مع تداول سيناريوهات انتهاء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، يبرز سيناريو السيطرة الأميركية على جزيرة خرج بوصفه الخيار الأكثر واقعية لحسم الحرب، وخلق ديناميات داخلية قد تؤدّي إلى انهيار النظام الإيراني أو تفكّكه على المدى البعيد.
لكنّ هذا السيناريو، على واقعيته، ينطوي أيضًا على الخيار الأسوأ للولايات المتحدة، الذي طالما استبعدته دوائر صنع القرار في البيت الأبيض منذ غزو العراق وأفغانستان، وهو الانتشار البري على "أرض عدوة" بهدف السيطرة عليها.
تقع جزيرة خرج، وهي جزيرة مرجانية يبلغ طولها نحو 5 أميال، في الخليج العربي، على بعد نحو 25 كيلومترًا من الساحل الإيراني، عند نقطة انتهاء خطوط الأنابيب القادمة من حقول النفط في وسط البلاد وغربها.
أنشأتها في الأصل شركة النفط الأميركية "أموكو"، قبل أن تسيطر عليها إيران عقب الثورة الإيرانية عام 1979.
الأهمية الاستراتيجية لجزيرة خرج
تكتسب الجزيرة، التي تبعد نحو 500 كيلومتر شمال غربي مضيق هرمز، أهمية استراتيجية كبيرة، إذ تمثل محطة التصدير الرئيسية لنحو 90 بالمئة من النفط الإيراني إلى العالم.
ومن شأن السيطرة عليها قطع ما تبقى من الإيرادات المالية للنظام في طهران، وتعطيل قدرته على دفع رواتب الجنود والموظفين المدنيين، وتمويل حلفائه في الخارج، ما قد يخلق أزمة تمويل كبرى تدفع البلاد إلى الفوضى، وربما إلى انهيار النظام نفسه.
وتُعَدّ إيران ثالث أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك"، وتصدّر نحو 4.5 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، بإنتاج يبلغ نحو 3.3 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، بالإضافة إلى 1.3 مليون برميل يوميًا من المكثفات والسوائل الأخرى.
وقبل الهجوم الأميركي - الإسرائيلي الأخير، كانت معظم صادرات النفط الخام الإيراني من جزيرة خرج تتجه إلى الصين.
ونظرًا إلى استشعارها الخطر، وتوقّعها الحرب، وحاجتها إلى الموارد المالية، زادت طهران وتيرة تصدير النفط من الجزيرة قبل الحرب.
وتفيد مذكرة لبنك "جي بي مورغان"، وهو أحد أكبر البنوك الأميركية، ويقدّم أيضًا خدمات استشارية في أكثر من مئة دولة حول العالم، بأن إيران رفعت صادراتها من خرج إلى مستويات قياسية في الأيام التي سبقت الهجوم عليها.
ووفقًا للمذكرة، شحنت أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميًا في الفترة من 15 إلى 20 فبراير/ شباط الماضي، أي ما يقرب من ثلاثة أمثال معدّل صادراتها العادي، الذي يتراوح بين 1.3 مليون و1.6 مليون برميل يوميًا.
ترمب عام 1988: سأسيطر على "خرج"
في مقابلة أجرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية عام 1988 مع الرئيس دونالد ترمب، عندما كان في الحادية والأربعين من عمره، وأعادت نشرها عام 2017 قبيل تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة في ولايته الأولى، سألته الصحيفة عمّا سيفعله إزاء إيران لو كان صاحب القرار الأميركي، فردّ على الفور بأنه سيضرب جزيرة خرج ويفرض سيطرته عليها.
وقال ترمب للصحيفة إن من الجيد للعالم أن يواجههم:
"سأكون قاسيًا مع إيران. لقد كانوا يهزموننا نفسيًا ويجعلوننا نبدو كحمقى.
رصاصة واحدة تُطلق على أحد رجالنا أو سفننا وسأضرب جزيرة خرج. سأدخل وأسيطر عليها.
إيران لا تستطيع حتى هزيمة العراق، وسيكون من الجيد للعالم أن يواجههم".
