بعد جدل مصر والأرجنتين.. متى يتدخل الـVAR وما أشهر أخطاء التحكيم في المونديال؟
لم تنتهِ مباراة مصر والأرجنتين عند صافرة الحكم الفرنسي فرنسوا لوتكسييه. فبعد الخروج المصري الدرامي من دور الـ16 في كأس العالم 2026، انتقلت المواجهة سريعًا من الملعب إلى شاشات الإعادة، وتحولت قرارات التحكيم إلى جزء من القصة نفسها.
تركّز الجدل خصوصًا على هدف سجله مصطفى زيكو في الدقيقة 62، وكان سيمنح مصر تقدمًا بهدفين، قبل أن يُلغى بعد مراجعة تقنية الفيديو بسبب مخالفة ارتكبها لاعب مصري في بناء الهجمة. ثم ارتفعت حدة الاعتراضات في الدقائق الأخيرة، عندما سقط حمدي فتحي داخل منطقة الجزاء ولم تُحتسب ركلة لمصر، قبل أن تسجل الأرجنتين هدف الفوز في الدقيقة 92.
تحولت مباراة مصر والأرجنتين إلى واحدة من أكثر مواجهات مونديال 2026 إثارة للجدل بسبب قرارات الـVAR
أعاد ذلك كله سؤالًا قديمًا إلى الواجهة:
وهل تُراجع التقنية كل مخالفة سبقت الهدف، مهما ابتعدت زمنيًا أو مكانيًا عن لحظة التسجيل؟
"هل فسّر الحكم المخالفة بالطريقة الصحيحة؟"
ثلاث لقطات أعادت النقاش حول اتساق تدخل تقنية الفيديو في المباراة
حكم مساعد لا حكم بديل
لا يعمل الـVAR بوصفه حكمًا ثانيًا يملك إعادة تحكيم كل لقطة. وظيفته هي مساعدة حكم الساحة عندما يوجد "خطأ واضح وجلي" أو "حادث خطير فات على الحكام" في قرارات محددة ذات تأثير مباشر في المباراة.
يبقى حكم الساحة صاحب القرار النهائي، سواء اكتفى بالمعلومات التي يتلقاها من غرفة الفيديو أو ذهب إلى الشاشة الجانبية لمشاهدة اللقطة بنفسه.
يبدأ الحكم وطاقمه كل لقطة كما لو أن تقنية الفيديو غير موجودة. لذلك عليهم اتخاذ قرار أولي، حتى عندما يكون القرار السماح باستمرار اللعب. بعد ذلك، يفحص حكم الفيديو اللقطة تلقائيًا، ولا تتغير النتيجة الأصلية إلا إذا أظهرت الصور خطأ واضحًا أو واقعة مؤثرة لم تُرصد.
يعني ذلك أن التقنية لا تبحث عن "القرار المثالي" في كل احتكاك، ولا تتدخل لمجرد أن مشاهدة الإعادة تسمح برأي آخر. الفارق أساسي بين قرار يمكن الاختلاف حوله، وخطأ واضح يستدعي تصحيحه.
متى يتدخل الـVAR؟
يتدخل الـVAR في القرارات المؤثرة مباشرة: الأهداف، وركلات الجزاء، والطرد المباشر، والخطأ في هوية اللاعب
تتركز مراجعات تقنية الفيديو في القرارات التي يمكنها تغيير مسار المباراة مباشرة.
-
الهدف أو عدم احتسابه
يمكن مراجعة كل ما يرتبط بصحة الهدف، مثل التسلل، ولمسة اليد، والمخالفة التي يرتكبها الفريق المهاجم في بناء الهجمة، وخروج الكرة من الملعب قبل التسجيل، أو عبورها خط المرمى من عدمه.
هذه الفئة هي التي فتحت باب الجدل في مباراة مصر والأرجنتين. فالبروتوكول يسمح بالعودة إلى "مرحلة الهجوم" التي قادت مباشرة إلى الهدف، وقد يشمل ذلك الطريقة التي استعاد بها الفريق المهاجم الكرة قبل بدء الهجمة.
غير أن تحديد أين تبدأ هذه المرحلة وأين تنتهي لا يخضع دائمًا لخط هندسي ثابت، بل لتقدير الحكام ومدى اتصال المخالفة بالهجمة التي انتهت بالتسجيل.
-
ركلة جزاء أو عدم احتسابها
يجوز لحكم الفيديو التدخل إذا احتُسبت ركلة جزاء بطريقة خاطئة، أو إذا فات الحكم احتساب مخالفة تستوجبها. ويمكن كذلك مراجعة مكان المخالفة، وهل وقعت داخل المنطقة أو خارجها، وما إذا كانت الكرة قد خرجت قبل الواقعة.
