الأربعاء 19 أغسطس / أغسطس 2026
Close

بين إيران والخليج.. كيف أدارت الصين اختبار الحرب؟

بين إيران والخليج.. كيف أدارت الصين اختبار الحرب؟

شارك القصة

جمعت الصين بين دعم سيادة إيران والحفاظ على علاقاتها الخليجية، من دون التحول إلى طرف أمني مباشر في الحرب
جمعت الصين بين دعم سيادة إيران والحفاظ على علاقاتها الخليجية، من دون التحول إلى طرف أمني مباشر في الحرب - غيتي
جمعت الصين بين دعم سيادة إيران والحفاظ على علاقاتها الخليجية، من دون التحول إلى طرف مباشر في الحرب
الخط
وضعت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران الصين أمام اختبار معقد بين شراكتها مع طهران ومصالحها الواسعة في الخليج. ويحلل اللواء الركن المتقاعد محمد علي الصمادي حدود الموقف الصيني، والدروس العسكرية للحرب، والمسارات المقبلة لدور بكين في المنطقة.
حين بدأت الضربات الأميركية–الإسرائيلية الواسعة على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ثم دخلت المواجهة خلال يونيو/حزيران مرحلة جديدة من الهدن الهشة وتجدد العمليات، وجدت الصين نفسها أمام اختبار عملي لسياستها في الشرق الأوسط.

شكّلت المواجهة الإسرائيلية–الإيرانية في يونيو/حزيران 2026 اختبارًا مهمًا للسياسة الخارجية الصينية، ليس فقط لأنها وضعت بكين أمام أزمة إقليمية عالية الحساسية، بل لأنها أعادت طرح سؤال أوسع يتعلق بموقع الصين في بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

فالصين لم تعد تُصنَّف بوصفها قوة اقتصادية بعيدة نسبيًا عن بؤر التوتر، بل باتت مصالحها مرتبطة، على نحو متزايد، باعتبارات جيوسياسية تشمل أمن الطاقة، واستقرار الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد العالمية، ومشروعات الربط العابرة للحدود.

في هذا السياق، تبرز إيران بوصفها فاعلًا استراتيجيًا ذا أهمية متعددة الأبعاد بالنسبة للصين، حيث تُدار العلاقة ضمن منطق براغماتي قائم على تبادل المصالح وتلاقي الضرورات الاقتصادية والجيوسياسية، أكثر مما تقوم على التزامات أمنية صلبة أو اصطفاف سياسي ثابت.

وقد وضعت هذه الحرب صانع القرار الصيني أمام معادلة معقدة تقوم على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الشراكة مع إيران من جهة، وتجنب الإضرار بالعلاقات المتنامية مع دول الخليج من جهة أخرى، مع الحرص، في الوقت نفسه، على عدم الانخراط المباشر في الصراع أو الظهور بمظهر الطرف المنحاز.

ويعكس هذا السلوك حدودًا نسبية في أدوات الصين لإدارة الأزمات الأمنية، مقارنة بثقلها الاقتصادي المتنامي في الإقليم.


تفترض هذه الدراسة أن السلوك الصيني خلال الأزمة يمكن تفسيره في إطار استراتيجية التحوط البراغماتي، المقيَّدة بعمق المصالح الاقتصادية مع الخليج، بوصفها نمطًا لإدارة المخاطر السياسية عبر تجنب الاصطفاف الحاد، مع الحفاظ على هامش مرتفع من المرونة الدبلوماسية والاقتصادية.
حافظت الصين على شراكتها مع إيران خلال الحرب، من دون تحويلها إلى التزام أمني مباشر
حافظت الصين على شراكتها مع إيران خلال الحرب، من دون تحويلها إلى التزام أمني مباشر - غيتي

الإطار النظري

تعتمد الدراسة مقاربة واقعية تركيبية، تفترض أن السلوك الصيني يتأرجح بين الدفاع عن المصالح الحيوية القائمة والسعي إلى توسيع النفوذ عبر الأدوات الاقتصادية، ضمن إطار تحوطي يهدف إلى تقليل المخاطر، وتوسيع هامش المناورة، مع تجنب الانخراط الأمني المباشر.

