تُعدّ الكهوف من عجائب الطبيعة التي لطالما أثارت فضول الإنسان وألهبت خياله. فهي أنفاق تحت الأرض تشكّلت على مدى ملايين السنين بفعل قوى جيولوجية، مثل تدفّق المياه أو نحت الصخور.
ورغم أن كوكبنا ما زال يخفي الكثير من أسراره، فإن كل عام يشهد اكتشاف مستكشفين لممرات وغرف جديدة تحت الأرض، ما يزيد من امتداد أطول وأكبر أنظمة الكهوف في العالم.
وبحسب موقع "هستوري"، يقول مايكل راي تايلور، الصحفي والمؤلف الذي استكشف العديد من أكبر كهوف العالم: "لقد عرفنا أعلى الجبال منذ مئات السنين، وحددنا مواقع أعمق بقاع المحيطات قبل أربعة أو خمسة عقود، ولكن لا توجد تقنية تُخبرنا بمكان الكهوف العميقة". ويضيف: "هناك مقولة شائعة بين مستكشفي الكهوف: الكهوف حيث تجدها".
ولم يبدأ استكشاف بعض الكهوف الضخمة في الصين وأوروبا الشرقية ورسم خرائطها بشكل جاد إلا خلال العقود الأخيرة، وقد يتفوق أحدها في نهاية المطاف على كهف الماموث في كنتاكي ليصبح الأطول في العالم.
كيف تتشكل الكهوف؟
تتشكل الكهوف بفعل عدد من العمليات الجيولوجية، منها النشاط البركاني (أنابيب الحمم البركانية) والتعرية (كهوف البحر). لكن معظم الكهوف الأطول في العالم هي من نوع "كهوف المحلول".
تنشأ هذه الكهوف عندما تتسرب المياه السطحية ذات الحموضة المعتدلة إلى الشقوق والصدوع داخل طبقات الحجر الجيري، فتُذيبها تدريجيًا، ما يوسّع الفتحات حتى تتحول إلى كهوف.
كما يمكن أن تتشكل الكهوف أيضًا من الأسفل إلى الأعلى فيما يُعرف بكهوف "الهايبوجين"، حيث تتدفق المياه من أعماق الأرض غنية بالكبريت وثاني أكسيد الكربون، فتكوّن أحماضًا قوية تُذيب الحجر الجيري وتُشكّل الكهوف. كثير من أطول كهوف العالم تكوّنت بهذه الطريقة، وغالبًا ما استغرق اكتشافها وقتًا أطول بسبب قلة مداخلها السطحية.
أطول أنظمة الكهوف في العالم:
فيما يلي خمسة من أطول أنظمة الكهوف في العالم حتى عام 2024:
كهف الماموث – الولايات المتحدة الأميركية
يُعد كهف الماموث في ولاية كنتاكي أطول نظام كهوف متواصل في العالم، إذ يمتد على 686 كيلومترًا. دخل البشر هذا الكهف قبل نحو 5000 عام لاستخراج الجبس ومعادن أخرى، وقد توغلوا قرابة 32 كيلومترًا باستخدام المشاعل فقط.
مع بداية القرن التاسع عشر، تحوّل الكهف إلى معلم سياحي بارز. وفي عام 1842، رسم المرشد المستعبَد ستيفن بيشوب أول خريطة له من الذاكرة. أما المحاولة الجادة لرسم خريطة كاملة للكهف، فلم تبدأ إلا في خمسينيات القرن العشرين.
وفي 9 سبتمبر/ أيلول 1972، تمكّن فريق من المستكشفين من الربط بين كهف الماموث وكهوف فلينت ريدج، ما ضاعف طوله إلى أكثر من 232 كيلومترًا، لتتوالى بعدها الاكتشافات.
يقول تايلور: "رسم خريطة لكهف طويل جدًا جهد جماعي يستغرق أحيانًا أجيالًا". واليوم ما زال المستكشفون يكتشفون ممرات جديدة في الماموث، الذي يجذب أكثر من نصف مليون زائر سنويًا.
أوكس بيل ها وساك أكتون – المكسيك
في شبه جزيرة يوكاتان المكسيكية، تنتشر "السينوتات"؛ وهي حفر عميقة مليئة بمياه زرقاء صافية تشكّلت بنفس آلية تحلل الحجر الجيري. قبل نحو 18 ألف عام، غمرت مياه البحر الممرات الجوفية وحوّلتها إلى أكبر أنظمة كهوف تحت الماء في العالم.
