أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 40 مليون دولار على إنشاء معبر "شير خان بندر" بين أفغانستان وطاجيكستان. والآن، بعد انسحاب قواتها، بدأت حركة "طالبان" بجمع عائدات الجمارك.
وأوضحت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن "طالبان" اكتسبت مصدر دخل جديدًا، بسيطرتها على البوابة التجارية الرئيسة إلى طاجيكستان، والبدء بجمع عائدات الجمارك، مع إحرازها مكاسب عديدة بانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وتلاشي قلق الحركة من مواجهة القوات الأميركية، ذات التجهيز والتدريب العالي.
وسقط معبر "شير خان بندر"، الذي شيّدته الولايات المتحدة شمال مدينة قندوز، في أيدي حركة "طالبان" في الـ22 من يونيو/ حزيران، مع فرار 134 فردًا من حرس الحدود، وقوات الحكومة الأفغانية الأخرى، إلى دولة طاجيكستان المجاورة.
منذ ذلك الحين، استولى مقاتلو الحركة على معظم ما تبقّى من حدود أفغانستان مع طاجيكستان، ولجأ أكثر من ألف جندي أفغاني إلى طاجيكستان، يومي الأحد والإثنين، وسلّموا معبر "إشكاشم"، المعبر الرئيسي الثاني.
وبدلًا من إغلاقه بعد استيلاء المقاتلين عليه، ظلّ مجمّع شير خان بندر قيد الخدمة. ووفقًا لتجّار محليين، توصّلت حركة "طالبان" إلى تفاهم ضمني مع طاجيكستان.
العمل على الحدود مستمر
وقال سهيل شاهين، المتحدّث باسم "طالبان": إن الحركة تواصلت مع حكومتي طاجيكستان وأوزبكستان، بعد أن سيطرت على بضع مناطق حدودية في يونيو.
وأضاف شاهين في مقابلة: "أبلغنا كل الحكومات، وأكدنا لها أن العمل الروتيني على الحدود والجمارك سيتواصل كما كان مِن قبل، وحتى موظفو الجمارك لم نغيّرهم، وقلنا لهم: قوموا بعملكم كالمعتاد.. ولم نقم حتى بتغيير الطوابع؛ والسبب هو أننا لا نريد خلق مشاكل لرجال الأعمال والتجار وعامة الناس".
وكانت عائدات الجمارك من التجارة عبر معبر "شير خان بندر"، تُدرّ عشرات الملايين من الدولارات، و"باتت الآن تذهب إلى طالبان"، يقول شاهين، مضيفًا أن "هذه منطقتنا الآن، ولذلك يجب أن تذهب العائدات إلينا، ورجال الأعمال سعداء للغاية الآن، ويقولون إنهم في السابق كانوا مضطرين إلى رشوة المسؤولين، ولكن الآن يسير كل شيء على ما يرام".
وسيطرت "طالبان" على أكثر من ثلث مناطق أفغانستان في الأسابيع الأخيرة، دون قتال في معظم الأحيان، إذ انسحبت القوات الأميركية المتبقّية، وفرّ الجنود الأفغان "المحبطون" أو استسلموا.
وتوقّع تقييم استخباراتي أميركي حديث انهيار الحكومة الأفغانية بعد 6 أشهر من الانسحاب الأميركي، وهو ما أدى إلى حالة هلع، دفعت بعض جيران أفغانستان إلى السعي لتوثيق العلاقات مع "طالبان"، التي تُسيطر على البلاد منذ أشهر.
وأوضحت لوريل ميلر، مديرة برنامج آسيا في مجموعة الأزمات الدولية، التي كانت تعمل بصفة ممثلة خاصّة للولايات المتحدة في أفغانستان وباكستان، أن طاجيكستان "تجنّبت السير عكس التيار بعدما أحرزت طالبان تقدّمًا".
40 مليون دولار لبناء المجمّع
وكان مجمّع "شير خان بندر" أحد المشاريع البارزة في ظل الوجود الأميركي الذي استمرّ 20 عامًا في أفغانستان.
ففي عام 2007، بنى سلاح المهندسين التابع للجيش الأميركي الجسر الفولاذي فوق نهر بانغ، بعرض 11 مترًا وطول 700 متر، ويمتدّ بين أفغانستان وطاجيكستان، بكلفة بلغت أكثر من 40 مليون دولار.
كما وصف وزير التجارة الأميركي كارلوس غوتيريز المعبر بأنه "مفترق طرق للتجارة والسلام والاستقرار" وقارنه بطريق التجارة القديم "طريق الحرير".
بدورهم، قال مسؤولو الحكومة المركزية الأفغانية: إن معبر شير خان بندر "مُغلق، منذ أن فقدت كابل السيطرة على المنطقة، باستثناء صفقة محدودة للسماح بعبور بعض الأسمنت والشحنات الأخرى، التي وصلت بالفعل إلى منطقة الجمارك".
"طالبان" تطمئن التجّار
إلا أن التجّار والمسؤولين المحليين في المنطقة يروون قصة مختلفة، حيث يقول سيد مجتبى هاشمي، رئيس جمعية تجار شير خان بندر، الذي يملك شركة تستورد الأسمنت والصلب والملح: إنه بعد يوم من الاستيلاء على المعبر، استدعت "طالبان" رجال الأعمال المحليين إلى مسجد لطمأنتهم حول استمرار التجارة دون انقطاع من طاجيكستان.
وأضاف أن مسؤولي الحدود في طاجيكستان وطالبان عقدوا بعد ذلك اجتماعًا في منتصف الجسر للتفاوض حول كيفية عمل الحدود.
وقال هاشمي: إن ما بين 50 و80 شاحنة تحمل الإسمنت الطاجيكي تعبر الحدود يوميًا، ومن حين لآخر تعبر شاحنة محمّلة بالفولاذ.
وتشير التقديرات إلى أن "طالبان" تكسب مليونًا أفغانيًا (العملة الأفغانية)، أي ما يعادل نحو 13 ألف دولار، من عائدات الجمارك يوميًا، موضحًا أن الضرائب التي كانت الحكومة تُحصّلها، تأخذها الآن طالبان التي فرضت مبالغ أقلّ".
تعاون طاجيكستان مع "طالبان"
وقبل الغزو الأميركي عام 2001، قدّمت طاجيكستان الدعم الأكبر في آسيا الوسطى للتحالف الشمالي المناهض لـ"طالبان"، بقيادة الطاجيكي أحمد شاه مسعود.
وقال عبد الأحد كاكار، عضو مجلس مقاطعة قندوز في أفغانستان: "في الماضي، كانت لدى طاجيكستان مخاوف بشأن طالبان، لكن الآن ليس لدى طاجيكستان أي مشكلة مع طالبان. ولو لم يكن هناك تفاهم بينهما، لما سُمِح للبضائع بالمرور".
وعلى عكس طاجيكستان، لم تسمح أوزبكستان لأفراد الجيش أو الشرطة الأفغانية بعبور الحدود أثناء فرارهم من "طالبان". ولا يزال معبر هيرتان الرئيسي بين أوزبكستان وأفغانستان، في شمال مدينة مزار الشريف، تحت سيطرة الحكومة الأفغانية.
ويقول المسؤولون الأفغان إنهم "يقومون الآن بتغيير مسار معظم الحركة التجارية المتجهة إلى طاجيكستان عبر أوزبكستان".