الثلاثاء 17 فبراير / فبراير 2026
Close

بن غفير مهدّدًا البرغوثي.. "كي الوعي" حين تفشل "إستراتيجية الضاحية"

بن غفير مهدّدًا البرغوثي.. "كي الوعي" حين تفشل "إستراتيجية الضاحية" محدث 19 أغسطس 2025

شارك القصة

البرغوثي معتقل منذ 2002 ومحكوم بالمؤبد خمس مرات-غيتي
البرغوثي معتقل منذ 2002 ومحكوم بالمؤبد خمس مرات - غيتي
الخط
أثار فيديو تهديد بن غفير للقيادي الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي موجة من الغضب في صفوف الفلسطينيين، خاصة أنه يهدف لتكريس استراتيجية "كي الوعي".

نحو ثلاث عشرة ثانية فقط أعادت الصراع إلى بديهياته الكبرى: الأمس، واليوم، والغد، ليس على الأرض فحسب، بل على الوجود نفسه.

يوم الجمعة الماضي، نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، مقطع فيديو قصيرًا على منصة "إكس"، لم يتجاوز 13 ثانية، ظهر فيه وهو يهدّد القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي، الأسير في السجون الإسرائيلية منذ عام 2002.

يبدو البرغوثي في الفيديو بجسدٍ نحيل وقد فقد الكثير من وزنه ونضارة وجهه، وهو يستمع ويحرّك رأسه يمنة ويسرة علامةً على النفي في البداية، قبل أن ينطق ببضع كلمات (كلمة أو اثنتين) لا تُسمع، بينما يظهر بن غفير محاطًا بشخصين، أحدهما حارس السجن.

مخاوف فلسطينية من استهداف حياة البرغوثي في سجنه - غيتي
مخاوف فلسطينية من استهداف حياة البرغوثي في سجنه - غيتي

لا يُوضّح الفيديو مكان المواجهة غير المتكافئة بين الرجلين، والتي تُظهر استقواء الوزير الإسرائيلي وساديّته في مقابل الأسير الفلسطيني الأعزل، ولا تاريخها. لكنّ وكالة "فرانس برس" نقلت عن مقرّب من بن غفير أن المواجهة حصلت "بالصدفة" أثناء زيارة هذا الأخير إلى سجن "غانوت"، المعروف سابقًا بسجني "رامون" و"نفحة"، ويقع في صحراء النقب (على بُعد نحو 100 كلم من بئر السبع).

يخاطب بن غفير الأسير الفلسطيني البرغوثي في الفيديو قائلاً:

لن تنتصروا علينا. كل من يؤذي شعب إسرائيل، كل من يقتل الأطفال، كل من يقتل النساء سنمحوه... لا، يجب أن تعرف ذلك، وهذا سيكون على مدى التاريخ.

ومن بين أهداف نشر بن غفير للفيديو ما يمكن وصفه بـ"الردع الاستباقي"، أي هزيمة الخصم نفسيًا قبل هزيمته عسكريًا، أو ما يحول دون تفكيره بالمواجهة من الأساس. وهو ما أفصح عنه بنفسه قائلًا: "حين يرى الفلسطيني هذا (الفيديو) سيفكر مرتين قبل أن يشارك في الإرهاب".

إستراتيجية "كي الوعي"

يُسمّى هذا في الأدبيات السياسية والأمنية الإسرائيلية بـ"كيّ الوعي"، وهو مصطلح أعاد استخدامه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق موشيه يعالون (2002-2005) خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

وتقوم فكرة "كيّ الوعي" على إقناع الفلسطينيين وقيادتهم بالتفوق العسكري الإسرائيلي الساحق عليهم وعلى المنطقة بأسرها، وبالتالي بعدم جدوى المقاومة.

تعود استراتيجية كي الوعي الى موشيه يعالون رئيس الاركان الاسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية-غيتي
تعود إستراتيجية كي الوعي إلى موشيه يعالون رئيس الأركان الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية - غيتي

وقد بُلورت هذه الإستراتيجية من خلال قسم "مركز عمليات الوعي" التابع لجهاز الاستخبارات العسكرية "أمان"، المتخصص بالحرب النفسية، بإيعاز من يعالون للقضاء على الانتفاضة والحيلولة دون تكرارها مستقبلًا.

