في يوم الأرض، لا تبدو أزمة المياه ملفًا بيئيًا بعيدًا، إنما واقعًا يوميًا يضغط على حياة ملايين البشر حول العالم.
يعيش مليارات الأشخاص حول العالم تحت ضغط شحّ المياه، بعدما تحوّلت هذه المادة الأساسية في عدد متزايد من الدول من مورد يومي متاح إلى ثروة نادرة تُقنَّن بطرق غير مألوفة، وتُسرق أحيانًا، ويُنظر إليها كما لو أنّها كنز قد يختفي في أي لحظة.
في هذه الدول، لم تعد ندرة المياه أزمة بيئية عابرة، فقد صارت ظاهرة معقّدة ذات أبعاد إنسانية واقتصادية واجتماعية لافتة، وتفرض على الناس أنماط عيش قاسية وتدابير استثنائية لتأمين الاحتياجات الأساسية.
ودفعت هذه الأزمة بعض الدول إلى استنزاف خزّانات مياه جوفية قديمة جدًا، والاعتماد على مصادر تشكّلت عبر آلاف السنين، في مشهد يكشف حجم الاختلال بين الموارد المتاحة والطلب المتزايد عليها.
10 دول تواجه محنة غريبة بسبب شحّ المياه
في هذه القائمة، نستعرض عشر دول لا يُعدّ فيها نقص المياه مشكلة خدمية فقط، إذ تحوّل إلى أزمة يومية قاسية مليئة بالمفارقات.
ففي هذه الأماكن، يحتاج البقاء إلى قدر كبير من الصبر والتكيّف والابتكار، لأن اختفاء المياه يربك كل تفاصيل الحياة.
1- اليمن.. أزمة وجودية
يُعدّ اليمن من أكثر الدول تضررًا من شحّ المياه. فسنوات الصراع، وتراجع هطول الأمطار، والاستنزاف المستمر للمياه الجوفية، اجتمعت لتنتج واقعًا يقترب من صراع يومي من أجل البقاء.
وفي العاصمة صنعاء، يجري استنزاف المياه الجوفية بوتيرة سريعة، ما يهدّد بنضوبها.
أما في المناطق الريفية، فتواجه المجتمعات ظروفًا أشد قسوة، مع جفاف قنوات الري وتلف المحاصيل وتراجع القدرة على تأمين المياه للاستخدامات الأساسية.
وأصبحت ندرة المياه في اليمن عاملًا يدفع إلى النزوح والهجرة ويزيد التوترات المحلية، وسط تحذيرات متواصلة من تفاقم الأزمة.
2- تشيلي.. الجفاف في قلب الصحراء
تشتهر تشيلي بتنوّعها الطبيعي الكبير، من الجبال الوعرة إلى البساتين الخضراء، وصولًا إلى صحراء أتاكاما، إحدى أكثر مناطق العالم جفافًا.
وفي أتاكاما، تُعدّ المياه موردًا شديد الندرة، إذ قد تمر سنوات من دون هطول أمطار، فيما تبدو الأنهار أقرب إلى جداول محدودة. وتزداد الضغوط على الموارد المائية بفعل الأنشطة التعدينية، ما يفتح نزاعات متكررة حول حقوق المياه ويزيد صعوبة الحياة اليومية للسكان.
ويحاول المزارعون زراعة محاصيلهم في تربة شديدة الجفاف، فيما تقطع عائلات مسافات طويلة لتأمين كميات محدودة من المياه للطبخ والشرب. كما تُعدّ حقوق المياه في بعض المناطق موضع خلاف حاد، بما يفاقم التوترات ويطيل أمدها.
وعلى الرغم من أنّ تشيلي غنية نسبيًا، إلا أنّ الجغرافيا والمناخ لا يُحابيان أحدًا. فقد مرّت على بعض مناطق أتاكاما عقود من دون هطول أمطار، ما يجعل البقاء على قيد الحياة تحديًا مستمرًا.
3- السعودية.. حلول مكلفة في بيئة قاحلة
من الأرشيف - فقرة من "شبابيك" حول الأمن المائي في السعودية
في ظل ندرة الأنهار والبحيرات الطبيعية، لجأت السعودية إلى حلول غير تقليدية لتأمين المياه ومعالجة آثار الشحّ.
وتعتمد مدن مثل الرياض وجدة بدرجة كبيرة على محطات تحلية المياه والمياه الجوفية العميقة لتلبية الطلب المتزايد.