هنا تظهر حساسية لقطة حمدي فتحي. فعدم احتساب ركلة الجزاء في الملعب يعد قرارًا أوليًا بحد ذاته، ويمكن مراجعته. لكن تغيير القرار يتطلب أن يرى حكم الفيديو أن عدم احتساب المخالفة كان خطأ واضحًا، لا مجرد لقطة قابلة لتفسيرين.
-
البطاقة الحمراء المباشرة
يتدخل الـVAR في حالات الطرد المباشر، مثل اللعب العنيف، والسلوك المشين، والعض أو البصق، واستخدام إشارات أو عبارات مسيئة، وحرمان المنافس من فرصة واضحة للتسجيل.
ولا يستخدم لمراجعة كل بطاقة صفراء عادية.
- الخطأ في تحديد هوية اللاعب
إذا منح الحكم بطاقة للاعب غير الذي ارتكب المخالفة، يمكن لحكم الفيديو تصحيح هوية اللاعب المعاقب.
لماذا يعود الحكم إلى لقطة سبقت الهدف؟
لا يحدد البروتوكول مسافة ثابتة أو عددًا محددًا من الثواني يمكن العودة إليه قبل الهدف. وبدلًا من ذلك، يسمح بمراجعة "مرحلة الهجوم" التي أدت مباشرة إلى القرار.
وقد تشمل المراجعة كيفية استعادة الاستحواذ، أو مخالفة سبقت التمريرة الأخيرة، أو خروج الكرة من الملعب قبل اكتمال الهجمة.
المشكلة أن كرة القدم لا تُقسم دائمًا إلى مشاهد منفصلة بوضوح. قد يحتفظ الفريق بالكرة وينقلها من منطقة إلى أخرى قبل التسجيل، وهنا يصبح السؤال: هل بقيت الهجمة نفسها مستمرة، أم بدأت مرحلة جديدة قطعت الصلة بالمخالفة الأولى؟
في حالة هدف زيكو، رأت غرفة الفيديو أن المخالفة السابقة بقيت جزءًا من الهجمة التي انتهت بالتسجيل، بينما رأى منتقدون أن العودة إلى لقطة بعيدة نسبيًا وسّعت مفهوم بناء الهجمة أكثر مما ينبغي.
لذلك لا يتركز الجدل على إمكان المراجعة من حيث المبدأ فقط، وإنما على اتساق تطبيق المعيار نفسه في اللقطات المختلفة.
لا توجد مدة زمنية ثابتة للمراجعة، إذ يعتمد القرار على اتصال المخالفة بالهجمة التي انتهت بالهدف
هل يملك اللاعبون حق طلب المراجعة؟
لا يملك اللاعب أو المدرب حق فرض مراجعة. يفحص حكم الفيديو الوقائع المهمة تلقائيًا، ويمكنه أن يوصي الحكم بمراجعة لقطة، لكن حكم الساحة وحده يقرر بدء المراجعة ويتخذ القرار النهائي.
كما لا يوجد في البروتوكول نظام اعتراضات يمنح كل منتخب عددًا محددًا من طلبات المراجعة.
تفسر هذه القاعدة لماذا قد يطالب اللاعبون طويلًا بمراجعة لقطة، ثم يستمر اللعب من دون ذهاب الحكم إلى الشاشة. فقد تكون غرفة الفيديو قد فحصت الواقعة بالفعل وانتهت إلى عدم وجود خطأ واضح.
الفحص الصامت والمراجعة المعلنة
تمر معظم اللقطات عبر "فحص صامت" لا يلاحظه الجمهور. يشاهد حكم الفيديو الصور من زوايا مختلفة، فإذا لم يجد خطأ واضحًا، يستمر اللعب من دون إشارة خاصة.
أما إذا رأى احتمال وجود خطأ مؤثر، فيبلغ حكم الساحة. عندها قد يتجه الحكم إلى الشاشة لإجراء مراجعة ميدانية، خصوصًا في القرارات التقديرية مثل شدة التدخل أو لمسة اليد، أو يعتمد على المعلومات القادمة من غرفة الفيديو في الوقائع الموضوعية، مثل التسلل أو مكان وقوع المخالفة.
وهنا يظهر فارق مهم: الإعادة البطيئة مفيدة لتحديد نقطة التلامس أو موضع اللاعب، لكنها قد تجعل التدخل يبدو أعنف مما كان عليه في السرعة الطبيعية.
تمر اللقطات المهمة بفحص تلقائي، لكن المراجعة المعلنة تبدأ عند الاشتباه في خطأ واضح ومؤثر
تقنية تقلل الأخطاء ولا تلغي التفسير
أدخل الـVAR إلى كرة القدم بهدف تصحيح القرارات الكبرى التي كان يمكن أن تقلب النتائج. لكنه لم يحوّل التحكيم إلى علم دقيق؛ لأن كثيرًا من الوقائع لا تعتمد على معرفة ما حدث فقط، وإنما على تفسيره.