لكنّ إستراتيجية "كيّ الوعي" فشلت، فأُلحقت بها لاحقًا إستراتيجية أخرى هي "إستراتيجية الضاحية"، التي نظّر لها الجنرال غادي آيزنكوت، قائد القيادة الشمالية العسكرية خلال حرب يوليو/ تموز 2006 على لبنان.

إستراتيجية الضاحية ونبوءة إشعياء

تقوم "إستراتيجية الضاحية" على استهداف الحاضنة الشعبية "للعدو" بالقدر نفسه، إن لم يكن أشد، من استهداف العدو نفسه، وذلك باستخدام أكبر قدر من القوة لإحداث أكبر قدر من التدمير في البنية التحتية لمناطق الحاضنة أو حتى الدولة التي ينشط فيها "العدو".

وبعد هجوم "طوفان الأقصى" الذي نفّذته كتائب القسام وفصائل المقاومة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لجأت إسرائيل إلى الإستراتيجيتين معًا.

متظاهر يرتدي قناع نتنياهو خلال مظاهرة في تل أبيب تدعو لتبادل الاسرى-غيتي
متظاهر يرتدي قناع نتنياهو خلال مظاهرة في تل أبيب تدعو لتبادل الأسرى - غيتي

وقد تمثل ذلك في خطاب ألقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، دمج فيه الإستراتيجيتين معًا، مضيفًا إليهما مسحة دينية، بحيث يبدو انتصار إسرائيل قدرًا إلهيًا، وكذلك هزيمة الفلسطينيين. وقال:

سنحقق نبوءة إشعياء، لن تسمعوا بعد الآن عن الخراب في أرضكم، سنكون سببًا في تكريم شعبكم، سنقاتل معًا وسنحقق النصر.

ولم يكتف نتنياهو باستدعاء هذا النص فقط بل استحضر نصًا دينيًا آخر بقوله:

يجب أن تتذكروا ما فعله عماليق بكم، كما يقول لنا كتابنا المقدس. ونحن نتذكر ذلك بالفعل، ونحن نقاتل بجنودنا الشجعان وفرقنا الذين يقاتلون الآن في غزّة وحولها، وفي جميع المناطق الأخرى في إسرائيل.

ويأتي استحضار "العماليق"، أعداء بني إسرائيل في التوراة، لاستدعاء وصايا الرب بشأنهم، التي تُشدّد على ضرورة قتلهم جميعًا: رجالًا، ونساء، وأطفالًا، ورضّعًا، بل وحتى بهائمهم.

نقذت اسرائيل استراتيجية الضاحية في قطاع غزة-غيتي
نقذت إسرائيل إستراتيجية الضاحية في قطاع غزة - غيتي

ويرد ذلك بالنص في  سفر صموئيل الأول: "اذهب وحارب عماليق. اقض عليهم قضاء تامًا، هم وكل ما لهم. لا تشفق عليهم. اقتل جميع الرِجال والنساء والأطفال والرضع، واقتل ثيرانهم وغنمهم وجمالهم وحميرهم، وحاربهم حتى يفنوا".

يبدو إذًا أن إستراتيجية الضاحية "الحديثة" ذات جذور في اللاوعي الديني الإسرائيلي، ومُعطوفة على "كيّ الوعي" التي لجأ إليها بن غفير في تهديده للبرغوثي.

قتل 50 فلسطينيًا مقابل كل إسرائيلي

لا تقتصر إستراتيجية "كيّ الوعي" على نتنياهو وبن غفير، بل تشمل أيضًا ساسة وعسكريين آخرين. فقد نشرت القناة 12 الإسرائيلية مؤخرًا تسريبات لقائد شعبة الاستخبارات السابق في الجيش، أهارون خليوة، الذي شغل منصبه خلال هجوم 7 أكتوبر 2023، قال فيها:

حقيقة وجود 50 ألف قتيل في غزة كانت ضرورية ومطلوبة للأجيال القادمة، لنقول لهم: لقد أهنتمونا وقتلتم ولكن هذا هو الثمن.

قلت بعد السابع من أكتوبر إنه يتوجب قتل 50 فلسطينيًا مقابل كل إسرائيلي قتل، ولا يهم إذا كانوا أطفالًا أو نساء. هذا مطلوب كرسالة للأجيال القادمة، إذ يجب أن يترسخ في ذاكرتهم بين الحين والآخر أن هناك نكبة جديدة حصلت وهذا ثمنها.