وتُعدّ السينوتات القريبة من مدينة تولوم المايا القديمة من المعالم السياحية الشهيرة للسباحة أو الغوص السطحي. كما أنها تُمثّل نقاط دخول إلى أنظمة كهوف ضخمة تحت الماء لا يُمكن الوصول إليها إلا من قبل غواصي الكهوف المدرّبين والمُعتمدين.
وكهف "أوكس بيل ها" الذي يمتد لمسافة 496 كيلومترًا تحت الشعاب المرجانية والغابات والمستنقعات، هو أكبر كهوف يوكاتان تحت الماء ويمكن الوصول إليه عبر عشرات الكهوف المائية المترابطة. أما ثاني أكبر شبكة كهوف تحت الماء فهو كهف ساك أكتون (الكهف الأبيض) القريب، والذي يبلغ طوله حاليًا 376 كيلومترًا.
كلا الكهفين كان جافًا في الماضي، لذا يضمان هوابط وصواعد ورواسب كهفية مميزة.
كهف شوانغي – الصين
تقع مقاطعة قويتشو جنوب الصين، وتُعرف بـ"مملكة الكهوف"، وهي منطقة كارستية كلاسيكية، حيث نحتت ملايين السنين من عوامل التعرية الحلزونية معالم جيولوجية كالأبراج والحفر والكهوف.
هناك اكتشف أحد المزارعين في ثمانينيات القرن الماضي مدخلًا لكهف شوانغي، الذي يبلغ طوله اليوم 299.5 كيلومترًا، وهو الأطول في آسيا.
يضم الكهف 115 مدخلًا منفصلًا، خمسة أنهار تحت الأرض، وشلالات وغرفًا هائلة. كما اكتُشفت فيه أنواع فريدة من الكائنات كسمك الكهوف العمياء، إضافة إلى بقايا متحجرة لعشرات من الباندا العملاقة.
ويُعد كهف شوانغي أيضًا موطنًا لبعضٍ من الحيوانات الفريدة التي تعيش في الكهوف (المعروفة باسم "التروجلوبيتس")، مثل الأسماك العمياء والضفادع الحمراء المرقطة ذات الأسنان، بحسب منظمة اليونيسكو.
كما اكتشف العلماء عشراتٍ من بقايا الباندا العملاقة المتحجرة في أعماق الكهف، بعضها يعود تاريخه إلى 100,000 عام.
كهف الجوهرة وكهف الرياح – الولايات المتحدة
في منطقة بلاك هيلز بولاية ساوث داكوتا، يمتد كهف الجوهرة لمسافة 354.8 كيلومترًا، وكهف الرياح لمسافة 270 كيلومترًا. تشكّلا بفعل مياه حمضية غنية بالكبريت صعدت من أعماق الأرض.
كهف الجوهرة سُمّي بهذا الاسم لكثرة بلورات الكالسيت المتلألئة فيه. أما كهف الرياح، الذي يعود عمره إلى نحو 300 مليون سنة، فيضم تكوينات مذهلة مثل "زهور الجبس" و"شجيرات الهليكتيت".
كما يحتوي كهف الرياح على "هياكل خشبية" أكثر من جميع الكهوف الأخرى على الأرض مجتمعة. تشكّلت الأشكال الهندسية اللافتة للنظر على أسقف الكهف داخل شقوق رواسب الجبس التي تآكلت منذ زمن طويل.
وفقًا لدراسات الضغط الجوي، لم تُرسم خرائط سوى 5 إلى 10% من كهفي الجزهرة وكهف الرياح، مما يعني أنه لا يزال من المحتمل العثور على آلاف الأميال الإضافية من الممرات والحجرات.
كهف أوبتيميستيتشنا – أوكرانيا
بطول 264.4 كيلومترًا، يُعتبر أطول كهوف أوروبا وأكبر كهف جبس في العالم.
اكتُشف عام 1966 ولم يُفتح أمام المستكشفين الغربيين إلا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات.
وفي العقود الأخيرة فقط، بدأ مستكشفو الكهوف برسم خرائط لأعماق هذا العملاق الجبسيّ، وهو نوع نادر من الكهوف تشكّل في طبقة أفقية من الجبس بسمك 18 مترًا تحت غطاء من الحجر الجيري.
ويضم ممرات ضيقة مبطنة برواسب الجبس المتلألئة، إضافة إلى بحيرات جوفية. وهو لا يشهد تدفقًا سياحيًا كبيرًا، ويُستكشف غالبًا عبر شركات محلية.