في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للشرق الأوسط، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، في أول لقاء بينهما منذ الحرب الأخيرة مع إيران، وسط ترقب واسع لما قد يحمله الاجتماع من رسائل بشأن مستقبل المنطقة.
وجاء اللقاء، الذي يعد الثامن بين الزعيمين منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، في ظل ملفات إقليمية معقدة تتصدرها إيران، إلى جانب الحرب في غزة والوضع في لبنان، ما جعل الاجتماع يتجاوز كونه لقاءً اعتياديًا بين حليفين إستراتيجيين
وأعلن البيت الأبيض انتهاء الاجتماع بعد محادثات استمرت نحو ساعة ونصف، قبل أن يغادر نتنياهو مقر الرئاسة الأميركية. ووصف البيت الأبيض اللقاء بأنه كان "إيجابيًا ومثمرًا"، دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن ما دار خلاله.
لقاء ترمب ونتنياهو
ورغم هذه الأجواء الإيجابية، فإن الاجتماع عكس وجود اختلاف في مقاربة الطرفين للملف الإيراني، إذ يلتقيان على هدف منع طهران من امتلاك قدرات نووية، لكنهما يختلفان بشأن الوسائل لتحقيق ذلك.
واحتل الملف الإيراني صدارة جدول الأعمال، إذ أكد ترمب قبيل الاجتماع أن الولايات المتحدة تتحرك من موقع قوة، لكنه شدد في الوقت ذاته على رغبته في تجنب اندلاع حرب واسعة قد تتسبب بخسائر بشرية وأضرار كبيرة في البنية التحتية الإيرانية.
في المقابل، يواصل نتنياهو الضغط على الإدارة الأميركية لإبقاء جميع الخيارات، بما فيها العسكرية، مطروحة، معتبرًا أن أي اتفاق مع طهران لن يزيل التهديد الذي تمثله إيران على الأمن الإسرائيلي، وفق الرؤية الإسرائيلية.
ويعكس هذا التباين اختلافًا في الأولويات بين واشنطن، التي تمنح الدبلوماسية فرصة، وتل أبيب، التي ترى أن تشديد الضغوط وربما اللجوء إلى القوة هو السبيل الأمثل لمنع إيران من تعزيز نفوذها أو تطوير برنامجها النووي.
غزة ولبنان على الطاولة
ولم يقتصر الاجتماع على الملف الإيراني، إذ ناقش الجانبان أيضًا تطورات الحرب في قطاع غزة، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية تمهد لإعادة الإعمار.
كما حضر الملف اللبناني ضمن المناقشات، مع استمرار التوتر على الحدود بعد المواجهات مع حزب الله، والتحديات التي تواجه تنفيذ التفاهمات الأمنية واحتواء التصعيد.
ويحمل اللقاء أهمية سياسية للطرفين، فنتنياهو يسعى إلى إظهار استمرار الدعم الأميركي لحكومته في ظل الضغوط الداخلية والاستحقاقات السياسية المقبلة، بينما يعمل ترمب على ترسيخ صورته كرئيس قادر على إدارة أزمات الشرق الأوسط، مع الحفاظ على توازن دقيق بين إظهار القوة وتفضيل الحلول الدبلوماسية.
وفي الوقت نفسه، يهدف الاجتماع إلى تأكيد متانة التحالف الأميركي الإسرائيلي، رغم التباين الواضح في كيفية التعامل مع إيران، وهو اختلاف قد يؤثر في شكل التنسيق بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.
يعيد لقاء ترمب ونتنياهو طرح تساؤلات بشأن مستقبل السياسة الأميركية تجاه إيران، وما إذا كانت واشنطن ستواصل منح المفاوضات فرصة أم ستتجه إلى تشديد الضغوط استجابة للمطالب الإسرائيلية.
"المصالح المشتركة لا تلغي الخلافات"
وفي هذا الإطار، قال بيتر روف، الكاتب السياسي في مجلة نيوزويك الأميركية، إن هناك انطباعًا خاطئًا يوحي بأن ترمب ونتنياهو يستمدان مواقفهما من منبع واحد، بينما الواقع مختلف؛ فنتنياهو ينشغل بالقلق على إسرائيل، في حين يركّز رئيس الولايات المتحدة على مصالح بلاده والعالم.
وفي حديث للتلفزيون العربي من واشنطن، أوضح أنه عندما تتقاطع مصالح الطرفين، خصوصًا في ما يتعلق بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، فإنهما يعملان معًا بانسجام. أما في القضايا الأخرى، مثل سعي واشنطن إلى تعزيز تحالفاتها وعلاقاتها مع دول الخليج، فإن المواقف الأميركية تختلف بطبيعتها عن المواقف الإسرائيلية.
وأضاف روف أن هذه الاختلافات طبيعية، لكن بعض المراقبين يسلّطون الضوء على خلافات ثانوية لا أهمية لها إلا في سياق السعي إلى تجنّب حروب طويلة في الشرق الأوسط وما يرافقها من صراعات بين الأمم.
صورة إسرائيل تغيّرت داخل الولايات المتحدة
من جانبه، رأى الباحث في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أن تصريحات نتنياهو المتكررة بشأن قدرته على التأثير في واشنطن أصبحت تُحرج الرئيس ترمب أمام جزء من الرأي العام الأميركي، الذي يتهمه بالخضوع لضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي.
وأضاف في حديث للتلفزيون العربي من الخليل، أن صورة إسرائيل لم تعد تلك الصورة التقليدية "المقدسة" في الوعي الأميركي، إذ لم تعد قضية إجماع كما في السابق، بل تمر اليوم بحالة من التراجع والانقسام.
ويرى شديد أن جزءًا من هذا التراجع يرتبط بالخطاب الذي يتبناه نتنياهو، والذي صُوِّر وكأنه أقنع ترمب بالذهاب نحو خيار الحرب، رغم فشلها أو تعثرها وعدم قدرتها على تحقيق أهدافها، خاصة بعدما استطاعت إيران عبر مضيق هرمز أن تفرض كلفة مباشرة على المواطن الأميركي.
وأشار إلى أن هذا التطور شكّل متغيرًا مهمًا أعاد رسم العلاقة بين ترمب ونتنياهو، وجعلها في بعض جوانبها مصدر إزعاج وإحراج للرئيس الأميركي، وبالتالي أيضًا لنتنياهو نفسه.
ومع ذلك، شدّد شديد على أن اللقاء بحد ذاته يبقى مهمًا بالنسبة لنتنياهو، بغض النظر عن النتائج أو القضايا التي تم الاتفاق أو لم يتم الاتفاق عليها.