وقد أثار فيديو تهديد بن غفير للبرغوثي موجة من الغضب في صفوف الفلسطينيين، خصوصًا أنه تعمّد إهانة القيادي الأسير وإظهاره في مظهر الضعيف.

زوجة البرغوثي تؤكد ألا شيء سيحرفه عن مسيرة نضاله من أجل شعبه - غيتي
زوجة البرغوثي تؤكد ألا شيء سيحرفه عن مسيرة نضاله من أجل شعبه - غيتي

لكن تدوينة كتبتها زوجته فدوى البرغوثي، بالعامية، أعادت موضعة الزيارة في سياقها الطبيعي، أي في مسيرة نضاله الدائمة مع شعبه. وأكدت أن شيئًا لن يهزّ ثقته بنفسه أو يحرفه عن نضاله، وجاء فيها:

ما زالوا يا مروان بطاردوا فيك وبلاحقوك، حتى في زنزانة  انفرادية بتعيش فيها من سنتين، وما زال صراع الاحتلال ورموزه معك مستمر والقيود في إيدك، ولكن (ي) بعرف روحك وعزيمتك، وبعرف انك تبقى حر وحر وحر، ما بيهمك إلا هم شعبك وانهاء معاناته اللي وصلت حدود السما في غزة، وتحقيق حريته وحفظ كرامته.

هيهم (ها هم) بيكتبوا "يا جبل ما يهزك ريح:. أنا بعرف انه لا يهزك إلا ما تسمعه عن آلام شعبك، وما بقهرك وبوجعك إلا عدم حماية أولادنا وبناتنا . أنت من الناس، وين ما تكون بين الناس، منهم وفيهم، مصيرك مرتبط بمصيرهم. هيك انت كنت وهيك ستبقى. 

من جهتها، اعتبرت الخارجية الفلسطينية تهديد بن غفير للبرغوثي "إرهاب دولة منظمًا" و"استفزازًا غير مسبوقًا"، بينما حمّلت حركة "فتح" حكومة نتنياهو "المسؤولية الكاملة" عن حياة البرغوثي.

مسيرة مناصرة لغزة في إيطاليا ترفع صورة البرغوثي ومانديلا - غيتي
مسيرة مناصرة لغزة في إيطاليا ترفع صورة البرغوثي ومانديلا - غيتي

أما حركة "حماس"، فعلى لسان عضو مكتبها السياسي عزّت الرشق، قالت إن "لم يبقَ للتوحش معنى إلا وتمثّل في أحد مسؤولي هذا الكيان اللاإنساني".

وأضاف الرشق واصفًا المشهد:

وزير صهيوني يجمع جيشه وحرسه ودموية دولته، ويقف أمام قائد أسير مقيّد ومعزول انفراديًا، بالكاد يقوى على الوقوف... لو كان بن غفير منتصرًا في غزة، لما قال ما قال.

لكن لماذا البرغوثي وليس سواه؟

يحظى البرغوثي بإجماع فلسطيني نادر في ظل الانقسام الداخلي، ويتصدّر استطلاعات الرأي في أي انتخابات رئاسية مقبلة، متفوّقًا على الرئيس محمود عباس وأي مرشّح من حركة "حماس".

ويجعل هذا من تهديد بن غفير له إقرارًا إسرائيليًا ضمنيًا بتمثيله لإرادة الفلسطينيين، رغم أنه في السجن منذ أكثر من 20 عامًا، ما يمنحه شرعية رمزية تفرّغ التهديد من مضمونه.

وبحسب استطلاع رأي أجراه "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" في الضفة وغزة مطلع مايو/ أيار الماضي، فإن البرغوثي سيتقدّم على كل من الرئيس عباس والقيادي في حركة حماس خالد مشعل إن ترشّحوا معًا للرئاسة.

وأفاد الاستطلاع أن البرغوثي سيحصل على 50% من الأصوات، يليه مشعل بـ35%، وأخيرًا عباس بـ11%.

ويُظهر الاستطلاع تزايد شعبية البرغوثي مقارنةً بآخر استطلاع قبل سبعة أشهر، حيث نال 46%، مقابل 44% لمرشح "حماس"، و9% فقط لعباس.

