هكذا يبدأ الغياب الحقيقي لليونيل ميسي.
بعد أكثر من شهر على خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، أعلن اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي البالغ 39 عامًا انتهاء مسيرته الدولية، مغادرًا المنتخب بعد 207 مباريات و125 هدفًا و21 عامًا بين ظهور خاطف انتهى بالطرد ووداع جاء بعد نهائي مونديالي ثالث.
يبدو الاعتزال منطقيًا للاعب فاز بكل ما كان ينقصه: كأس العالم 2022، وكوبا أميركا في 2021 و2024، و"الفيناليسيما" عام 2022. لكن ميسي لم يذهب إلى مونديال 2026 لأداء دور رمزي في جولة وداع؛ سجل 8 أهداف وصنع 4، وقاد الأرجنتين إلى النهائي قبل الخسارة أمام إسبانيا بهدف بعد التمديد.
باعتزال ميسي، لا تخسر الأرجنتين نجمًا كبيرًا من ماضيها فقط. إنها تفقد اللاعب الذي ظل، حتى بطولته الأخيرة، هدافها وصانع فرصها ومرجعها حين تتعقد المباراة. فكيف يمكن توزيع كل ما كان يفعله على فريق كامل؟
ظل ميسي مركز اللعب الأرجنتيني حتى آخر مباراة دولية في مسيرته - غيتي
12 مساهمة في 19 هدفًا
أوضح ما تفقده الأرجنتين هو مصدر مضمون للأهداف. أنهى ميسي مسيرته الدولية بـ125 هدفًا، أكثر من ضعف رصيد غابرييل باتيستوتا، أقرب ملاحقيه في قائمة هدافي المنتخب. لكنه لم يصل إلى سنواته الأخيرة اعتمادًا على رصيد قديم؛ فقد سجل 50 هدفًا في آخر 57 مباراة بقميص بلاده، أي 40% من مجموع أهدافه الدولية.
بلغ أثره ذروته في البطولات الكبرى. سجل 7 أهداف وصنع 3 في كأس العالم 2022، ثم أضاف 8 أهداف و4 تمريرات حاسمة في نسخة 2026، وفق إحصاءات الاتحاد الدولي لكرة القدم.
تعني الأرقام الأخيرة أن ميسي أسهم مباشرة في 12 من أهداف الأرجنتين الـ19 في طريقها إلى النهائي، أي إن نحو ثلثي إنتاج المنتخب الهجومي مرّ من تسديدة أو تمريرة قدمها اللاعب الذي يغادر الآن.
تملك الأرجنتين مهاجمين قادرين على تعويض جزء من أهدافه، يتقدمهما لاوتارو مارتينيز وخوليان ألفاريز. إلا أن أيًا منهما لا يؤدي وظيفة ميسي كاملة. فكلاهما يستطيع مهاجمة المساحات وإنهاء الفرص، بينما كان القائد يبدأ الهجمة أحيانًا من الوسط، ويصنع الفرصة، ثم يصل بنفسه إلى موقع التسديد.
لا تبحثوا عن هداف فقط
لن يكون الحل بإدخال مهاجم جديد مكان ميسي. فإذا دفع المدرب بلاعب إضافي لصناعة اللعب، فقد يخسر جزءًا من الفاعلية أمام المرمى. وإذا اعتمد مهاجمين صريحين، سيحتاج إلى نقل مسؤولية التمريرة الأخيرة إلى لاعبي الوسط والأجنحة.
حتى الكرات الثابتة تفتح بابًا آخر للخسارة. فمن الركلات الحرة المباشرة إلى ركلات الجزاء والكرات المرسلة إلى منطقة الجزاء، امتلكت الأرجنتين لاعبًا يجمع الدقة والخبرة والقدرة على تحمل ضغط اللحظة. بعده، قد تتوزع هذه المهمات بين أكثر من قدم، من دون أن يضمن ذلك الحسم نفسه.
هنا يظهر الفارق بين تعويض الرقم وتعويض الوظيفة. يمكن أن يسجل لاوتارو وألفاريز ما يكفي من الأهداف، لكن على المنتخب أن يجد أيضًا من يصنعها، ومن يختار الإيقاع المناسب، ومن يحول كرة ساكنة إلى فرصة حين تتوقف بقية الحلول.
حين تصبح التمريرة خطة إنقاذ
مع تقدمه في العمر، تراجع ميسي بدنيًا ولم يعد قادرًا على الضغط أو الركض بمعدل زملائه. قبلت الأرجنتين بهذا النقص لأنها حصلت في المقابل على لاعب يرى التمريرة قبل أن تظهر المساحة اللازمة لها.
