 95 ألف وفاة مرتبطة بالحصبة عالميًا، معظمها بين أطفال غير ملقحين أو لم يستكملوا جرعاتهم.
الحروب تقطع طريق اللقاح
إذا كانت الجائحة قد أربكت الثقة، فإن الحروب تضرب قدرة الناس على الوصول إلى التحصين أصلًا. ففي مناطق النزاع، لا يكون السؤال دائمًا: هل يثق الناس باللقاح؟ أحيانًا يكون السؤال الأبسط والأقسى: هل يوجد مركز صحي يعمل؟ هل هناك طريق آمن؟ هل تصل الكهرباء؟ هل تتوافر سلسلة تبريد تحفظ اللقاحات؟ وهل يستطيع الأهل اصطحاب أطفالهم من دون خوف؟
ولهذا تظهر فئة الأطفال "صفر جرعة"، أي الذين لم يحصلوا على أي لقاح أساسي، بوصفها إحدى أكثر الفئات هشاشة في العالم. وتشير اليونيسف إلى أن برامج التحصين تصل إلى عدد واسع من الأطفال، لكن الأطفال غير الملقحين أو غير المستكملين للتحصين لا يزالون يُتركون خلف الركب، وغالبًا ما يعيشون أشكالًا متعددة من الحرمان تتجاوز الصحة وحدها.
محاولة لتعويض ما فُقد
بعد التراجع الذي أصاب برامج التحصين خلال سنوات الجائحة، أطلقت منظمة الصحة العالمية وشركاؤها مبادرة "The Big Catch-Up" لتعويض الأطفال الذين فاتتهم لقاحات أساسية. وقد أعلنت اليونيسف أن المبادرة أوصلت أكثر من 100 مليون جرعة إلى 18.3 مليون طفل في 36 بلدًا بين عامي 2023 و2025، بينهم 12.3 مليون طفل من فئة "صفر جرعة"، مع الوصول إلى نحو 15 مليون طفل لم يكونوا قد حصلوا على لقاح الحصبة.
هذه الأرقام تحمل جانبًا مطمئنًا وآخر مقلقًا في الوقت نفسه. فهي تُظهر أن تعويض الفجوات ممكن عندما تتوافر الإرادة والتمويل والفرق الميدانية. لكنها تكشف أيضًا حجم الضرر الذي تسببت به الجائحة والحروب واضطراب الأنظمة الصحية.
فكل طفل فاتته جرعة أساسية يعني نافذة خطر جديدة. وكل تأخير في التحصين يعني أن مرضًا قابلًا للوقاية قد يجد طريقه إلى مجتمع مرهق أو نظام صحي ضعيف. من هنا تأتي أهمية حملات التعويض، لا بوصفها إجراءً مؤقتًا فقط، وإنما بوصفها اختبارًا لقدرة العالم على إصلاح ما كُسر في السنوات الأخيرة.
الثقة لا تُبنى بالأوامر
ومن الأخطاء الشائعة في التعامل مع التردد تجاه اللقاحات النظر إلى المترددين باعتبارهم كتلة واحدة. فهناك من يرفض اللقاحات بدافع أيديولوجي، وهناك من يخاف بسبب تجربة شخصية، وهناك من لا يملك معلومات كافية، وهناك من يعيش في بيئة فقدت الثقة بالمؤسسات منذ زمن.
لذلك، لا يكفي أن تقول المؤسسات الصحية للناس: "ثقوا بنا". الثقة لا تُفرض، ولا تُستعاد باللوم أو السخرية من المخاوف. تحتاج إلى شرح، وشفافية، واعتراف بما لا يعرفه العلم بعد، وتوضيح لما يعرفه بثقة.
كما تحتاج إلى وسطاء موثوقين داخل المجتمعات: أطباء الأسرة، الممرضون، المعلمون، العاملون الاجتماعيون، رجال ونساء يعرفهم الناس، لا حملات بعيدة تتحدث بلغة رسمية فقط.
وعندما يسمع الأهل إجابة هادئة عن أسئلتهم، وعندما يجدون مركزًا صحيًا قريبًا وآمنًا، وعندما يرون أن النظام الصحي لا يتذكر أطفالهم في موسم الحملات وحده، تصبح الثقة أكثر قابلية للعودة.
الأطفال في قلب المعركة
والحديث عن اللقاحات هو في جوهره حديث عن الأطفال. فالأمراض التي يمكن الوقاية منها تضرب غالبًا الفئات الأضعف، خصوصًا الأطفال الصغار، والنازحين، ومن يعيشون في أماكن مكتظة أو محرومة من المياه النظيفة والرعاية الطبية المنتظمة.
وفي المخيمات ومناطق النزوح، لا يمكن فصل التحصين عن بقية شروط الحياة. فالازدحام، وضعف الصرف الصحي، ونقص التغذية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية، كلها عوامل تجعل أي تفشٍّ مرضي أكثر خطورة.
من هنا، لا يكون اللقاح مجرد حقنة. إنه جزء من شبكة حماية أوسع: سجل صحي، متابعة، تغذية، مياه نظيفة، تعليم صحي، ومركز رعاية يستطيع الأهل العودة إليه عند الحاجة.
اللقاحات والذاكرة الطويلة للصحة العامة
وربما تكمن مشكلة اللقاحات في نجاحها نفسه. فعندما تختفي أمراض كثيرة من الحياة اليومية، تنسى المجتمعات لماذا كانت تخافها. ومع غياب الخوف المباشر من المرض، يصبح الخوف من اللقاح أعلى صوتًا لدى البعض.
لكن التاريخ الصحي الحديث يروي قصة مختلفة. فاللقاحات كانت من أكثر أدوات الصحة العامة تأثيرًا في تقليل الوفيات ومنع الإعاقات والحد من انتشار أمراض فتكت بأجيال كاملة. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن اللقاحات أنقذت أكثر من 150 مليون حياة خلال العقود الخمسة الماضية.
هذه الأرقام لا تلغي حق الناس في السؤال. لكنها تذكّر بأن السؤال الصحي يحتاج إلى ذاكرة. فالمجتمع الذي لا يرى المرض قد يستخف بالخطر، والمجتمع الذي ينسى ما فعلته الأمراض قد يضعف دفاعه أمامها.
معركة على المستقبل
كما ان الثقة باللقاحات ليست معركة بين العلم والناس. إنها معركة من أجل الناس، ومن أجل حقهم في معلومة واضحة، وخدمة صحية عادلة، ونظام لا يتركهم أمام الشائعة وحدها.
وفي زمن الجائحة، تعلّم العالم أن الخطر الصحي لا يتوقف عند الحدود. وفي زمن الحروب، يتعلم الناس أن انهيار الخدمات الأساسية قد يعيد أمراضًا كان يمكن منعها. وبين التجربتين، تصبح اللقاحات اختبارًا لشيء أوسع من الطب: اختبارًا للثقة، والإنصاف، وقدرة المجتمعات على حماية أضعف أفرادها.
لذلك، لا يكفي أن تتوافر اللقاحات في المخازن. يجب أن تصل إلى الأطفال، وأن تُشرح للأهالي، وأن تُحمى من التضليل، وأن تبقى جزءًا من حق الناس في حياة آمنة.