بن غفير خلال اقتحامه المسجد الاقصى-غيتي
بن غفير خلال اقتحامه المسجد الأقصى - غيتي

ويبدو أن البرغوثي مستهدف شخصيًا من بن غفير، الذي يتحدّر من أصول عراقية ويرأس حزب "القوة اليهودية" اليميني المتطرف.

فمنذ انضمامه إلى حكومة نتنياهو عام 2022 وهو يشن حملة شعواء على الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، فبعد هجوم في القدس الشرقية في مستوطنة نفي يعكوف مطلع عام 2023 قتل خلاله سبعة أشخاص، أكد بن غفير بأنه سيضمن عدم حصول من وصفهم بـ"الإرهابيين" على خبز طازج كل صباح.

وقال "لا أفهم لماذا يتلقى الإرهابيون، قتلة الأطفال والنساء، خبزًا طازجًا كل صباح، كما لو أنهم في مطعم؟".

وخلال زيارته لسجن "نفحة" في يناير/ كانون الثاني 2023، قال إنه يريد ضمان عدم عيش الأسرى براحة أكبر نتيجة بناء زنازين جديدة، واقترح معاقبة المدانين بالإرهاب بالإعدام.

عزل البرغوثي منذ 7 أكتوبر

كثيرًا ما عبّرت المؤسسات الفلسطينية عن خشيتها من مخطط يستهدف حياة البرغوثي، خاصة منذ نقله إلى العزل الانفرادي بعد هجوم 7 أكتوبر.

البرغوثي خلال اعتقاله عام 2002-غيتي
البرغوثي خلال اعتقاله عام 2002 - غيتي

وتعرّض البرغوثي فعلًا لعدة اعتداءات جسدية خطيرة هدّدت حياته، ففي أكتوبر 2024 قالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني في بيان مشترك إن "وحدات القمع في السجون قامت باعتداء وحشي على البرغوثي في زنزانة العزل الانفرادي بتاريخ التاسع من سبتمبر/أيلول 2024 مستخدمة أدوات قمع وضرب مختلفة".

وبحسب البيان، تسبّب الاعتداء الذي تعرّض له البرغوثي "بإصابات في جسده وأضلاعه وأطرافه، ونزيف في أذنه اليمنى وجرح في ذراعه الأيمن وآلام في ظهره".

والبرغوثي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح التي يتزعمها الرئيس محمود عباس، معتقل منذ عام 2002 بتهمة القتل خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وحُكم عليه في يونيو/حزيران 2004 بخمسة أحكام بالسجن لمدى الحياة.

إرث عرفات

ويعتبر كثير من الفلسطينيين البرغوثي وريثًا للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ورمزًا للمقاومة الحقيقية التي أطلقها الأخير، وهو ما حرص على التذكير به دائمًا، ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 كتب البرغوثي رسالة من محبسه في مناسبة الذكرى العاشرة لوفاة عرفات، دعا فيها السلطة الفلسطينية إلى دعم "المقاومة الشاملة والبندقية".

يعتبر العديد من الفلسطينيين البرغوثي وريثًا لعرفات - غيتي
يعتبر العديد من الفلسطينيين البرغوثي وريثًا لعرفات - غيتي

وقال البرغوثي إن "التمسك بإرث عرفات ومبادئه وثوابته التي استشهد وعشرات الآلاف من أجلها، يأتي من خلال مواصلة مسيرة المصالحة الوطنية على أسس صحيحة، ودعم ومساندة حكومة الوفاق الوطني والتمسك بخيار المقاومة الشاملة والبندقية التي استشهد عرفات وأبو جهاد وأحمد ياسين والشقاقي وأبو علي مصطفى والكرمي والجعبري وهي في أيديهم".

وطالب البرغوثي بـ"ضرورة إعادة الاعتبار مجددًا لخيار المقاومة بوصفه الطريق الأقصر لدحر الاحتلال ونيل الحرية"، ودعا في رسالته الشهيرة إلى "إعادة النظر في وظائف السلطة ومهماتها بحيث تكون مهمتها الأولى والرئيسية دعم ومساندة المقاومة الشاملة".

تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
تغطية خاصة
المزيد من