بعد 60 عامًا.. هل تغير معنى أن يكون الإنسان أميًا؟
في الثامن من سبتمبر/ أيلول من كل عام، تُحيي الأمم المتحدة "اليوم الدولي لمحو الأمية"، الذي أطلقته اليونسكو عام 1966 محطة سنوية تذكّر العالم بأن القراءة والكتابة حقّ أساسي لا ترف.
تغيّر الكثير منذ ذلك الحين. لكن المهمة الأولى لم تنتهِ، فيما أصبح العالم الذي يحتاج الإنسان إلى "قراءته" أكثر تعقيدًا
فوفق أحدث تقديرات اليونسكو، ما زال هناك أكثر من 739 مليون شاب وبالغ حول العالم يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية، في وقت ارتفعت فيه نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة عالميًا من نحو 65% إلى أكثر من 88% خلال العقود الستة الماضية.
الفجوة تضيق، لكنها لا تختفي. وعلاوة على ذلك، هي لم تعد الفجوة الوحيدة التي تستحقّ اسم "الأمية".
فقد يكون الشخص اليوم قادرًا على قراءة الكلمات أمامه، لكنه لا يعرف كيف يستخدم خدمة إلكترونية أو يحمي بياناته. وقد يتابع الأخبار طوال اليوم، من دون أن يستطيع التمييز بين معلومة موثوقة وأخرى مضللة. وربما يستخدم أداة للذكاء الاصطناعي ويقرأ إجابتها بسهولة، لكنه لا يعرف إن كانت صحيحة.
المعركة الأولى لم تنتهِ
قبل الحديث عن التحول في المفهوم، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الشكل التقليدي للأمية يبقى قائمًا وبقوة في المنطقة العربية تحديدًا، إذ تشير تقديرات المرصد التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو" إلى أن عدد الأميين في الوطن العربي يتجه ليقترب من مئة مليون شخص بحلول 2030 ما لم تتغير وتيرة البرامج الحالية.
مع ذلك، حققت برامج التعليم ومحو الأمية تقدمًا هائلًا. فقد ارتفعت نسبة معرفة القراءة والكتابة بين البالغين عالميًا من 81% عام 2000 إلى 88% عام 2024، وبين الشباب من 87% إلى 93%، بحسب ما تشير بيانات اليونسكو حول محو الأمية.
امتحان جديد للمعرفة
التغير الأهم ربما حدث في تعريف محو الأمية نفسه.
لم تعد اليونسكو تحصر هذا التعريف في القراءة والكتابة والحساب، وإنما تعتبره مسارًا متواصلًا يشمل فهم المعلومات وتفسيرها وإنشاءها والتواصل بها في عالم رقمي سريع التغير، وترى أن المهارات الرقمية والإعلامية أصبحت جزءًا من مجموعة أوسع من الكفاءات التي يحتاجها الإنسان طوال حياته.
والسبب واضح. ففي 2025، أصبح نحو 6 مليارات شخص، أي 74% من سكان العالم، متصلين بالإنترنت. لكن امتلاك الهاتف أو الاتصال بالشبكة لا يعني امتلاك المهارات اللازمة لاستخدامهما.
وفي البلدان الثمانية التي تتوافر عنها بيانات شاملة لدى الاتحاد الدولي للاتصالات حول المهارات الرقمية، تراوحت نسبة مستخدمي الإنترنت الذين يمتلكون الحد الأدنى من تلك المهارات بين 16% و74%.
الاتصال بالإنترنت لا يعني بالضرورة امتلاك المهارات التي تسمح باستخدام العالم الرقمي بكفاءة - غيتي
تستطيع قراءة الخبر.. فهل تستطيع فهمه؟
مع تدفق المعلومات، ظهرت مشكلة مختلفة: لم يعد الوصول إلى الخبر هو الجزء الأصعب دائمًا، بل معرفة ما إذا كان يستحق التصديق.
وتعرّف اليونسكو التربية الإعلامية والمعلوماتية بأنها مجموعة المهارات التي تساعد الفرد على الوصول إلى المحتوى وتحليله وتقييمه وإنشائه بصورة نقدية، بما في ذلك التعرف إلى الانحياز والمعلومات المضللة.
فشخص يقرأ ويكتب بطلاقة قد يقف عاجزًا أمام تطبيق حكومي إلكتروني، أو غير قادر على تمييز خبر مفبرك من آخر صحيح، أو عن التحقق من مصدر صورة ولّدها الذكاء الاصطناعي. هذه ليست أمية بالمعنى القديم، لكنها إقصاء من نوع مختلف عن المشاركة في الحياة العامة والاقتصادية، وهو الوظيفة نفسها التي كانت القراءة والكتابة تؤديها قبل قرن.
المفارقة أن هذا النوع من الأمية لا يقتصر على كبار السن غير المتعلمين، فهو يطال أيضًا أجيالًا تعلّمت القراءة جيدًا لكنها لم تتعلم قط كيف تتحقق مما تقرأ، في بيئة معلوماتية متسارعة يتضاعف فيها حجم المحتوى المزيف والمُنتَج آليًا سنة بعد أخرى.
