عبر العالم.. لا يوجد من هو أعلى صوتًا وربما أكثر جذرية في انتقاد إسرائيل، من السيناتور الأميركي عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز.
ويُصنَّف ساندرز، وهو يهودي عمل متطوّعًا في كيبوتس في إسرائيل في ستينيات القرن الماضي، في خانة الساعين إلى إنقاذ إسرائيل من نفسها ومن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
وازدادت حدّة انتقاداته لإسرائيل منذ العدوان على قطاع غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ولإدارة الرئيس دونالد ترمب التي اتّهمها ساندرز مرارًا بالتواطؤ، وطالبها بوقف تسليح إسرائيل.
وأثار إعلانه الترشّح مرّةً ثانية لانتخابات الرئاسة الأميركية عام 2020 التي فاز فيها جو بايدن، تساؤلات في الولايات المتحدة حول ما إذا سيصبح ساندرز أول يهودي يترأس البلاد، بعد أن أصبح باراك أوباما أول رئيسٍ ملوّن في تاريخ الولايات المتحدة ما بين عامي 2009 و2017.
واستهلّ ساندرز محاولته الثانية لدخول البيت الأبيض بهجومٍ حادّ على دونالد ترمب، قائلًا لدى إعلان نيّته ترشيح نفسه في فبراير/ شباط 2019، إنّه مصدر عار على الصعيد الوطني و"مريض بالكذب".
لكن ترمب في المقابل كان يفضل مواجهة ساندرز في انتخابات عام 2020 وليس بايدن.
ساندرز: ترمب مريض بالكذب
وفي مقابلةٍ أجرتها معه شبكة "فوكس نيوز" في فبراير/ شباط 2020، قال ترمب، بينما كان ساندرز يتقدّم المرشّحين الديمقراطيين إلى الانتخابات في ولاية آيوا، إنه يدعوه "بيرني المجنون"، مضيفًا: "أفكّر بالشيوعية عندما أفكّر ببيرني"، لكنه (ساندرز) في رأي ترمب يظلّ "على الأقل صادقًا بما يؤمن به".
وفي تلك المقابلة، تهكّم ترمب على المرشّحين الديمقراطيين للانتخابات التمهيدية للرئاسة، وقال إنّه ما إن يرى بايدن حتى "يفكّر بالنعاس"، في حين وصف الملياردير مايكل بلومبرغ الذي ترشّح للانتخابات أيضًا، بأنّه "صغير البنية جدًا"، مشيرًا إلى أنّ الملياردير والرئيس السابق لبلدية نيويورك طلب أن يوضع له "صندوق" خلف المنصّة كي يقف عليه خلال المناظرات التلفزيونية من أجل أن يبدو أطول ممّا هو عليه.
وكان ساندرز قد أعلن عن ترشّحه في فبراير 2019 قائلًا إن الولايات المتحدة تحتاج أكثر من أي وقتٍ مضى إلى قيادة توحّد الأميركيين ولا تقسّمهم، ووصف ترمب بالكاذب والعنصري:
نعيش لحظة تحوّل خطيرة في تاريخ أميركا. نترشّح ضد رئيس مصاب بمرض الكذب، ومخادع وعنصري ومتحيز جنسيًا ويعاني من رهاب المثليين، وهو شخص يقوّض الديمقراطية الأميركية ويقودنا نحو الاستبداد.
كما وصف ساندرز الرئيس ترمب بأنّه مصدر عارٍ على الصعيد الوطني، وبأنّه شخص يكسب نقاطًا سياسية رخيصة عبر التهجّم على الأقليات والمهاجرين الذين لا يحملون وثائق أحيانًا.
ما يجمع ساندرز وترمب
وللمفارقة فإنّ ساندرز على غرار ترمب، دخل ساحة العمل السياسي من دون أن يكون لديه انتماءٌ حزبي عندما بدأت الانتخابات التمهيدية لاستحقاق 2016 الرئاسي. ورغم ذلك كاد يتفوّق على منافسته في الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، لكنه خسر أمامها كما خسرت هي بدورها أمام ترمب في تلك الانتخابات.
