بعد سنواتٍ طويلة من المنفى والترحال، يعود الشاعر الفلسطيني السوري غياث المدهون إلى دمشق، حاملًا معه ديوانه الشعري "لقد أحضرت لك يدًا مقطوعة"، في لحظة تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع الحضور الأدبي، ويستعيد فيها شاعر المنفى علاقة مؤجلة مع المكان الأول.
تجربة المدهون الشعرية وُلدت خارج الجغرافيا، لكنها كُتبت بذاكرة مثقلة بالجراح والأسئلة. واليوم، يلتقي قرّاءه من جديد في معرض دمشق الدولي للكتاب، في حدث يحمل دلالات خاصة، لا سيما مع وصول النسخة الإنكليزية من الديوان إلى القائمة القصيرة لجائزة نادي القلم الأميركي.
وغياث المدهون، وُلد في دمشق عام 1979، وانتقل إلى السويد عام 2008، حيث بدأت تجربته الشعرية تأخذ بعدًا عالميًا، ويكتب المدهون الشعر بالعربية، وقد تُرجمت أعماله إلى نحو ثلاثين لغة.
معنى العودة والمنفى
في حديثه لبرنامج "ضفاف" على شاشة "العربي 2"، يستعيد المدهون لحظة اليأس التي سبقت هذه العودة، قائلًا: "سلّمت كتابي لناشري في دار المتوسط في سبتمبر/ أيلول 2023، ولم أكن أحلم يومًا أنني سأعود إلى سوريا. كنت قد يئست تمامًا، وظننت أنني خسرت بلدين".
ويشرح خلفية هذا الشعور المركّب بالانتماء المكسور: "أبي من غزة، وأمي من درعا، وأنا من مخيم اليرموك الذي لم يعد موجودًا بعدما دمّره نظام الأسد. كنت أرى العالم من منظور يائس، لكنني اليوم استعدت أحد البلدين اللذين فقدتهما".
ويتوقف المدهون عند خصوصية التجربة الفلسطينية السورية، موضحًا: "نعيش مكتومي القيد، لأننا جئنا إلى سوريا بعد استلام حزب البعث الحكم، لا قبل ذلك كما فعل معظم الفلسطينيين عام 1948. نحن فلسطينيون 1967. كنت أزور أمي في بيروت لأنها تستطيع السفر".
وعن الشعر، يقول المدهون إنه يكتب "قصائد حب تتخذ هيئة كوابيس"، يعيد عبرها استحضار الأيام والذكريات، وإعادة تشكيل العالم كما يراه اليوم.
وبدهشة واضحة، يعلّق على لحظة وجوده في دمشق: "لا أصدق أنني الآن هنا. هذه زيارتي الخامسة منذ سقوط النظام البائد، لكنني لم أتخيل يومًا أن أقف في معرض دمشق الدولي وأوقّع كتابًا في قلب هذه المدينة".
ويضيف، "لقد أحضرت لك يدًا مقطوعة"، هو كتابي الخامس. سبق أن وقّعت كتابين في دمشق قبل أن أهرب عام 2008 إلى السويد، واليوم أعود لأوقّع من جديد".
ويصف إحساسه بهذه اللحظة قائلًا: "إن كان الإنسان قادرًا على وصف مزيج التناقضات التي تجتاحه من فرح وحزن، من دهشة ووجع، فإن ما أشعر به الآن يجمع كل ذلك معًا".
الشعر والواقع
وحول السؤال المتكرر عن قدرة الشعر على التأثير في زمن يبدو فيه الواقع أقوى من اللغة، يرفض المدهون توصيف تجربته بالشعر السياسي، قائلًا: "حين يقولون إن شعري سياسي، أرفض هذا الوصف. ما أكتبه ليس سياسة، بل حياة. الأدب انعكاس للوجود، حتى لو جاء هذا الانعكاس من مرآة مكسورة".
ويتابع: "أنا لا أكتب شعرًا سياسيًا، بل أكتب عن حياتي. وحياتي تحمل إشكالية أن تكون فلسطينيًا مولودًا في سوريا، وأن تمر بكل ما عشناه خلال سنوات الثورة. هذا الواقع يفرض نفسه على النص، ويجعل الشعر امتدادًا للحياة".
ويستحضر تجربة الفقد الشخصية، قائلًا: "فقدت أخي فداءً للثورة السورية، ومع ذلك أؤمن أن لتضحياتنا معنى. لا يمكن للشاعر أن ينفصل عن واقعه. إذا فتحت نافذتك صباحًا ورأيت جثة قتيل إلى جانب زهرة، فمن المستحيل أن تكتب عن الزهرة وحدها".
ويضيف موضحًا رؤيته لدور المثقف: "من غير المنطقي أن أكون معزولًا عن الجرح. المثقف الحقيقي، كما أوضح الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، هو المثقف العضوي المرتبط بالواقع، القادر على مواجهة القوة بالحقيقة".
من هنا، يكرر المدهون رفضه لتصنيف شعره سياسيًا: "من هذا المنطلق أرفض أن يُصنَّف شعري بأنه سياسي. إنه شعر عن زمننا وحياتنا، عن التجربة التي نعيشها نحن الفلسطينيين والسوريين، أو الفلسطينيين السوريين. نحن نعيد تشكيل زماننا كما رأيناه، ونقول الأشياء كما هي، بلا طوباوية، بل بصدق الإنسان في وضعه الطبيعي. وقفنا مع أهلنا، مع ذكرياتنا، ومع شعبنا".
جائزة نادي القلم الأميركي
وعن وصول ديوانه إلى القائمة النهائية لجائزة نادي القلم، يقول: "أنا سعيد جدًا بذلك. نحن كفلسطينيين نادرًا ما نفوز بالجوائز. أتمنى الفوز، لكن الأهم بالنسبة لي أنني أكتب للقراء العرب، فهم جمهوري الحقيقي".
ويتوقف عند مسألة الترجمة، موضحًا: "صدر لي سبعة عشر كتابًا بلغات أجنبية، لكنني أود أن أوضح أمرًا مهمًا: هناك الكثير من الالتباس في موضوع الترجمة. فحتى أبرز الشعراء والكتّاب العرب لم يُترجم معظمهم إلى لغات أخرى، لأن الترجمة ليست معيارًا للجودة، بل هي مزيج من عوامل مختلفة؛ الحظ، العلاقات الاجتماعية، والظروف السياسية.
وتابع "نحن الفلسطينيين والسوريين المقيمون في أوروبا نحصل أحيانًا على فرص لم تُتح لغيرنا، لأن المهرجانات الأوروبية تفضّل دعوة شاعر مقيم هناك بدلًا من مواجهة تعقيدات الفيزا أو احتمال طلب اللجوء".
ويضيف: "الترجمة بحد ذاتها لا تعني شيئًا. قد يُقال إن شاعرًا تُرجم إلى عدة لغات، لكن لا أحد يسأل ماذا حدث بعد ذلك. قد يكون شاعرًا رديئًا في بلده، فيُترجم ليصبح رديئًا بلغات عدة. الترجمة قد تكون بقعة ضوء، لكنها قد تتحول أيضًا إلى عبء".
ويختم المدهون قائلًا: "أنا أكتب أولًا للقراء العرب. أي ترجمة حصلت عليها كانت نتيجة ظروف خاصة، ومع ذلك وصلت كتبي إلى قوائم الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة وفي بلدان أخرى، وهذا أمر جيد. لكنني لا أعمل مثل باقي الشعراء، فأنا لا أكتب في الصحافة، بل أكرّس نفسي للشعر وحده".