ونفّذ ترمب وعيده جزئيًا يوم الجمعة الماضي، بعد نحو ثمانية وثلاثين عامًا على تلك المقابلة، وأعلن أن الجيش الأميركي "دمّر بشكل كامل" أهدافًا عسكرية في الجزيرة، قائلًا في تدوينة على منصته "تروث سوشال":
"نفّذ الجيش واحدة من أقوى الضربات الجوية في تاريخ الشرق الأوسط، ودمّر بشكل كامل كل هدف عسكري في جوهرة التاج الإيراني: جزيرة خرج".
لكنّ ترمب أكّد، في المقابل، أنه "اختار" ألا يدمّر البنية التحتية النفطية في الجزيرة، مشيرًا إلى أنه سيعيد النظر في الأمر إذا "قامت إيران أو أي جهة أخرى بأي شيء يعرقل حرية وسلامة مرور السفن عبر مضيق هرمز".
أول رئيس أميركي يقصف "خرج"
بهذا، يصبح ترمب أول رئيس أميركي يوجّه ضربات إلى جزيرة خرج. فرغم أن الرئيس السابق جيمي كارتر فرض عقوبات على إيران خلال أزمة الرهائن عام 1979، فإنه لم يصدر أوامر بشنّ ضربات على الجزيرة.
وتكرر الأمر نفسه في حقبة الرئيس السابق رونالد ريغان. فخلال حرب ناقلات النفط الإيرانية - العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، أعطى ريغان الأولوية لحماية الملاحة البحرية واستهداف السفن الإيرانية وبطاريات الصواريخ، لكنه استثنى ميناء خرج من الهجمات.
وبحسب مذكرة بنك "جي بي مورغان"، فإن ميناء خرج ظل يعمل بكفاءة عالية رغم استهداف القوات العراقية بعض الموانئ وناقلات النفط خلال الحرب مع إيران بين عامَي 1980 و1988.
وتشير المذكرة إلى أنه كان يجري إصلاح أي أضرار تلحق بميناء الجزيرة بسرعة، ما يؤكد أن تعطيل الميناء "يتطلب هجمات متواصلة وواسعة النطاق".
وهذا ما يبدو أن ترمب يهدّد به.
طهران تهدّد بحرق نفط المنطقة
استهدفت الهجمات الأميركية الأخيرة على خرج، بحسب وكالة "فارس" الإيرانية شبه الرسمية للأنباء، الدفاعات الجوية وقاعدة بحرية ومنشآت في المطار، لكنها لم تتسبب بأضرار في البنية التحتية النفطية.
وأكدت ذلك مصادر ميدانية قالت للوكالة: "حاول العدو إلحاق الضرر بالدفاعات العسكرية وقاعدة جوشان البحرية وبرج مراقبة المطار وحظيرة الطوافات التابعة لشركة كونتيننتال شلف أويل النفطية".
ولم يكن ردّ فعل طهران الأولي مستغربًا، إذ توعّد الجيش الإيراني بتحويل منشآت النفط والطاقة المرتبطة بالولايات المتحدة في الشرق الأوسط "إلى رماد"، في حال هوجمت البنية التحتية النفطية في خرج.
وقال متحدث باسم "مقر خاتم الأنبياء"، وهو القيادة العسكرية الإيرانية المركزية للعمليات:
"ستُدمّر فورًا كل منشآت الطاقة والمنشآت النفطية والاقتصادية التابعة لشركات نفط في المنطقة، تملكها جزئيًا الولايات المتحدة أو تتعاون معها، وستُحوَّل إلى رماد".
وكان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قد حذّر، الخميس الماضي، من أن طهران "ستتخلى عن كلّ ضبط للنفس" إذا هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل أيًا من جزرها في الخليج.
الخيار البري.. هل يفعلها ترمب؟
لا يُعرف بعد مدى واقعية تهديد ترمب بقصف البنى التحتية الإيرانية في خرج، وإن كان يُعتقد أنه يأتي في سياق الضغط على القيادة الإيرانية للتراجع عن تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز، خاصة أن وضع اليد على الجزيرة قد يكون بديلًا أكثر واقعية من قصف منشآتها النفطية، وهو ما سبق أن هدّد به الرئيس ترمب قبل نحو أربعة عقود.
