السبت 14 مارس / مارس 2026
Close

بعد مقتل القذافي والإفراج عن هانبيال.. مصير الإمام موسى الصدر يزداد غموضًا

بعد مقتل القذافي والإفراج عن هانبيال.. مصير الإمام موسى الصدر يزداد غموضًا محدث 22 أكتوبر 2025

شارك القصة

يتمتع الإمام موسى الصدر بمكانة استثنائية لدى الطائفة الشيعية في لبنان - غيتي
يتمتع الإمام موسى الصدر بمكانة استثنائية لدى الطائفة الشيعية في لبنان - غيتي
الخط
بعد أكثر من أربعة عقود على اختفائه، يعود ملف الإمام موسى الصدر إلى الواجهة مع الإفراج عن هانيبال القذافي، لتزداد الأسئلة غموضًا حول مصيره.

اختفى رجل الدين الشيعي اللبناني الإمام موسى الصدر عام 1978 في ليبيا، التي وصلها في الخامس والعشرين من أغسطس/ آب من ذلك العام برفقة اثنين من مرافقيه، بدعوة رسمية من الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.

وتشير الوقائع إلى أن آخر ظهور للصدر في الأراضي الليبية كان في الحادي والثلاثين من الشهر نفسه، قبل أن تنقطع أخباره تمامًا وتتضارب الروايات بشأن مصيره الغامض. فبينما دأب النظام الليبي السابق على القول إنه غادر طرابلس إلى إيطاليا، نفت روما مرارًا دخوله أراضيها.

وأكدت النيابة العامة الإيطالية عام 1981، بعد تحقيقات مطوّلة، أن الصدر ورفيقيه لم يدخلوا الأراضي الإيطالية، وأن أشخاصًا انتحلوا أسماءهم وهوياتهم. وفي عام 2004، عُثر على جوازي سفر الصدر ويعقوب في أحد فنادق روما، دون أن يثبت ذلك دخولهما فعليًا إلى إيطاليا أو يغيّر مسار التحقيقات في القضية.

صورة ضخمة للصدر في إحدى ساحات بلدة كفار كلا جنوبي لبنان-غيتي
صورة ضخمة للصدر في إحدى ساحات بلدة كفار كلا جنوبي لبنان - غيتي

هانيبال القذافي وإرث والده

عندما اختفى الصدر، كان هانيبال القذافي، المولود في سبتمبر/ أيلول 1975، في الثالثة من عمره. لكن تقلبات السياسة ساقته إلى مصير لم يكن يتخيله، مصير سيقلب حياته رأسًا على عقب: مرة بسقوط نظام والده بعد الثورة الشعبية في فبراير/شباط 2011، ومرة أخرى حين وجد نفسه مختطفًا فمعتقلًا في لبنان عام 2015، بتهمة فريدة من نوعها هي "كتم معلومات" قد تكشف النقاب عن أحد أكثر الألغاز غموضًا في التاريخ اللبناني المعاصر.

فقد قُتل القذافي، المتهم الأول في القضية، في العشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2011 في منطقة سرت (360 كيلومترًا شرق طرابلس) بعد ثورة شعبية دامية، تاركًا خلفه بلدًا يتخبط في الفوضى لسنوات طويلة، وعائلة مشرّدة بين الدول، قُتل العديد من أفرادها، من بينهم ثلاثة من أبنائه.

وبينما لقي معتصم وسيف العرب وخميس حتفهم، سُجن الساعدي، واختفى وريثه المحتمل سيف الإسلام بعد الإفراج عنه، فيما سُجِن هانيبال نحو عشرة أعوام في لبنان قبل الإفراج عنه قبل أيام قليلة من الذكرى الرابعة عشرة لمقتل والده.

ميراث القذافي.. وثائقي من أرشيف التلفزيون العربي يكشف ما خلفه حكم العقيد معمر القذافي لأكثر من أربعة عقود على ليبيا وشعبها

ملجأ وهروب ثم اعتقال

بعد سقوط النظام، لجأ هانيبال مع والدته صفية فركش وشقيقته عائشة وشقيقه محمد إلى الجزائر، قبل أن ينتقلوا عام 2013 إلى سلطنة عُمان، ومنها إلى سوريا التي منحت هانيبال، المتزوج من عارضة الأزياء اللبنانية ألين سكاف، حق اللجوء السياسي.

وفي السابع عشر من الشهر الجاري، أخلت السلطات القضائية اللبنانية سبيل هانيبال القذافي مقابل كفالة مالية ضخمة بلغت 11 مليون دولار، مع منعه من السفر. وقال محاميه الفرنسي لوران بايون إنه سيطعن في الكفالة لأن موكله يخضع لعقوبات دولية تمنعه من دفع المبلغ، معتبرًا أن "الإفراج المشروط بكفالة أمر غير مقبول إطلاقًا في حالة احتجاز تعسفي كهذه".

وقالت عائلة الإمام موسى الصدر في بيان، إنها تفاجأت بالقرار، مؤكدة أن "توقيف أو إخلاء سبيل هانيبال القذافي ليس هدفًا لنا بل هو مجرّد إجراء قانوني"، مشددة على أن "قضيتنا الأساس هي قضية تغييب الإمام وأخويه".