ولا تنظر الدراسة إلى العلاقة الصينية–الإيرانية بوصفها تحالفًا أيديولوجيًا أو اصطفافًا ثابتًا، بل باعتبارها علاقة انتقائية تُدار وفق اعتبارات المصلحة وكلفة الفرصة البديلة. وعليه، يُفهم السلوك الصيني خلال الحرب باعتباره إدارة لشبكة معقدة من العلاقات متعددة الأطراف والمصالح المتشابكة، أكثر من كونه التزامًا سياسيًا أو أمنيًا تجاه إيران.

وتعتمد الدراسة على تحليل الخطاب الرسمي الصيني، والأنماط الاقتصادية والتقنية للسلوك، والتفاعلات الإقليمية المرتبطة بموقف بكين من الصراع. كما يُفسَّر هذا السلوك ضمن إطار التحوط الاستراتيجي (Strategic Hedging)، الذي يسمح للدول بتوسيع خياراتها وتجنب الاصطفاف الحاد بين القوى المتنافسة.

ولا تتعامل الدراسة مع هذه المقاربات بوصفها أطرًا تفسيرية متنافسة، وإنما باعتبارها مستويات تحليل متكاملة تفسر أبعادًا مختلفة من السلوك الصيني ضمن إطار تفسيري واحد.

ورغم أهمية مقاربة التحوط الاستراتيجي، فإن بعض الأدبيات البديلة تقترح تفسيرًا أقرب إلى مفهوم الحياد الانتقائي، الذي قد يقترب، في بعض الحالات، من شكل من أشكال الانحياز غير المعلن.


السلوك الصيني: بين الحياد الدبلوماسي والانحياز للمصلحة


في الخطاب الرسمي خلال الحرب، حرصت الصين على تقديم نفسها بوصفها قوة مسؤولة تدعو إلى وقف إطلاق النار، وضبط النفس، وحماية الملاحة الدولية، والعودة إلى الحلول السياسية.

ويعكس هذا الخطاب إدراكًا صينيًا بأن الانخراط المباشر في الأزمة من شأنه أن يضعف قدرة بكين على لعب دور الوسيط، ويعرضها لضغوط أميركية وغربية متزايدة. لذلك اتسم الخطاب الدبلوماسي بالحذر الشديد، مع اقترابه من الموقف الإيراني في مسألة السيادة ورفض الهجمات، من دون أن يتحول ذلك إلى التزام أمني مباشر.

غير أن هذا الحذر لا ينفي وجود تفضيلات استراتيجية غير معلنة؛ إذ تتعامل الصين مع إيران بوصفها فاعلًا جيوسياسيًا ذا قيمة استراتيجية ينبغي الحفاظ عليه ضمن حدود لا تتعارض مع مصالحها الأوسع.

وعليه، لا يمكن وصف هذا السلوك بأنه حياد مطلق وفق المعايير التقليدية، بل يُفهم كصيغة وظيفية من الحياد المقيَّد، تُدار من خلال موازنة دقيقة بين المصالح المتعارضة.


الحياد الدبلوماسي وحدود الوساطة الصينية

لم تسعَ الصين إلى لعب دور الوسيط الحاسم بقدر ما سعت إلى تعزيز صورتها بوصفها قوة داعمة للتهدئة ومنع التصعيد.

وينسجم ذلك مع نمط سياستها في الشرق الأوسط، القائم على الدبلوماسية الهادئة، وتوسيع الاعتماد الاقتصادي، وتجنب الالتزامات الأمنية المباشرة.

وبالتالي، تُستخدم الوساطة أداة نفوذ سياسي منخفضة الكلفة، وليست بديلًا من القوة الصلبة.


كيف وزعت الصين موقفها؟

الدوافع الصينية للحفاظ على الشراكة مع إيران

تحتل إيران موقعًا محوريًا في الحسابات الاستراتيجية الصينية لأسباب تتجاوز البعد السياسي المباشر. فهي تمثل مصدرًا مهمًا للطاقة، ولا سيما في ظل العقوبات التي تتيح لبكين الاستفادة من واردات النفط الإيراني، بما يمنح العلاقة مع طهران بعدًا اقتصاديًا ملموسًا، في إطار ترتيبات غير رسمية تتأثر بالعقوبات الدولية.

كما تشكل إيران جزءًا من شبكة أوسع من الاعتماد المتبادل التي تسعى الصين إلى توظيفها في تأمين احتياجاتها طويلة المدى.