وفي الوقت نفسه، يزرع المزارعون القمح ومحاصيل أخرى في بيئة شبه صحراوية، مستخدمين موارد مائية محدودة وثمينة في نشاط زراعي يثير أسئلة دائمة حول الاستدامة. والنتيجة مشهد لافت: صحراء قاحلة في الخارج، وحقول خضراء في الداخل، مقابل تراجع تدريجي في المخزون الجوفي الذي تعتمد عليه هذه الدورة بأكملها.
وخلال السنوات الأخيرة، قلّصت السلطات بعض الأنشطة الزراعية نتيجة المخاوف من استنزاف المياه، في إشارة واضحة إلى صعوبة الاستمرار في هذا النموذج على المدى الطويل.
4- باكستان.. ضغط متزايد على الموارد
على الرغم من أنّ باكستان تمتلك أنهارًا كبيرة أسهمت تاريخيًا في دعم الزراعة، فإنها تواجه اليوم أزمة مياه متفاقمة بسبب النمو السكاني، وضعف البنية التحتية، وتهالك أنظمة الري، إلى جانب التغيرات المناخية وذوبان الأنهار الجليدية تدريجيًا.
وفي مدن مثل كراتشي ولاهور، تتعامل الأسر مع المياه بوصفها موردًا نادرًا ومتقلبًا. وتنتشر خزانات المياه فوق أسطح المنازل، كما يعتمد كثيرون على الصهاريج وشاحنات نقل المياه، فيما تُرتّب العائلات تفاصيل يومها وفق مواعيد وصولها.
أما في المناطق الزراعية، فيواجه المزارعون ظروفًا أكثر صعوبة، مع انخفاض منسوب قنوات الري أو جفافها، وذبول المحاصيل تحت أشعة الشمس، إلى درجة يصبح فيها الري في بعض الأحيان مسألة حظ أكثر منه خدمة منتظمة، ما ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي.
وتُعدّ باكستان اليوم من أكثر دول العالم معاناة من شحّ المياه، بعدما أصبح الوصول إلى الماء تحديًا يوميًا في مناطق واسعة منها.
5- الهند.. أزمة مركّبة بين الطبيعة والبشر
لطالما شكّلت الأنهار عصب الحياة في الهند عبر قرون طويلة، غير أنّ هذا التوازن بات يتعرض لضغوط كبيرة مع اضطراب الأمطار الموسمية، واستنزاف المياه الجوفية، وتفاقم التلوث في كثير من المجاري المائية.
وفي مدن مثل مومباي وبنغالور، يعاني السكان من انقطاع المياه وعدم انتظام الإمدادات، في ظل استنزاف المصادر الجوفية وتقلّب مواسم الأمطار. لذلك، تلجأ العائلات إلى تخزين المياه في خزانات خاصة أو شرائها من الباعة المتجولين.
وفي المقابل، يواجه المزارعون جفاف الآبار، وتعطّل بعض أنظمة الري، وتراجعًا في الإنتاج الزراعي. كما تتفاوت فرص الوصول إلى المياه بوضوح بين الأحياء الغنية والفقيرة.
وأجبرت هذه الأزمة السكان على ابتكار حلول يومية، مثل تقاسم المياه بين الجيران، ووضع خطط تقنين طارئة، والبحث عن مصادر بديلة. وقد واجهت مدن عدة، منها تشيناي، سيناريوهات قريبة من "يوم الصفر" حيث تجفّ الصنابير تمامًا.
6- العراق.. تراجع دور الأنهار التاريخية
من الأرشيف - بلاد دجلة والفرات تواجه أزمة شحّ المياه
اعتمد العراق تاريخيًا على نهري دجلة والفرات بوصفهما المصدر الرئيس للمياه، لكن انخفاض المنسوب بسبب السدود، وسنوات الصراع، والتغيرات المناخية، أثّر بشدة على الإمدادات المتاحة.
وفي العاصمة بغداد، يعاني السكان من انقطاعات متكررة في المياه، ما يدفع كثيرين إلى تخزينها في خزانات وبراميل لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات.
وفي الوقت نفسه، تواجه الزراعة تحديات متزايدة مع النمو السكاني والتوسع العمراني، فضلًا عن مشكلات التلوث، إذ تجعل المخلفات الصناعية ومياه الصرف الصحي غير المعالجة والتسرّبات المالحة في بعض المناطق قسمًا من المياه المتاحة غير صالح للشرب أو للاستخدام الآمن.
7- لبنان.. أزمة مياه رغم الموارد الطبيعية
من الأرشيف - مياه الشرب تتحوّل إلى أزمة حقيقية في لبنان
في لبنان، يبدو الوصول إلى المياه أحيانًا أشبه بلعبة حظ. فعلى الرغم من الأنهار والأمطار، يعاني البلد من نقص مزمن يجعل كل قطرة ذات قيمة كبيرة.