ولد هانيبال القذافي بعد نحو ثلاث سنوات من اختفاء الصدر-غيتي
ولد هانيبال القذافي بعد نحو ثلاث سنوات من اختفاء الصدر-غيتي

من هو موسى الصدر؟

ولد موسى الصدر، الذي يتمتع بمكانة استثنائية لدى الطائفة الشيعية في لبنان، عام 1928 في مدينة قم الإيرانية. درس العلوم الدينية في قم والنجف قبل أن يستقر في لبنان عام 1959، حيث أسّس "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" عام 1967، ثم حركة "أفواج المقاومة الإسلامية" (حركة أمل لاحقًا) عام 1975، ليُعتبر باعث الشيعية السياسية في لبنان، بعد عقود من التهميش والإقصاء.

وبعد اختفائه، تولّى الراحل حسين الحسيني، رئيس مجلس النواب اللبناني الأسبق، رئاسة حركة أمل بين عامي 1978 و1980، قبل أن يخلفه نبيه بري، الذي تولّى أيضًا رئاسة البرلمان اللبناني منذ عام 1992. ويعتبر بري قضية الصدر مسألة شخصية وعاطفية، بينما يرى معارضوه أن تمسكه بها يمنحه شرعية رمزية "فوق سياسية" داخل الطائفة الشيعية، في مقابل شرعية حزب الله المستمدة من سلاحه وصراعه مع إسرائيل.

صورة لموسى الصدر ونبيه بري تعود الى السبعينيات -فيسبوك
صورة لموسى الصدر ونبيه بري تعود الى السبعينيات -فيسبوك

ويُعتقَد أن الإفراج عن هانيبال القذافي يرتبط بتراجع نفوذ ما يسمّى "الثنائي الشيعي" في لبنان (حزب الله وحركة أمل)، بعد اغتيال الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله في سبتمبر/ أيلول 2024، والحملة العسكرية الإسرائيلية التي استهدفت بنية الحزب، إضافة إلى انتخاب الرئيس جوزيف عون في يناير/ كانون الثاني 2025، الذي تعهد ببسط سلطة الدولة وإنفاذ القانون على كامل الأراضي اللبنانية.

استدراج هانيبال واختطافه

في ديسمبر/ كانون الأول 2015، أقدمت مجموعة مسلحة يقودها النائب السابق حسن يعقوب، الذي اختفى والده مع الصدر، على استدراج هانيبال القذافي إلى لبنان في عملية أشبه بأفلام الإثارة الهوليوودية.

وبعد ساعات، أُلقي القبض على يعقوب، بينما تسلّمت السلطات اللبنانية هانيبال في منطقة البقاع، وأصدرت بحقه مذكرة توقيف بتهمة "كتم معلومات".

وكشفت التحقيقات أن النائب السابق نسّق مع امرأة تُدعى فاطمة لاستدراج هانيبال من اللاذقية إلى دمشق، ثم إلى لبنان. ونشرت قناة "الجديد" في حينه شريط فيديو ظهر فيه هانيبال بعين متورمة، قال فيه: "أنا بصحة جيدة ومرتاح ولا شيء يدعو للقلق"، داعيًا كل من لديه معلومات عن قضية الصدر إلى "تقديمها فورًا ومن دون تأخير"، مضيفًا: "يكفي ظلمًا".

هانيبال القذافي متزوج من اللبنانية ألين سكاف-غيتي
هانيبال القذافي متزوج من اللبنانية ألين سكاف - غيتي

وقالت المصادر إن الاستدراج تم بعد أن أقنعته السيدة بالقدوم للبنان لمتابعة قضية شقيقه سيف الإسلام القذافي أمام محكمة الجنايات الدولية من لبنان، وما إن وصل حتى تم اختطافه، قبل أن يتم تسليمه إلى "فرع المعلومات" في قوى الأمن الداخلي عبر وسيط في منطقة بعلبك. 

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن الخاطفين طالبوا القذافي الابن بمعلومات حول مصير الصدر ورفيقيه. واستجوب القضاء اللبناني هانيبال في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2015، وأصدر بحقه مذكرة توقيف وجاهية بجرم "كتم معلومات".

وقال محامي عائلة الصدر شادي حسين في حينه إنه تقدّم وزميله خالد الخير بشكوى ضد هانيبال أمام النيابة العامة التمييزية "بجرم التدخل بالخطف باعتبار أن هذا الجرم يبقى مستمرًا طالما أن المخطوفين لا يزالون في السجون، وباعتبار أن المدّعى عليه هو أحد أبناء المتهم الرئيسي في قضية إخفاء الامام الصدر، وهو معمر القذافي". 

يتمتع الصدر بمكانة استثنائية لدى الشيعة في لبنان-غيتي
يتمتع الصدر بمكانة استثنائية لدى الشيعة في لبنان-غيتي

وبعد يومين من توقيفه، رفضت وزارة العدل اللبنانية طلبًا سوريًا لتسليمه "باعتباره لاجئًا سياسيًا يقيم بصورة شرعية في الأراضي السورية".