الذكاء الاصطناعي يضيف اختبارًا جديدًا
الذكاء الاصطناعي يجعل المسألة أكثر تعقيدًا، لأن المستخدم لم يعد يتلقى فقط ما كتبه أشخاص آخرون. يمكنه الآن طلب إجابة كاملة أو تلخيص كتاب أو كتابة تقرير أو إنشاء صورة خلال ثوان.
لكن سهولة الحصول على الإجابة لا تعني القدرة على تقييمها.
لهذا وضعت اليونسكو إطارًا لمهارات الطلاب في الذكاء الاصطناعي يتضمن 12 كفاءة، من فهم التقنية وأخلاقياتها إلى استخدامها وتصميمها، مع تركيز واضح على الحكم النقدي على مخرجاتها.
والفارق هنا بسيط لكنه حاسم: قد يعرف الطالب كيف يطرح سؤالًا جيدًا على أداة للذكاء الاصطناعي، لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يعرف متى يشك في الإجابة، وكيف يتحقق منها، وما الذي لا ينبغي أن يتركه للآلة أصلًا.
أصبح التعلم الرقمي متاحًا لأعمار مختلفة، لكن استخدام الأدوات الجديدة يحتاج أيضًا إلى مهارات نقدية - غيتي
الفجوات القديمة تدخل العالم الجديد
لا ينعكس التغيّر في المفاهيم تلقائيًا على الفجوات القديمة. فالأمية بشكليها القديم والجديد، ما زالت أنثى في الغالب.
عالميًا، تبلغ معدلات الأمية بين الذكور نحو 10%، مقابل 17.3% بين الإناث. كما أنّ الفجوة تتسع أكثر في مناطق بعينها من العالم العربي وجواره الأفريقي، إذ تتجاوز الفوارق بين أمية الإناث والذكور في بعض دول الساحل والقرن الأفريقي عشرين نقطة مئوية.
الأسباب معروفة ومتكررة: الزواج المبكر، وبعد المدارس عن المناطق الريفية، وأولويات اجتماعية تضع تعليم الفتاة في مرتبة لاحقة لتعليم أخيها عند شح الموارد.
لكن الأثر يمتد إلى ما هو أبعد من الفتاة نفسها، إذ تُظهر تجارب عربية ودولية متكررة أن تعليم الأم هو أحد أقوى المؤشرات على التحاق أبنائها بالمدرسة لاحقًا، ما يجعل هذه الفجوة تتوارث بين الأجيال إن لم تُعالَج مبكرًا.
تظل الفجوة التعليمية بين الجنسين واحدة من الأسباب التي تجعل النساء أكثر تأثرًا بالأمية عالميًا - غيتي
حين تُقفل المدرسة أبوابها بسبب الحرب
في دول عربية عدة، يبدو الحديث عن مهارات الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن مشكلة أكثر إلحاحًا: هل يستطيع الطفل الوصول إلى المدرسة أصلًا؟
من سوريا إلى اليمن، ومن السودان إلى غزة والعراق وليبيا، تكرر المشهد نفسه خلال العقد الأخير: مدارس تحوّلت إلى مراكز إيواء أو تعرّضت للقصف أو أُغلقت بفعل انعدام الأمن، وأجيال كاملة من الأطفال خرجت من النظام التعليمي دون خطة واضحة لإعادتها إليه.
ووفق تحليل لليونيسف حول التعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هناك 30 مليون طفل على الأقل خارج المدارس في 12 دولة شملتها البيانات، أي نحو طفل من كل ثلاثة، ومعظم هذه البلدان هشة أو متأثرة بالنزاعات.
وفي لبنان، كشف تقييم أُجري بعد النزاع الأخير تضرر أو تدمير 340 مدرسة، بينها 17 دمرت بالكامل، بينما قد يجد 100 ألف طفل أنفسهم من دون صفوف صالحة مع بداية العام الدراسي ما لم تُستكمل عمليات الإصلاح.
النتيجة أن الأمية، في هذا السياق، لم تعد بالضرورة نتاج غياب المدارس من الأساس، بقدر ما هي نتاج انقطاع قسري عن مدرسة كانت قائمة، وهو ما يجعل معالجتها أكثر تعقيدًا من مجرد بناء مدارس جديدة.
تدفع الحروب ملايين الأطفال إلى تعليم متقطع، ما يهدد المهارات الأساسية قبل الوصول إلى المهارات الرقمية - غيتي
هل تكفي المدرسة وحدها؟
تظل المدرسة المكان الأول الذي نتعلم فيه القراءة والكتابة والحساب. لكنها لم تعد قادرة وحدها على منح الإنسان كل المهارات التي سيحتاجها طوال حياته.
فالخريج اليوم قد يجد بعد سنوات أن الخدمات الحكومية أصبحت رقمية، أو أن طريقة عمله تغيرت، أو أن أداة جديدة للذكاء الاصطناعي أصبحت جزءًا من مهنته، أو أن التمييز بين صورة حقيقية ومصطنعة بات أصعب مما كان عليه حين جلس في الصف.
لهذا تتعامل اليونسكو مع محو الأمية باعتباره مسارًا مستمرًا للتعلم، لا شهادة يحصل عليها الإنسان مرة واحدة.