جدل واسع رافق تدخلات الـVAR في مباراة مصر والأرجنتين بدور الـ16
قد تثبت الكاميرا وجود تلامس، لكن يبقى السؤال: هل كان كافيًا لاحتساب مخالفة؟ وقد تثبت أن اليد لمست الكرة، لكن القرار يتوقف على وضع الذراع وحركة اللاعب والمسافة.
يمكن تحديد بداية الهجمة، لكن مدى اتصال مخالفة سابقة بالهدف يظل أحيانًا مسألة تقديرية.
لهذا لم ينهِ الـVAR الجدل. قلّص مساحة الأخطاء التي لا تقبل النقاش، لكنه أبقى مساحة واسعة للاختلاف في القرارات التي تتصل بالتقدير البشري.
أخطاء تحكيمية لا ينساها المونديال
- "يد الله".. الخطأ الذي صنع أسطورة
قبل تقنية الفيديو، أصبحت بعض أخطاء التحكيم جزءًا من ذاكرة كأس العالم نفسها. أشهرها هدف دييغو مارادونا بيده في مرمى إنكلترا خلال ربع نهائي مونديال المكسيك 1986.
قفز مارادونا لمنافسة الحارس بيتر شيلتون، ودفع الكرة بيده إلى الشباك، لكن الحكم احتسب الهدف.
- هدف لامبارد الذي لم يُحتسب
في دور الـ16 من مونديال جنوب إفريقيا 2010، سدد فرانك لامبارد كرة ارتطمت بالعارضة وتجاوزت خط مرمى ألمانيا بوضوح، قبل أن ترتد إلى الملعب.
لم يحتسب الحكم الهدف، رغم أن إنكلترا كانت ستتعادل 2-2 في تلك اللحظة.
تحولت اللقطة إلى أحد أبرز الدوافع لتطوير تقنية خط المرمى، التي تختلف عن الـVAR في أنها تمنح الحكم إشارة فورية عند عبور الكرة الخط بالكامل.
وكانت المفارقة أن تاريخ كأس العالم عرف قبل ذلك جدلًا معاكسًا في نهائي 1966، عندما احتُسب هدف لجيف هيرست أمام ألمانيا الغربية رغم استمرار الخلاف حول عبور الكرة الخط.
مونديال 2002.. بطولة طاردها الجدل
شهد مونديال كوريا الجنوبية واليابان عام 2002 جدلًا واسعًا حول بعض المباريات الإقصائية للمنتخب الكوري الجنوبي، خصوصًا أمام إيطاليا وإسبانيا.
اعترض الإيطاليون على إلغاء هدف وعلى طرد فرانشيسكو توتي، فيما اعترض الإسبان على إلغاء هدفين في ربع النهائي قبل خروجهم بركلات الترجيح.
بقيت تلك المباريات من أكثر الأمثلة استدعاءً عند الحديث عن قرارات تحكيمية أثرت في مسار بطولة كاملة، حتى مع اختلاف التقييمات بشأن كل لقطة على حدة.
هل أصبح التحكيم أكثر عدلًا؟
جعلت التقنية أخطاء مثل احتساب هدف بلمسة يد واضحة أو تجاهل كرة تجاوزت خط المرمى أقل احتمالًا. لكنها أنشأت نوعًا جديدًا من التوتر: انتظار اكتمال المراجعة، والبحث عن تسلل بفارق ضئيل، والعودة إلى مخالفة وقعت قبل الهدف بثوانٍ طويلة.
في السابق، كان الجدل يدور حول واقعة لم يرها الحكم. أما الآن، فقد يرى الحكام الواقعة من زوايا متعددة ويختلف الجمهور معهم في تفسيرها.
هذا تحديدًا ما أعادته مباراة مصر والأرجنتين إلى الواجهة. لم تكن المشكلة غياب الصور، بل تحديد المدى الذي يجوز أن تمتد إليه المراجعة، وتطبيق معيار واحد على الوقائع المتشابهة، وشرح القرار بطريقة تمنح الجمهور فهمًا أوضح لما جرى.
العدالة بين الصور والقرار
لذلك لا تُقاس جودة تقنية الفيديو بعدد المرات التي تتدخل فيها، وإنما بوضوح معيار تدخلها واتساقه.
كلما طالت المراجعة أو عادت إلى لحظة بعيدة من دون تفسير مفهوم، ازداد شعور الجمهور بأن التقنية تبحث عن سبب لتغيير القرار بدل تصحيح خطأ واضح.