وفي ضوء موقعها الرابط بين الخليج وآسيا الوسطى والمحيط الهندي، تمثل إيران عقدة جيوسياسية مهمة في التصور الاستراتيجي الصيني. وهذا الموقع يمنحها أهمية خاصة في التصورات الصينية المتصلة بمبادرة الحزام والطريق، وبخاصة فيما يتعلق بالربط بين الممرات البرية والبحرية، وتخفيف الاعتماد على الممرات الأكثر هشاشة.

وبالتالي، يُعد الحفاظ على علاقة مستقرة مع طهران جزءًا من مقاربة صينية أوسع تهدف إلى تنويع الخيارات الجيوسياسية وتقليل المخاطر.

إضافة إلى الطاقة والجغرافيا، تؤدي إيران وظيفة سياسية واقتصادية متزايدة الأهمية في الرؤية الصينية للنظام الإقليمي. فمن جهة، تتيح لبكين هامشًا أوسع للمناورة في مواجهة النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، تمثل شريكًا مهمًا في الجهود الصينية الرامية إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التسويات التجارية، وتقليل الاعتماد على الدولار، بما ينسجم مع رؤية بكين لإعادة تشكيل جزء من البنية المالية الدولية بصورة أكثر تعددية.

إضافة إلى الطاقة والجغرافيا، تؤدي إيران وظيفة سياسية واقتصادية متزايدة الأهمية في الرؤية الصينية للنظام الإقليمي. فمن جهة، تتيح لبكين هامشًا أوسع للمناورة في مواجهة النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى تمثل شريكًا مهمًا في الجهود الصينية الرامية إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التسويات التجارية، وتقليل الاعتماد على الدولار، بما ينسجم مع رؤية بكين لإعادة تشكيل جزء من البنية المالية الدولية بصورة أكثر تعددية.
لماذا تهمّ إيران الصين؟

الغموض المؤسسي والتقني والتحوط الاستراتيجي


أشارت تقارير صادرة عن وزارتي الخزانة والتجارة في الولايات المتحدة، إلى جانب دراسات لمراكز بحثية ومنظمات دولية ووسائل إعلام متخصصة، إلى وجود شركات صينية أو كيانات مسجلة في هونغ كونغ ضمن شبكات توريد لمكونات ذات استخدام مزدوج مرتبطة بإيران.

غير أن هذه المعطيات، على أهميتها التحليلية، لا تقدم دليلًا قاطعًا على وجود توجيه حكومي صيني مباشر لهذه الأنشطة أو انخراط رسمي في دعم عسكري، بل تعكس، في المقابل، تعقيد شبكات التجارة العابرة للحدود، وتعدد الوسطاء، واتساع المساحات الرمادية بين النشاط التجاري المشروع وغير المشروع.

وفي هذا السياق، يمكن فهم ما يُشار إليه بالغموض المؤسسي والتقني بوصفه نمطًا لإدارة الغموض وعدم اليقين في مستويات المسؤولية والرقابة، بما يتيح استمرار قنوات اقتصادية وتكنولوجية غير مباشرة من دون التزام رسمي معلن.

ويسمح هذا النمط للصين بتعظيم هامش المناورة الاستراتيجية، من خلال الجمع بين الحفاظ على علاقات اقتصادية مع أطراف خاضعة للعقوبات، وتجنب الانخراط المباشر أو تبني مواقف قد تُفسَّر على أنها انحياز إلى طرف بعينه.

ورغم ما قد يترتب على هذا النهج من تراجع نسبي في مستويات الثقة لدى بعض الفاعلين الدوليين، فإنه يظل خيارًا أقل كلفة مقارنة بالانخراط المباشر أو الانحياز العلني، خاصة في بيئة إقليمية شديدة الحساسية والتقلب.

ومع ذلك، لا يخلو هذا التفسير من حدود؛ إذ يرى بعض الباحثين أن السلوك الصيني قد لا يعكس تحوطًا استراتيجيًا بقدر ما يعكس محدودية الأدوات الأمنية الصينية، الأمر الذي يجعل بكين مضطرة إلى تبني خطاب الحياد نتيجة نقص القدرة، أكثر من كونه خيارًا استراتيجيًا خالصًا.

إلا أن هذه الدراسة ترجح التفسير الأول، بالنظر إلى اتساق هذا السلوك مع السياسة الصينية في أزمات إقليمية أخرى.


أين تنتهي مسؤولية الشركة وتبدأ مسؤولية  الدولة

محددات النفوذ الصيني


رغم اتساع الدور الاقتصادي الصيني في الشرق الأوسط، فإن قدرة بكين على تحويل هذا الدور إلى نفوذ أمني لا تزال محدودة نسبيًا.