وفي العاصمة بيروت، تصل المياه وفق جداول غير منتظمة، ما يدفع السكان إلى الاعتماد على خزانات الأسطح ومصادر بديلة لتعويض النقص.
وتزداد الأزمة تعقيدًا خارج المدن أيضًا، مع تهالك البنية التحتية، وارتفاع الطلب، وسوء الإدارة، ما يجعل وفرة الموارد الطبيعية غير كافية لضمان خدمة مستقرة.
وقد باتت الفوارق واضحة بين حي وآخر ومنطقة وأخرى، فيما يضطر بعض السكان إلى اللجوء إلى الآبار أو وسائل ري بدائية أو ترتيبات محلية مع الجيران لتقاسم الموارد المتاحة.
وهكذا، تتحول المياه في لبنان من مورد يُفترض أن يكون متاحًا إلى مسألة يومية معلّقة بين الحظ والقدرة على التدبير.
8- ليبيا.. مشروع ضخم بمستقبل غير مضمون
من الأرشيف - شبح الجفاف يحاصر ليبيا ومخاوف من انهيار القطاع الزراعي
قد ترتبط صورة ليبيا لدى كثيرين بالصحراء الواسعة والآثار القديمة، لكن خلف هذا المشهد يقف أحد أضخم مشاريع المياه في العالم، وهو "النهر الصناعي العظيم".
ويقوم هذا المشروع على شبكة هائلة من الأنابيب والقنوات تمتد لمسافات طويلة، وتنقل المياه الجوفية من أعماق الصحراء إلى المدن والمناطق المأهولة.
غير أنّ المشكلة الأساسية تكمن في أنّ هذه المياه غير متجددة، أي أنّها تعتمد على مخزون قديم يتراجع مع الوقت. ومع الأعطال ونقص الوقود وأعمال التخريب المتكررة، يصبح الوصول إلى المياه تحديًا يوميًا لدى كثير من السكان.
كما أصبحت خزانات المياه على أسطح المنازل، والآبار، والصهاريج، جزءًا أساسيًا من وسائل التكيّف في بلد نادر الأمطار.
وبفضل هذا المشروع، أمكن الحفاظ على مستوى من الاستقرار المائي والزراعي في بيئة صحراوية شديدة القسوة، إلا أنّ استمراره يظل مرتبطًا بقدرة الدولة على الصيانة والإدارة وتوفير بدائل أكثر استدامة.
9- المكسيك.. مدينة تغرق بسبب العطش
في العاصمة المكسيكية، تبدو أزمة المياه شديدة التعقيد. فمكسيكو سيتي تعاني من الإفراط في ضخ المياه الجوفية، ما يؤدي إلى هبوط الأرض بشكل غير متساوٍ في عدد من المناطق.
ويجعل هذا الواقع المدينة تواجه مفارقة قاسية: نقصًا متزايدًا في المياه من جهة، وأضرارًا عمرانية وبنيوية ناتجة عن استنزاف المخزون الجوفي من جهة أخرى.
أما في المناطق الريفية المحيطة، فيواجه المزارعون ظروفًا أكثر صعوبة، مع جفاف قنوات الري ومحاصيل تكافح للبقاء في بيئة تزداد هشاشة عامًا بعد آخر.
10- الأردن.. عندما تصل المياه وفق جدول صارم
في الأردن، لا تصل المياه عند الطلب، إذ تخضع في كثير من المناطق لنظام تقنين صارم يجعل وصولها حدثًا أسبوعيًا ترتّب العائلات حياتها على أساسه.
وفي معظم أنحاء البلاد، تتعامل الأسر مع المياه باعتبارها موردًا يجب الاستعداد له مسبقًا، فتُجهّز الخزانات والحاويات، وتنتظر موعد الضخ على أمل أن يكون كافيًا.
وفي مدن مثل عمّان، تُضخ المياه وفق جداول زمنية محددة، لذلك تنتشر خزانات المياه على أسطح المنازل، ويُسارع السكان إلى تخزين أكبر كمية ممكنة عند وصولها.
أما في المناطق الريفية، فتعتمد بعض القرى على صهاريج المياه التي تصل بصعوبة، ولا تلبّي دائمًا الحاجة الفعلية.
ولمواجهة هذا النقص، ترتبط المملكة بترتيبات واتفاقات مائية إقليمية، من بينها ما يتعلق بنهر اليرموك، أحد أبرز الموارد المائية المشتركة في المنطقة، في ظل ضغوط متزايدة على كل مصادر المياه المتاحة.