لأول مرة منذ استقلال سوريا عام 1946، يدخل رئيس سوري البيت الأبيض في زيارة تحمل عناوين اقتصادية كبرى.
فالعلاقات بين سوريا والولايات المتحدة تشهد تحوّلًا بارزًا منذ سقوط نظام بشار الأسد، إذ سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى رفع العقوبات المفروضة على دمشق منذ أكثر من عقد، في خطوة هدفت إلى إنعاش الاقتصاد السوري ودعم الحكومة الجديدة.
وحضرت الملفات الاقتصادية على جدول زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، في ظل المساعي الرامية إلى إنهاء العقوبات، وعلى رأسها "قانون قيصر"، الذي خلّف آثارًا عميقة على الاقتصاد السوري وأعاق جهود إعادة الإعمار.
فدمشق تُعوّل على إلغاء ما تبقّى من العقوبات المفروضة عليها، لما لذلك من أثر محتمل في تنشيط الاستثمارات العالمية داخل البلاد.
قانون قيصر
ويُعدّ "قانون قيصر" الذي فُرض في عام 2019، من أكثر القوانين صرامة بحقّ دمشق، إذ حظر على أي دولة أو جهة التعامل مع الحكومة السورية أو تقديم أي دعم مالي أو اقتصادي لها.
لكن في الفترة الأخيرة حصلت ثلاث منظمات دولية منها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، على تصاريح تسمح بفتح قنوات تمويل رسمية إلى الداخل السوري، في حين أعادت ثلاثة بنوك خليجية تشغيل حسابات التحويل المالي المُرخّصة بموجب الإعفاءات الأميركية.
وفي سياق التطوّرات المالية الداخلية، تستهدف سوريا مضاعفةَ عدد البنوك العاملة بحلول 2030، من خلال إصلاح القطاع المصرفي.
وقال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية: "الآن تعود عقارب الساعة إلى ما قبل عامِ 1958 عندما دخلت سوريا في النظام الاشتراكي وفي التحالف الشرقي آنذاك". كما أكد وجود رغبةٍ أميركية كبيرة بالاستثمار في سوريا، مضيفًا" أنّ "جدار برلين في الشرق الأوسط سقط" وأنّ سوريا تدخل "حقبة اقتصادية ومالية جديدة".
ويتّضح ذلك من خلال اهتمام أكثر من 20 شركة أميركية، منها "فيزا" و"ماستر كارد" و"أبوت" و"هاليبرتون" وعدد من الشركات العاملة في قطاع النفط، بدخول السوق السورية واستكشاف فرص الاستثمار فيها.
التعاون مع صندوق النقد الدولي
وعلى هامش زيارتِه إلى الولايات المتحدة، بحث الشرع سبل التعاون بين بلاده وصندوقِ النقد الدولي، في إطار ما وصفه بـ"التحوّل الاقتصادي الذي يحتاجه السوريون".
وركّزت المباحثاتُ على تعزيز عجلة التنمية والاستفادة من خبرات المؤسسة المالية الدولية لدعم مسار الإصلاح الاقتصادي في سوريا.
واستطاعت الحكومة السورية جذب استثمارات خارجية تقدَّر بنحو 30 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الماضية، في مؤشر على تنامي الثقة بالبيئة الاقتصادية الجديدة في البلاد.
ويشير الخبير الاقتصادي عبد الكريم القادري إلى أنّ قانون قيصر هو أحد أهم العناصر التي تفرض مجموعة من القيود على الاقتصاد السوري ونموّه، لافتًا إلى أنّ رفع القيود ينتظر تصويت مجلس النواب الأميركي.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من واشنطن، لفت القادري إلى انقسام داخل المجلس، حيث يرفض رئيس لجنة الشؤون الخارجية وبعض أعضائها، رفع القيود بشكل كامل عن سوريا ويرون أنّه يجب أن يكون مشروطًا، أي مرتبطًا بشروط معينة.
وقال القادري: "إذا تم تمرير القرار في مجلس النواب بشكل مشروط، فإنّ الشروط ستكون مرتبطة بما يُسمّى المعايير السلوكية المتعلقة بحقوق الإنسان والأقليات وغيرها".
وأوضح أنّه وفقًا للبيان المشترك لوزارتي الخارجية والمالية الأميركيتين، تمّ تعليق تطبيق "قانون قيصر" لمدة 180 يومًا، وهذا يُساعد كثيرًا في ترتيب البيت الداخلي، ريثما يتم رفع القانون نهائيًا.
سوريا عادت لنظام "سويفت"
كذلك يؤكد القادري أنّ عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي تمت بالفعل، كما أُعيد دمج النظام المصرفي السوري مع النظام الدولي، بحسب تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي، الذي أكد إعادة ربط سوريا بنظام "سويفت".
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أنّه لا يُمكن الحديث عن إصدار صكوك سيادية يُشارك فيها مستثمرون من الخارج من دون وجود استقرار نقدي ومالي، وبنية تشريعية واضحة تتماشى مع المعايير الدولية.
كما يوضح أنّ عملية الدَّين السيادي معقّدة جدًا وتتطلّب استقرارًا ماليًا ونقديًا وتشريعيًا. لذلك، فانّ الحكومة السورية الحالية، بحسب تصريحات وزرائها، لا تسعى إلى الاقتراض الخارجي لتمويل العجز، بل تعمل على تحقيق الانضباط المالي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.