صمم ليونيل سكالوني فريقه بحيث تتوزع الجهود البدنية حول القائد. غطى رودريغو دي بول مساحات واسعة إلى يمينه، وقدّم لاعبو الوسط والدفاع الحماية اللازمة، فيما احتفظ ميسي بطاقته للحظة يمكن أن تغيّر المباراة. لم يقف خارج المنظومة؛ كان مركزها الذي يعيد الآخرون تنظيم مواقعهم حوله.
سمحت هذه الصيغة للأرجنتين بالجمع بين الصلابة والموهبة الفردية. يستطيع الفريق الدفاع بكتلة متقاربة، ثم الانتقال إلى الهجوم بتمريرة واحدة. وعندما يرفع المنافس ضغطه، كان ميسي يمنح زملاءه مخرجًا آمنًا بقدرته على الاحتفاظ بالكرة وجذب أكثر من مدافع.
أظهرت المباراة النهائية مقدار أهمية هذا المخرج عندما نجحت إسبانيا في إغلاقه. فقد منعت الأرجنتين من تسجيل أي تسديدة خلال الوقت الأصلي، في سابقة بنهائي كأس العالم، بحسب تقرير رويترز عن المباراة. وحين عُزل ميسي، افتقد الفريق الطريق المختصر الذي ينقله من الاستحواذ إلى الخطر.
بنى سكالوني منظومة وزعت الجهد حول ميسي ومنحته حرية أكبر لصناعة الفارق – غيتي
من يطلب الكرة الآن؟
في كل مواجهة كبيرة، يظهر سؤال لا تلتقطه الإحصاءات بسهولة:
من يطلب الكرة عندما تضيق المساحات ويصبح الخطأ أثقل من المعتاد؟
طوال سنوات، كانت الإجابة معروفة. يتجه اللعب نحو ميسي حتى عندما لا يكون في أفضل حالاته.
مجرد وصول الكرة إليه كان يمنح زملاءه ثانية إضافية للتحرك، ويدفع المنافس إلى تغيير تمركزه، ويمنح الجمهور شعورًا بأن احتمالًا جديدًا ظهر في المباراة.
صنع هذا اليقين راحة نفسية للفريق، لكنه خلق اعتمادًا أيضًا. ففي بعض المواقف، كانت الأرجنتين تبحث عن قائدها حتى مع وجود خيار أسرع، وينتظر اللاعبون منه حل المشكلة بدل تحملها بأنفسهم.
يحمل الاعتزال هنا فرصة داخل الخسارة. سيصبح على إنزو فرنانديز وأليكسيس ماك أليستر ودي بول تقاسم التحكم في الإيقاع، وعلى ألفاريز ولاوتارو تحمل العبء التهديفي، وعلى الأجنحة تقديم جرأة أكبر في المواقف الفردية.
لكن مسؤولية التسديد أو التمرير ليست كل ما يتركه ميسي. فهناك أيضًا سلطة القرار:
من يحدد متى يهدأ الفريق، ومتى يهاجم، ومن يتحمل الكرة الأخيرة في الدقيقة التي لا يريدها أحد؟
القائد الذي صار قضية الفريق
لم يكن ميسي قائدًا صاخبًا، لكن المجموعة التي تكوّنت مع سكالوني منذ 2018 بنت جزءًا من هويتها حول هدف واضح: مساعدة أفضل لاعبيها على الفوز بلقب كبير مع المنتخب.
تحول الهدف إلى رابطة داخل غرفة الملابس. تعامل دي بول ولياندرو باريديس وإيميليانو مارتينيز وآخرون مع ميسي بوصفه قائد المشروع ومركزه العاطفي. وبعد إخفاقات متلاحقة، جعل التتويج بكوبا أميركا 2021 ثم مونديال 2022 الدفاع عنه جزءًا من سردية الفريق نفسه.
قاد ميسي أيضًا مصالحة نادرة بين نجم أرجنتيني وجمهوره. لاحقته طويلًا المقارنة بدييغو مارادونا، وشكك منتقدون في ارتباطه ببلاده بعدما غادرها طفلًا إلى برشلونة. لكن الألقاب قلبت الصورة، لينتقل من لاعب يُسأل عما ينقصه مع المنتخب إلى قائد يجسد واحدة من أنجح فتراته.
