بعد انقطاع بسبب الحرب.. تقليد الإفطار الجماعي يعود إلى شوارع الخرطوم
افترش حسن بشير وجيرانه في حي الحتانة، في أم درمان على ضفة النيل المقابلة لمدينة الخرطوم، بساطًا وضعوا عليه أطباقًا من الطعام عند غروب الشمس ليتشاركوا أول إفطار جماعي في شهر رمضان منذ بدء الحرب قبل قرابة ثلاث سنوات.
وعاد بشير (53 عامًا) إلى السودان قبل بضعة أشهر بعد أن نزح منها هربًا من الحرب. ويعبّر عن فرحته باستعادة تقليد توقّف بسبب الحرب المشتعلة في البلاد بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ويقول بشير لوكالة "فرانس برس": "لم أكن هنا في رمضان الماضي، ولكنني كنت موجودًا خلال رمضان الذي سبقه حين كانت الحرب مشتعلة".
عودة الأمور إلى طبيعتها
ويضيف: "اليوم ذهبت إلى سوق أم درمان لشراء الحاجيات (لإعداد الطعام).. بعد ما شاهدته أثناء الحرب، لم أكن أتوقع أن تعود الأمور الى طبيعتها بهذه الصورة".
وفي اليوم الأول من شهر الصوم، يتشارك بشير إفطاره مع رجال من أكثر من عشر أسر يرتدون الجلاليب السودانية التقليدية الملونة، وتتوزّع بينهم أباريق المشروبات التقليدية مثل "الحلو مرّ"، وهو مشروب يصنعه السودانيون في رمضان من دقيق الذرة.
ويقول عبد القادر عمر الذي كان يعمل في التجارة إنه عاد إلى منزله في أم درمان بعدما نزح ثلاث مرات إلى ولايات سنار والنيل الأبيض والجزيرة وفقد عمله في سوق أم درمان.
ويضيف: "لم تكن هناك أكثر من أسرتين خلال رمضان الماضي. اليوم، نحن 13 أسرة تتناول طعام الإفطار معًا، وهذا في شارع واحد فقط داخل الحي".
مشاركة الطعام والشراب
وينتشر الخروج إلى الشارع للإفطار الجماعي أمام المنازل في جميع مناطق السودان، إذ تأتي كل أسرة بطعامها ويجلس الجيران معًا على بساط يتشاركونه كما يتشاركون الطعام والشراب. غير أن عمر يُذكّر بأنه "صحيح السلع متوافرة، لكن الأسعار مقابل الدخل تجعل الوضع صعبًا".
ويؤكد بشير كذلك ارتفاع الأسعار، إلا أن "السودانيين يساعدون بعضهم عن طريق التكايا (المطابخ العامة) وغيرها".
وأدت الحرب إلى تدهور الوضع الاقتصادي الذي كان هشًّا بالفعل، مع معدّلات تضخّم تجاوزت نسبة المئة في المئة.
وتعاني العملة المحلية انهيارًا حادًا، إذ انخفضت قيمتها من 570 جنيهًا سودانيًا للدولار الأميركي قبل الحرب، إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقا لسعر السوق السوداء.
وفي السوق المركزي بالخرطوم، يعرض الباعة الخضروات والفواكه في أكياس صغيرة، إذ لا تستطيع الأسر تحمّل تكلفة الكميات الكبيرة.
ويقول محمد، أحد الباعة في سوق الخرطوم المركزي، لـ"فرانس برس": "يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء لكن التكاليف في ارتفاع مستمر، المؤن والعمالة والنقل".
رغم ذلك، لا يخفي عمر سعادته بالعودة إلى منزله بعد أن "هجرناه لمدة طويلة. ولكن حين عدنا وجدنا المكان آمنًا والناس عادوا الى بيوتهم".
أما عثمان الجندي، وهو صحافي، فلم يغادر أم درمان طوال فترة الحرب. ويفيد "فرانس برس" بأن "الوضع اختلف تمامًا مقارنة برمضان عام 2025". ويقول: "شارعنا هذا كانت فيه أسرتان فقط والآن هناك 16 عائلة".
ويتذكر نميري الشيخ طه أنه في الأعوام السابقة في أم درمان: "كنا نجلس متوجسين، قد يأتينا رصاص طائش أو تقع دانة (طلقات مدفعية) حتى داخل المنازل. لقد أصابت المدفعية منزل جيراننا".
وعلى بُعد نحو 400 كيلومتر جنوب غرب الخرطوم، لا تزال مدن كردفان تشهد معارك دامية ويتكثّف القصف بالطائرات المسيّرة التي تقتل بعضها العشرات في هجوم واحد.
ومع ذلك، افترش السودانيون الأرض أمام منازلهم لتناول الإفطار معًا. ويقول أحمد بلة الذي يسكن حي البترول في الأُبيّض، عاصمة شمال كردفان، ل"فرانس برس" عبر الهاتف، "نحن 17 أسرة اعتدنا أن نتناول الإفطار معًا في رمضان، واليوم لم يتخلّف أحد منّا رغم الأوضاع الأمنية وهجمات المسيّرات من وقت لآخر".