تتزايد بوادر التصعيد العسكري بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكن هذه المرة قد لا تبقى تداعيات التوتر محصورة في الحدود الغربية لروسيا، بل تمتد إلى مناطق أخرى، من القطب الشمالي إلى آسيا والمحيط الهادئ.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصريحات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، توعّد فيها بتوسيع نطاق الرد على أي محاولات لاستهداف السفن الروسية، بالتزامن مع تقديرات استخباراتية غربية تحدثت عن احتمال لجوء موسكو إلى تنفيذ هجوم محدود على إحدى الدول الأعضاء في حلف الناتو خلال السنوات المقبلة، بهدف اختبار مدى تماسك الحلف واستعداده للرد.
تصعيد أوكراني يستهدف السفن ومنشآت الطاقة الروسية
وفي خضم الهجمات الأوكرانية المتتالية على السفن الروسية المدنية والتجارية في البحر الأسود، يواجه الكرملين تداعيات متزايدة للهجمات التي توسعت خلال الأشهر الماضية لتطال أيضًا مصافي النفط، التي تمثل جزءًا مهمًا من البنية الاقتصادية الروسية.
روسيا تحذر من تغلغل الناتو في آسيا والمحيط الهادئ.. هل يختبر بوتين تماسك الحلف بهجوم محدود؟#الأخيرة pic.twitter.com/EVL5jWd26l
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 12, 2026
وخلال إشرافه على مناورات بحرية في أقصى الشرق الروسي، أطلق بوتين تصريحات شديدة اللهجة، متوعدًا برد قوي في حال مضت دول لم يسمّها في خططها لاستهداف أو ما وصفه بـ"قرصنة" السفن الروسية.
وتأتي تصريحات الرئيس الروسي في وقت تحدثت فيه صحيفة "فايننشال تايمز"، نقلًا عن مسؤولين أوكرانيين، عن تعليق كييف مؤقتًا هجماتها بالطائرات المسيّرة على ناقلات النفط التي تستخدم ميناء نوفوروسيسك الروسي المطل على البحر الأسود، استجابة لطلب من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
وبحسب الصحيفة، جاء طلب فانس الشهر الماضي على خلفية تزايد المخاوف الأميركية من أن تؤدي الهجمات الأوكرانية إلى زعزعة أسواق النفط والإضرار بشركات أميركية، خصوصًا مع استهداف ناقلات تحمل نفطًا خامًا يُنقل عبر خطوط أنابيب من كازاخستان إلى محطة تابعة لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين في ميناء نوفوروسيسك.
وأشارت الصحيفة إلى أن أوكرانيا وافقت على عدم استهداف البنية التحتية التابعة لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين، وكذلك السفن غير الروسية، ما دامت غير خاضعة لعقوبات أوكرانية ولا تحمل نفطًا أو بضائع روسية.
روسيا والناتو.. هل يتوسع الصراع إلى آسيا؟
ومع تصاعد التوتر بين روسيا وحلف الناتو، وامتداد التنافس العسكري إلى مناطق جغرافية جديدة، تبرز منطقة القطب الشمالي والمحيط الهادئ وآسيا باعتبارها ساحات محتملة لمزيد من التصعيد. وسبق لليابان أن أعربت عن رفضها مناورات عسكرية روسية في عدد من جزر الكوريل.
وفي المقابل، تتبنى موسكو لهجة أكثر تشددًا في الحديث عن ما تعتبره تهديدات مباشرة من جانب الناتو. وأشار بوتين إلى ما وصفها باحتمالات متزايدة لنشوب صراع في مناطق أخرى.
وتتزامن هذه التصريحات مع تقديرات استخباراتية أميركية نقلتها وسائل إعلام غربية، تفيد بأن بوتين قد يسعى إلى شن هجوم محدود على إحدى الدول الحليفة خلال السنوات القليلة المقبلة، في محاولة لاختبار وحدة حلف شمال الأطلسي ومدى التزام أعضائه بالدفاع المشترك.