فالصين لا تمتلك، حتى الآن، بنية انتشار عسكري خارجية أو شبكة تحالفات دفاعية تضاهي تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة، كما تعتمد معظم دول المنطقة، بدرجات متفاوتة، على الضمانات الأمنية الأميركية.

وبذلك، تظل الصين قوة اقتصادية ذات تأثير سياسي متزايد، لكنها لم تتحول بعد إلى ضامن أمني إقليمي.

ويشير ذلك إلى أن الصين تستطيع توظيف قوتها الاقتصادية لتوسيع حضورها السياسي، لكنها لا تزال مترددة في تحمّل كلفة الأمن الإقليمي.

ومن هنا، يظل حضورها في الأزمات الكبرى حضورًا محسوبًا يوازن بين الطموح والحذر. وخلال الأزمة، فضّلت بكين موقع المتابع الداعم للتهدئة بدلًا من موقع الفاعل الأمني المنخرط مباشرة.


الرسائل الصينية إلى الخليج والولايات المتحدة


سعت الصين إلى طمأنة دول الخليج عبر خطابها الدبلوماسي، مؤكدة عدم سعيها إلى تشكيل محور إقليمي مع إيران على حساب شركائها الخليجيين.

ويعكس ذلك إدراكًا صينيًا لأهمية دول الخليج بوصفها شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا في مجالات الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا.

وفي المقابل، حمل الموقف الصيني رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن بكين أصبحت فاعلًا لا يمكن تجاهله في الشرق الأوسط، من دون أن يعني ذلك السعي إلى استبدال الدور الأميركي أو موازنته مباشرة.

ولذلك، ظل الخطاب الصيني محصورًا في الدعوة إلى التهدئة، وحماية حرية الملاحة الدولية، وتهيئة الظروف للتفاوض.


إيران والحليج في الحسابات لصينية

الدروس العسكرية والاستراتيجية


لا تقتصر انعكاسات الحرب على السياسة الخارجية الصينية، بل تمتد أيضًا إلى التفكير العسكري والاستراتيجي داخل المؤسسة الدفاعية الصينية.

شكّلت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران فرصة مهمة للمؤسسة العسكرية الصينية لرصد اتجاهات الحرب الحديثة واستخلاص دروس تتجاوز السياق الإقليمي المباشر، خاصة في ظل تزايد اعتماد الصراعات المعاصرة على العمليات متعددة المجالات.

وقد أبرزت الحرب، من منظور صيني، أهمية التكامل بين القدرات التقليدية، مثل الصواريخ والمدفعية، والقدرات غير التقليدية، مثل الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والاستخبارات الفورية، وهو ما يعزز التوجه الصيني نحو تطوير مفهوم الحرب المنظومية، الذي يقوم على دمج النيران الدقيقة مع السيطرة المعلوماتية والقيادة الشبكية.

كما وفّرت الحرب مؤشرات عملية حول فاعلية التفوق الجوي التقليدي وحدوده أمام خصوم يستخدمون أساليب هجينة وغير متناظرة، الأمر الذي يعزز اهتمام بكين بتقوية قدرات الردع المتعددة الطبقات وتطوير منظومات الدفاع الجوي المدمج.

ومن جهة أخرى، كشفت الحرب أن الحسم في النزاعات الحديثة لا يعتمد فقط على كثافة النيران أو امتلاك تكنولوجيا متقدمة، بل على سرعة اتخاذ القرار، وكفاءة أنظمة القيادة والسيطرة، والقدرة على الحفاظ على استمرارية العمليات تحت الضغط.

ويُرجّح أن تعزز هذه الدروس اهتمام الصين بالذكاء الاصطناعي العسكري، والحرب القائمة على البيانات، وتكامل الفروع العسكرية ضمن منظومة قيادة موحدة، بما يدعم قدرتها على إدارة صراعات عالية الشدة.

كما تعزز تجربة الحرب إدراك المؤسسة العسكرية الصينية لأهمية المرونة الصناعية الدفاعية، وقدرة الدولة على تعويض الخسائر في بيئات نزاع ممتد، وهو عنصر حاسم في التفكير الاستراتيجي الصيني المرتبط بالحروب طويلة الأمد.

وأخيرًا، تنظر بكين إلى هذه الحرب باعتبارها مختبرًا عمليًا غير مباشر لاختبار أنماط جديدة من الصراع، خصوصًا تلك التي تمزج بين الحرب التقليدية والرقمية والسيبرانية.