وحظي ساندرز في حملته لانتخابات عام 2020 بدعم الشباب والتيار الليبرالي في صفوف الحزب الديمقراطي، لكن بايدن تفوّق عليه في الانتخابات التمهيدية لمرشحي الحزب الديمقراطي، ما أحبط محاولته الثانية للمنافسة على منصب الرئاسة الأميركية.
وخاض ساندرز حملته ببرنامجٍ يقوم على تقديم الرعاية الصحية الشاملة لجميع الفئات، وتحديد الحد الأدنى للأجور عند 15 دولارًا في الساعة، ومجانية التعليم الجامعي، وتشكيل حكومة قائمة على مبادئ العدالة الاقتصادية والاجتماعية والعرقية والبيئية.
وخلال حملته هذه، قاطع ساندرز المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأميركية–الإسرائيلية (إيباك) في مارس/ آذار 2019.
وشارك بدلًا من ذلك في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه في مؤتمرٍ لمنظمة "جاي ستريت" اليسارية التي تعتبر أنّ مواقفها أكثر انسجامًا مع اليهود الأميركيين، وألقى كلمةً تعهّد فيها باعتماد مقاربة تختلف تمامًا عن "الدعم المطلق" لإسرائيل الذي ينتهجه الرئيس ترمب.
يهودية ساندرز.. والنزاع مع إيباك
ورغم أنه نادرًا ما يتطرّق إلى ديانته اليهودية، فقد تحدّث ساندرز أمام المؤتمر عن تأثير مقتل غالبية أفراد عائلة والده في المحرقة النازية على تبنّيه آراء تقدّمية، وقال: "إن كان هناك شعبٌ على الأرض يدرك مخاطر العنصرية والقومية البيضاء، فهو بالتأكيد الشعب اليهودي".
وشدّد ساندرز على أنه ليس من المعاداة للسامية القول إن "حكومة نتنياهو عنصرية"، داعيًا إلى تحويل المساعدة العسكرية السنوية إلى إسرائيل التي تبلغ قيمتها 3.8 مليارات دولار إلى مساعداتٍ إنسانية لقطاع غزة.
وقال: "من سينكر أنه عندما تبلغ نسبة بطالة الشباب 60 بالمئة، عندما لا يكون لدى الناس أيّ أمل، عندما لا يستطيع الناس حرفيًا مغادرة المنطقة، من يستطيع أن يفكّر للحظة أنك لا ترسي الأساس لمواصلة العنف؟".
ويصف ساندرز لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية "إيباك" بأنها منتدى للتعصّب و"للزعماء الذين يعبّرون عن تعصّبهم ويعارضون حقوق الفلسطينيين الأساسية"، كما يصف رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بـ"العنصري الرجعي".
وخلال اجتماع "إيباك" في مارس/ آذار 2019 هاجم داني دانون، السفيرُ الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، ساندرز، ووصفه بأنّه "إمّا أحمق أو كاذب"، وقال: "لا نريد ساندرز في إيباك. لا نريده في إسرائيل".
وكان ساندرز قد تجنّب في حملته الرئاسية الأولى عام 2016 مناقشة هويته اليهودية، لكنه غيّر نهجه خلال حملته لانتخابات 2020، مؤكدًا أنه "فخور جدًا بأن يكون يهوديًا"، كما كتب موضوعًا في مجلة "جويش كارنتس" اليهودية اليسارية قال فيه إن عددًا من أقاربه "قُتلوا على أيدي النازيين".
ضد الحروب ومع مارتن لوثر
وُلد برنارد ساندرز عام 1941 في بروكلين بنيويورك لعائلةٍ من المهاجرين اليهود القادمين من بولندا، وقال ساندرز مرارًا إنّه أصبح مهتمًا بالسياسة في سنّ مبكرة بسبب خلفيته العائلية، وإنّ العديد من أقاربه في بولندا قُتلوا في أربعينيات القرن الماضي في الهولوكوست.
درس ساندرز في "كلية بروكلين" ولاحقًا في "جامعة شيكاغو"، حيث نشط في حركة الحقوق المدنية، وحضر "مسيرة واشنطن" في 1963 التي ألقى خلالها مارتن لوثر كينغ خطابه الشهير "لدي حلم"، كما كان ناشطًا في الحركة المناهضة لحرب فيتنام التي بدأت عام 1955.