وقرر وزير العدل اللبناني أشرف ريفي "رد طلب" النظام السابق باعتبار أنه "يخضع للتحقيق أمام القضاء اللبناني الذي يبقى له وحده أن يقرر بناء على معطيات ومسار التحقيق إبقاء القذافي قيد التوقيف أو إطلاق سراحه".

قضية مستمرة منذ عقود

أصدر القضاء اللبناني في أغسطس/ آب 2008 مذكرات توقيف بحق معمر القذافي وعدد من معاونيه بتهمة "خطف" الصدر ورفيقيه. وجاء في القرار الاتهامي أن الصدر كان معارضًا للحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، بينما كان القذافي يسعى إلى تأجيجها، ما تسبب في توتر العلاقة بين الرجلين.

وفي فبراير/ شباط 2011، كشف مندوب ليبيا السابق لدى الجامعة العربية عبد المنعم الهوني لصحيفة "الحياة" أن الصدر "قُتل خلال زيارته إلى ليبيا ودفن فيها". وفي أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، حوكم القذافي وستة من مساعديه غيابيًا أمام المجلس العدلي اللبناني بتهمة "إخفاء الصدر"، وطالب الادعاء بإنزال أشد العقوبات بحقهم.

حلقة من أرشيف برنامج "مختفون" تسلّط الضوء على قضية الإمام موسى الصدر

وانعقدت المحكمة في حضور المدعين ووكلائهم الذين يمثلون عائلة الصدر وعائلتي محمد يعقوب وعباس بدر الدين اللذين كانا يرافقانه، أما المدعى عليهم فكانوا القذافي وستة مسؤولين في نظامه السابق، وهم: المرغني مسعود التومي وأحمد محمد الحطاب وهادي إبراهيم السعداوي وعبد الرحمن محمد غويلة ومحمد خليفة السحلول وعيسى محمد منصوري.

وطلب الادّعاء بشخص المدعي العام سعيد ميرزا ووكلاء الادّعاء الشخصي وبينهم بدر الدين الصدر، نجل موسى الصدر، "إدانة القذافي وإنزال أشد العقوبات به، وتجريمه بالتحريض على خطف وإخفاء الإمام الصدر ورفيقيه"، كما طلبوا الأمر نفسه لليبيين الستة الباقين بتهمة "الاشتراك في الجريمة". 

يتعامل نبيه بري مع قضية اختفاء الصدر باعتبارها عاطفية وسياسية-غيتي
يتعامل نبيه بري مع قضية اختفاء الصدر باعتبارها عاطفية وسياسية-غيتي

وطلب نجل الإمام، بدر الدين الصدر، تعويضًا رمزيًا قدره ليرة واحدة، بينما طالبت عائلتا يعقوب وبدر الدين بتعويضات بلغت مئة مليون دولار عن كل سنة من سنوات الاختفاء. وبعد أقل من أسبوع على المحاكمة، قُتل القذافي على أيدي الثوار في سرت.

مصير يزداد غموضًا 

وكانت الثورة الشعبية على نظام القذافي في فبراير/ شباط 2011 قد أحيت الآمال بالكشف عن مصير الصدر، ما دفع حركة أمل التي ترتبط بإرث الإمام الغائب أكثر من غيرها من المكونات السياسية اللبنانية، إلى تشكيل خلية أزمة لمتابعة القضية، لكن من دون جدوى.

وفي أكتوبر من العام نفسه، وبعد الإعلان عن مقتل القذافي، سافر وفد لبناني رسمي إلى ليبيا للغرض ذاته، وقال علي حمدان مستشار رئيس مجلس النواب نبيه بري إن الوفد التقى مع المسؤولين الليبيين الجدد، وإن "ما صدر من تصريحات ومواقف عن المجلس الانتقالي تؤشر إلى اهتمامهم بهذه القضية".

بمقتل القذافي عام 2011 تضاءلت الامال بمعرفة مصير الامام موسى الصدر-غيتي
بمقتل القذافي عام 2011 تضاءلت الامال بمعرفة مصير الامام موسى الصدر-غيتي

غير أن التصريحات لم تترجم إلى خطوات عملية، ففي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، بثت قناة "الآن" مقابلة مع أحمد رمضان، مدير مكتب معلومات القذافي، قال فيها إن "الإمام موسى الصدر تمت تصفيته في ليبيا"، مشيرًا إلى أن القذافي أنهى اجتماعًا مطولًا مع الصدر ورفيقيه ثم أمر مساعديه بالقول: "تعوا خذوهم"، في إشارة إلى تنفيذ عملية القتل.

وهكذا، ومع مرور أكثر من أربعة عقود على اختفائه، لا يزال مصير الإمام موسى الصدر يلفّه الغموض، فيما تبقى القضية معلّقة بين شهادات متناقضة ومصالح سياسية متشابكة، دون أن يُكتب فصلها الأخير بعد.
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من