لكنّ ذلك يعني تورّط واشنطن بريًا داخل الأراضي الإيرانية، على نحو أو آخر، وربما تكون "خرج" بداية ذلك أو جزءًا منه، مع ما ينطوي عليه هذا الخيار من مخاطر عالية، لقرب الجزيرة من محطة بوشهر النووية، ولأسباب أخرى أكثر تعقيدًا، إضافة إلى أنه ينقل الحرب إلى مرحلة جديدة تختلف كليًا عما تشهده المنطقة الآن.
وبحسب مذكرة بنك "جيه. بي. مورغان"، فإن صادرات النفط الإيرانية ستتوقف، وسيتراجع الإنتاج إلى النصف، إذا استولت واشنطن على الجزيرة، ما سيؤدي إلى مزيد من الهجمات من طهران على البنية التحتية النفطية الإقليمية، وربما إلى ردّ شديد في مضيق هرمز.
ترمب متردّد إزاء الخيار البري
في الثامن من هذا الشهر، ألمح الرئيس ترمب إلى احتمال نشر قوات برية في إيران، رغم استبعاده ذلك قبل يومين فقط.
وعندما سُئل عن احتمال نشر قوات برية مستقبلًا لمراقبة مخزونات اليورانيوم المخصب في إيران، قال:
"قد نفعل ذلك في وقت ما. سيكون ذلك رائعًا".
وقال ترمب، في السادس من هذا الشهر، لشبكة "إن بي سي نيوز"، إن إرسال قوات برية "مضيعة للوقت"، مضيفًا: "خسروا كل شيء. خسروا أسطولهم البحري. خسروا كل ما يمكن أن يخسروه".
ويبدو أن إدارة ترمب تتصرف بحذر بالغ إزاء "الخيار البري"، حتى لو كان محدودًا، للسيطرة على جزيرة خرج أو تأمين مخزون إيران من اليورانيوم، وهو ما يفسّر التباين في التصريحات بشأنه، بين احتمال اللجوء إليه لكن "ليس الآن"، وبين استبعاده، واستحضار الماضي الأميركي المرير في أفغانستان والعراق، والخشية من الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، يعود فيها مئات الجنود الأميركيين إلى بلادهم في توابيت.
ففي ثالث أيام الحرب، في 2 مارس/ آذار الجاري، قال ترمب، في مقابلة مع "نيويورك بوست"، إنه سيرسل قوات أميركية إلى إيران "إذا لزم الأمر".
"لست خائفًا من إرسال قوات برية مثل جميع هؤلاء الرؤساء الذين يقولون: لن يتم إرسال قوات برية.
لا أقول ذلك. أقول: إننا لن نحتاج إلى هذا الأمر على الأرجح، أو إذا كان ذلك ضروريًا".
كابوس العراق وأفغانستان
من جهته، تجنّب وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، اتخاذ موقف واضح بشأن إرسال قوات إلى إيران، قائلًا إن بلاده لم ترسل أي قوات إلى داخل إيران، لكنها مستعدة للذهاب "إلى أبعد ما يمكن" في هذه الحرب.
وفي معرض استبعاده ضمنًا إرسال قوات برية، رأى هيغسيث أن الحرب الحالية تختلف عن حربَي العراق وأفغانستان. فالحرب على إيران ليست لإقامة ديمقراطية هناك، كما قال، وبالتالي ليس هناك "قواعد اشتباك غبية، ولا مستنقع بناء دولة، ولا ممارسة لبناء ديمقراطية".
"نحن نحارب من أجل الفوز ولا نضيّع الوقت أو الأرواح.
لا حاجة إلى إرسال مئتي ألف شخص والبقاء هناك 20 عامًا.
لقد أثبتنا أن بالإمكان تحقيق أهداف تخدم المصالح الأميركية من دون ارتكاب حماقة.
هذا ليس العراق. إنها ليست حربًا بلا نهاية".
يُذكَر أن الرئيس الأميركي حدّد، في الثاني من هذا الشهر، أربعة أهداف للحرب، وهي:
-
تدمير الصواريخ البالستية في إيران
-
القضاء على القوة البحرية الإيرانية
-
التأكد من عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا
-
ألّا يتمكن النظام الإيراني من تسليح وتمويل وقيادة "جيوش إرهابية" خارج حدوده