ووصف ساندرز فترة إقامته في شيكاغو بأنها الأهم في حياته من حيث التكوين الفكري؛ فقد انضمّ هناك إلى رابطة الشباب الاشتراكيين (الفرع الشبابي للحزب الاشتراكي الأميركي)، كما نشط في حركة الحقوق المدنية ولجنة التنسيق الطلابية اللاعنفيّة.
وعام 1962 شارك في تجمّعٍ طلابي ضد سياسة إدارة جامعة شيكاغو بالفصل بين الطلاب على أساس اللون في السكن الجامعي، واعتصم وعددٌ من زملائه خارج مكتب رئيس الجامعة لأسابيع، قبل أن تُشكّل الجامعة لجنةً للتحقيق في التمييز، وتنهي لاحقًا الفصلَ العنصري في السكن الجامعي الخاص عام 1963.
بعد تخرّجه من جامعة شيكاغو، توجّه ساندرز إلى إسرائيل حيث عمل متطوّعًا في أحد الكيبوتسات هناك، وكشف عن ذلك في مقابلةٍ أجرتها معه صحيفة "هآرتس" عام 1990، قائلًا إنه تطوّع حين كان شابًا لعدة أشهر في كيبوتس "شاعر هعمكيم"، وهو مستوطنةٌ زراعية على حافة وادي مرج ابن عامر.
لم يَطُل المقام طويلًا بساندرز في إسرائيل، فانتقل منها إلى ولاية فيرمونت حيث عمل نجّارًا ومخرجَ أفلامٍ وصحفيًا مستقلًا ومساعدَ طبيبٍ نفسي، قبل أن يُنتخَب عام 1981 رئيسًا لبلدية برلينغتون، أكبر مدن ولاية فيرمونت.
وأُعيد انتخابه رئيسًا للبلدية لثلاث ولاياتٍ أخرى حتى عام 1989، قبل أن يفوز عام 1990 بعضوية مجلس النواب حتى عام 2006، عندما انتُخِب لمجلس الشيوخ، وأعيد انتخابه في الأعوام 2012 و2018 و2024.
محارب عنيد لنتنياهو وإدارة ترمب
ويواصل ساندرز منذ التحاقه بالدراسة الجامعية ولاحقًا عضويته في مجلسي النواب والشيوخ، انتقاداته "للنظام الأميركي"، وزاد من حدّتها خلال انخراط الولايات المتحدة في صراعات عسكرية خارجية، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان.
ومنذ العدوان على قطاع غزة لا يكاد يمر أسبوع دون أن يهاجم انحياز إدارة ترمب إلى إسرائيل، أو يندّد بما يصفها بجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل في غزة.
والثلاثاء الماضي كتب ساندرز على منصة "إكس" واصفًا حكومة نتنياهو بـ"الخارجة عن السيطرة تمامًا"، في معرض تعليقه على الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف قادة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، وقال:
لا يكتفون بتجويع الأطفال في غزة، بل يقومون الآن أيضًا بقصف قطر، الشريك الأمني للولايات المتحدة، منتهكين بذلك القانون الدولي.
وكان ساندرز قد طالب قبل ذلك بأيامٍ بوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، وقال في تدوينة على منصة "إكس" في السادس من الشهر الجاري إنّ الأزمة الإنسانية في قطاع غزة بلغت حدًا "يفوق الوصف".
ودعا إلى وقف المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، قائلًا: إنّ "الشعب الأميركي لا يريد إرسال مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب إلى الحكومة الإسرائيلية لتجويع الأطفال في غزة".
وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد صوّت في نهاية يوليو/ تموز الماضي ضدّ مشروعي قانونٍ تقدّم بهما ساندرز لمنع بعض مبيعات الأسلحة لإسرائيل، وخاطب ساندرز مجلس الشيوخ قبل التصويت قائلًا إنه—في حين أنّ "حركة حماس هي المسؤولة عن بدء الحرب"—فإنّ حماس ليست مسؤولة عن تجويع الأطفال اليوم.
وأضاف: "اليوم، لا يتعلق الأمر بحماس، ولا بإسرائيل، بل يتعلق بالولايات المتحدة الأميركية، وما إذا كنّا سنستمر في التواطؤ في جرائم الحرب وتدمير النساء والأطفال في غزة".