دخلت الاحتجاجات في سوريا يومها الثاني رفضًا لرفع أسعار المشتقات النفطية، وعلى رأسها المازوت الذي ارتفع سعره بنحو 40%، وسط مخاوف من انعكاس الزيادة على تكاليف النقل والغذاء والإنتاج، في وقت يعاني فيه السوريون أصلًا من التضخم وتراجع القدرة الشرائية.
وشملت الزيادة أسعار البنزين والغاز المنزلي والصناعي، فيما شهدت مناطق عدة احتجاجات وقطع طرق رئيسية، اعتراضًا على القرار الذي تقول الحكومة السورية إنه مؤقت، وترجعه إلى ارتفاع تكاليف تأمين الوقود عالميًا واعتماد البلاد على الاستيراد، بالتزامن مع توقف مصفاة بانياس للصيانة لنحو شهرين.
ارتفاع الأسعار
وبموجب التسعيرة الجديدة التي أصدرتها وزارة الطاقة السبت الماضي، ارتفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، بزيادة بلغت نحو 40%.
كما ارتفع سعر ليتر بنزين "أوكتان 95" إلى 195 ليرة سورية جديدة، بعدما كان 152 ليرة، فيما ارتفع سعر ليتر بنزين "أوكتان 90" من 142 إلى 185 ليرة.
وحددت اللجنة سعر أسطوانة الغاز المنزلي بـ1600 ليرة سورية جديدة، بعدما كانت بـ1470 ليرة، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز الصناعي إلى 2570 ليرة، مقارنة بـ2350 ليرة سابقًا.
وأدى الرفع الكبير لأسعار المحروقات، مطلع الأسبوع، إلى اندلاع احتجاجات واسعة في مناطق سورية عدة، تخللها إحراق إطارات وإغلاق طرق رئيسية، بينها الطريق السريع الذي يربط دمشق بحلب، التي تعد مركزًا صناعيًا.
كما عرقل متظاهرون قوافل شاحنات تنقل النفط الخام باتجاه المصافي في وسط سوريا، وطالب بعضهم بإقالة وزيري الطاقة والاقتصاد ورئيس الشركة السورية للبترول.
وفاقم رفع الأسعار الضغوط على السوريين الذين يعانون أصلًا من أزمة اقتصادية مستمرة منذ سنوات. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بنحو الثلث قبل اندلاع الثورة عام 2011.
وقال ياسر سالم، لوكالة "رويترز" في حلب: "الشعب بده يرخص المازوت، ما بدنا يعلي الأجور".
وناشد بسام العلي، الذي شارك في الاحتجاجات في حلب، الرئيس أحمد الشرع مباشرة، قائلًا إن الوضع أصبح لا يطاق.
وأضاف: "المعابر عم تدخل ملايين الدولارات... ما بدنا لا دوارات ولا مولات، بس عيّش شعبك".
بدوره قال سائق سيارة أجرة يدعى عماد أبو راس، 44 عامًا، إن الركاب بدأوا بالفعل في الاعتراض على ارتفاع الأجرة، مضيفًا: "بكرا الخضرة بتغلى وكل المواد بتغلى. لاقولنا حل، نسرق؟ ما بيطلع بإيدنا نسرق".
وأثار قرار وزارة الطاقة السورية رفع أسعار البنزين والمازوت والغاز مخاوف من تأثير ارتفاع تكاليف المحروقات على المعيشة والخدمات، ولا سيما أن الوقود يدخل في تكاليف معظم الأنشطة الاقتصادية، من الزراعة والصناعة إلى النقل والخدمات.
لا تأثير على الخبز
وأعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية عدم تأثر سعر ربطة الخبز أو وزنها بالزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات، مشيرة إلى تعويض تكاليف الإنتاج من خلال خفض سعر طن القمح.
وقال نائب وزير الاقتصاد والصناعة ماهر خليل الحسن، في بيان نشرته الوزارة عبر معرفاتها الرسمية أمس الأحد، إنه "لا يوجد أي تغيير على سعر ربطة الخبز ولا على وزنها" رغم ارتفاع أسعار المحروقات، مؤكدًا أن القرار "بشكل قاطع ونهائي".
وفي العاصمة دمشق، انعكست الزيادة على حركة النقل، وسط تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف تشغيل سيارات الأجرة. وقال أحد السائقين إن ارتفاع سعر البنزين أدى إلى زيادة أجور الرحلات، موضحًا أن الرحلة التي كانت تكلف الراكب 25 ألف ليرة باتت تتطلب نحو 35 أو 40 ألف ليرة.
كما ارتفعت تعرفة النقل الداخلي في دمشق من 2500 أو 3000 ليرة سورية إلى 5000 ليرة، بزيادة تصل إلى 50% في بعض المناطق.
وأثارت الزيادة شكاوى واسعة، خصوصًا بين الموظفين الذين لا يتجاوز دخل بعضهم 120 دولارًا شهريًا، رغم الزيادات التي أقرتها الحكومة خلال الفترة الأخيرة.
وباتت تكاليف النقل تستهلك لدى بعض الموظفين ما يصل إلى 90% من رواتبهم الشهرية، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من دخلهم يذهب لتغطية تكلفة الوصول إلى أماكن العمل.
وانعكس ارتفاع تكاليف النقل والوقود على الأسواق، في ظل ظروف معيشية صعبة وتراجع اقتصادي وارتفاع معدلات التضخم والأسعار، ما زاد الضغوط على الأسر السورية.
وتحتاج سوريا إلى نحو 300 ألف برميل من النفط يوميًا، فيما كانت مصفاة بانياس تنتج نحو ثلث الاحتياج قبل توقفها للصيانة، ما يزيد اعتماد البلاد على استيراد المشتقات النفطية.
وقال مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة عبد الحميد السلات، أمس الأحد، إن زيادة الأسعار إجراء مؤقت فرضه ارتفاع تكاليف الشراء العالمية واعتماد سوريا الكبير على الواردات، مضيفًا أن الأسعار يمكن تعديلها بالزيادة أو النقصان وفق تغير الظروف.
وتثير الزيادة الجديدة مخاوف من انتقال آثار ارتفاع أسعار المحروقات إلى مختلف القطاعات، بما قد يرفع تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، في وقت تواجه فيه الأسر السورية ضغوطًا معيشية واقتصادية متزايدة.