رحيله يترك شارة يمكن نقلها، لكن مكانته لا تنتقل بالطريقة نفسها. تملك الأرجنتين شخصيات قيادية قوية، مثل إيميليانو مارتينيز وكريستيان روميرو ودي بول، إلا أن أيًا منهم لا يحمل الرحلة كاملة: نهائي 2014، وخسارتي كوبا أميركا أمام تشيلي، والاعتزال القصير في 2016، ثم العودة والصعود إلى منصة التتويج.
فيديو - ميسي يعتزل اللعب دوليًا
اسم يحمل المنتخب إلى العالم
تتجاوز الخسارة حدود الملعب. فمنذ ظهوره الأول عام 2005، أصبح ميسي وجه المنتخب الأرجنتيني عالميًا، ومحور حملاته التجارية، والاسم الذي يرفع الطلب على القمصان والتذاكر والمباريات الودية وحقوق البث.
لن تفقد الأرجنتين مكانتها الكروية باعتزاله؛ فهي وصيفة بطلة العالم وتملك لاعبين في أبرز الدوريات. لكنها تفقد عامل جذب لا تعوضه النتائج وحدها. تابع كثيرون المنتخب لأن ميسي يلعب، وسافروا لمشاهدته، وتعاملوا مع كل بطولة على أنها فرصة ربما تكون الأخيرة لرؤيته بقميص بلاده.
يظهر حجم التأثير في قاعدته التي تجاوزت 515 مليون متابع على إنستغرام خلال مونديال 2026، وفق بيانات عن الحضور الرقمي لنجوم البطولة. وهو حضور جعل كل مباراة أرجنتينية حدثًا يتجاوز جمهور المنتخب التقليدي.
سيكون على الاتحاد الأرجنتيني تسويق فريق كامل بدل بناء الصورة حول أشهر لاعب فيه. قد تكون هذه الصيغة أكثر استدامة، لكنها لن تعوّض سريعًا قوة العلامة التي حملها ميسي، ولا الجمهور الذي ارتبط بالمنتخب عبره.
لا يوجد "ميسي جديد"
لا تبدأ الأرجنتين مرحلة ما بعد ميسي من الصفر. لديها حارس حاسم في إيميليانو مارتينيز، ودفاع يقوده روميرو، ووسط يجمع دي بول وإنزو وماك أليستر، وهجوم يضم ألفاريز ولاوتارو. كما أثبت الفريق في مباريات غاب عنها قائده أنه يستطيع الفوز والضغط واللعب بإيقاع أسرع.
تنتظر الأرجنتين أيضًا تطور مواهب مثل نيكو باز وفرانكو ماستانتونو. يستطيع الأول شغل المساحات بين الوسط والهجوم وصناعة الفرص، فيما يقدم الثاني المراوغة والقدرة على الدخول من الجناح. لكن تحويل أحدهما إلى "ميسي جديد" سيضع عليه حملًا لا يحتاجه المنتخب ولا اللاعب.
يمثل نيكو باز أحد الأسماء المرشحة لتحمل جانب من صناعة اللعب بعد ميسي – غيتي
هل أعدّ سكالوني الفريق لغيابه؟
لم يكن نجاح الأرجنتين منذ 2021 نتاج ميسي وحده. فقد صنع سكالوني فريقًا منظمًا ساعد قائده على تقديم أفضل نسخة دولية منه، ومنح المنتخب في الوقت نفسه أدوات للبقاء بعد رحيله.
لكن مونديال 2026 كشف أن الانتقال لم يكتمل. ظل ميسي، في سن 39 عامًا، الهداف الأول وصانع الفرص الأهم. وإذا كان الفريق قد تعلم خوض مباريات متفرقة من دونه، فإنه لم يختبر بعد بطولة كاملة بلا مظلته الفنية والعاطفية.
يضاف إلى ذلك الغموض الذي أحاط بمستقبل سكالوني عقب خسارة النهائي، حين قال إنه يحتاج إلى التفكير في الخطوة التالية والتحدث إلى مسؤولي الاتحاد، بحسب رويترز. فرحيل المدرب أيضًا سيعني انتهاء الطرفين اللذين صنعا معًا شكل الأرجنتين خلال حقبة الألقاب.
كانت تمريرة واحدة منه قادرة على اختصار الطريق إلى المرمى، ونظرة واحدة كافية لتحديد اللاعب الذي يلجأ إليه الجميع.
في المباراة المقبلة، لن يجد لاعبو الأرجنتين هذا الاختصار. عليهم هذه المرة أن يصنعوا الطريق معًا.