وبحسب تقارير نقلت شبكة "سي إن إن" جانبًا منها، تشمل السيناريوهات المحتملة تحركات تتدرج من هجمات إلكترونية إلى توغل عسكري محدود، بما يسمح لروسيا باختبار رد فعل الحلف دون الانخراط بالضرورة في مواجهة عسكرية واسعة.
وتتمثل أهمية هذا السيناريو في المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تنص على أن الهجوم المسلح على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع أعضاء الحلف، بما يفتح الباب أمام تحرك جماعي للدفاع عن الدولة المستهدفة.
وتشير التقارير إلى أن من بين السيناريوهات التي تخضع للمراقبة احتمال تصعيد روسي ضد دول البلطيق أو بولندا، في محاولة لاختبار مدى استعداد الناتو للرد على تحرك عسكري محدود، ومدى قدرة الحلف على الحفاظ على تماسكه في مواجهة اختبار من هذا النوع.
هل تستهدف روسيا دول البلطيق أو بولندا؟
وفي معرض الرد على سؤال حول كيفية نظر فرنسا والدول الأوروبية إلى التحذيرات الأميركية بشأن اختبار روسي لحلف الناتو، أوضح الباحث في الشؤون الأوروبية والعلاقات الدولية طارق وهبي أن أوروبا تتابع عن كثب ما يصدر من تصريحات روسية أو تقارير استخباراتية أميركية، معتبرًا أن الأمر يشكل استشرافًا جديًا لما قد يحدث في المنطقة.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من باريس، أشار وهبي إلى أن شرق أوروبا ما زال عرضة لما يُسمى بالاختراق الروسي، حيث ترى موسكو أن هناك هشاشة واضحة في دول البلطيق، فضلًا عن منطقة كالينغراد التي قد تتحول إلى بؤرة توتر لقربها من بولندا وبيلاروسيا وليتوانيا.
وأضاف أن المادة الخامسة في ميثاق الناتو لم تُفعّل بشكل واسع، لكننا شهدنا حالات استنفار عندما تعرضت دول مثل بولندا ورومانيا لهجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ، حيث تدخلت قوات الناتو المنتشرة هناك، سواء الفرنسية أو البريطانية أو الأميركية، وكان الرد واضحًا.
ورأى وهبي أن رد الناتو لن يكون مباشرًا أو عسكريًا، بل سيُعطى المجال أولًا للحركة الدبلوماسية، لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غالبًا ما يبدأ بالتصعيد العسكري، فيما تفضل أوروبا والولايات المتحدة تجنّب المواجهة المباشرة. وأكد أن أي تحرك روسي بات مراقبًا بدقة من واشنطن ومن أجهزة استخبارات أخرى، سواء كان جوّيًا أو بريًا أو بحريًا.
وأشار إلى أن تفعيل المادة الخامسة قائم من الناحية النظرية، لكنه لن يُترجم بشكل فوري، وهو ما جرى التأكيد عليه في الاجتماع الأخير بأنقرة، حيث نوقشت سبل تطوير التعاون العسكري بين الدول الأعضاء.
وعن سؤال حول ما ذكرته شبكة "سي إن إن" بشأن احتمال لجوء الرئيس الروسي إلى التصعيد عبر استهداف دول البلطيق أو بولندا، قال وهبي إن هذه الدول تمثل الخاصرة الضعيفة لأوروبا، خصوصًا ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، حيث يمكن لبوتين أن يتذرع بوجود أقليات روسية داخلها كما فعل في أوكرانيا، لشنّ تحرك عسكري.
وأضاف أن بيلاروسيا قد تلعب دور الوكيل لروسيا في هذا السيناريو، لافتًا إلى أن وجود أسراب من الطائرات الفرنسية في ليتوانيا وإستونيا قد يوفر دعمًا محدودًا، لكنه لا يرجّح اندلاع مواجهة جوية مباشرة بين روسيا والقوات الأوروبية المنتشرة هناك.