ومن المرجح أن تُقرأ هذه الدروس في سياق أوسع يشمل بيئات التنافس الاستراتيجي الأكثر حساسية بالنسبة إلى الصين، ولا سيما منطقة غرب المحيط الهادئ.

ومن ثم، فإن قيمة هذه الحرب بالنسبة إلى بكين لا تقتصر على نتائجها السياسية، بل تشمل ما وفرته من مادة تحليلية غنية يمكن الإفادة منها في تحديث العقيدة العسكرية الصينية، نحو مزيد من التكامل بين التكنولوجيا، والسرعة العملياتية، والسيطرة على المجال المعلوماتي بوصفها عناصر حاسمة في حروب المستقبل.


أبرز الدروس العسكرية

أثر الحرب في أمن الطاقة ومبادرة الحزام والطريق


كشفت الحرب الأخيرة عن تداخل متزايد بين أمن الطاقة العالمي واستقرار الممرات البحرية الحيوية، وهو تداخل ينعكس مباشرة على مستقبل مبادرة الحزام والطريق، ولا سيما في الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب، وإن كان ارتباط باب المندب يأتي ضمن الاضطراب الإقليمي الأوسع، لا ضمن مسرح الحرب الإيرانية وحده.

فقد أظهرت الأزمة درجة هشاشة الاعتماد الصيني على خطوط الملاحة البحرية، إذ تمثل هذه الخطوط المسار الرئيس لواردات الطاقة والتجارة الخارجية، ما يجعل تدفق الطاقة عرضة للتقلبات الجيوسياسية والأمنية في الإقليم.

وفي هذا السياق، تتعامل بكين مع هذه الإشكالية عبر مقاربة تقوم على تقليل المخاطر بدلًا من معالجتها أمنيًا بصورة مباشرة، من خلال دعم أمن الملاحة، وتنويع مصادر الطاقة، وتوسيع الاعتماد على الممرات البرية واللوجستية البديلة ضمن إطار الحزام والطريق.

ويعكس ذلك إدراكًا صينيًا متزايدًا بأن نجاح المبادرة لا يعتمد فقط على الربط الاقتصادي، بل أيضًا على القدرة على إدارة المخاطر الجيوسياسية في البيئات البحرية غير المستقرة.

وبالتالي، مثّلت الحرب عاملًا محفزًا لتسريع التوجه الصيني نحو تنويع مسارات الإمداد وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية، بما يعيد تشكيل التوازن بين البعدين البحري والبري في استراتيجيتها الجيواقتصادية.


الطاقة الصينية ونقاط الاختناق

السيناريوهات المستقبلية


يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية محتملة للسياسة الصينية تجاه إيران والشرق الأوسط، تُفهم بوصفها اتجاهات ترجيحية تحليلية، وليست توقعات حتمية أو حسابات احتمالية دقيقة.

  • يُعد السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحًا نسبيًا، استمرار سياسة التوازن القائمة على الحفاظ على الشراكة مع إيران، بالتوازي مع توسيع التعاون الاقتصادي والاستراتيجي مع دول الخليج، بما يعكس استمرار نهج التحوط وتقليل المخاطر في بيئة إقليمية غير مستقرة.
  • أما السيناريو الثاني، فيفترض اتجاهًا نحو تعزيز الدعم السياسي والاقتصادي غير المباشر لإيران في حال تصاعد الضغوط الأميركية على بكين وطهران، بما يدفع الصين إلى تعميق أدواتها غير المباشرة للحفاظ على نفوذها الإقليمي، من دون تجاوز العتبة الأمنية التي قد تفضي إلى مواجهة مباشرة.
  • في المقابل، يقوم السيناريو الثالث على احتمال تقليص مستوى الانخراط مع إيران تدريجيًا، إذا ارتفعت كلفة العلاقة مقارنة بعوائدها الاقتصادية والجيوسياسية، أو إذا تعرضت المصالح الصينية في أسواق الخليج لضغوط معتبرة.

ويظل سيناريو التوازن الأكثر قابلية للاستمرار في المدى المنظور، نظرًا إلى قدرته على المواءمة بين الاعتبارات الاقتصادية المرتبطة بالطاقة والأسواق الخليجية، والاعتبارات الجيوسياسية المرتبطة بإيران.

ومع ذلك، فإن ترجيح أي من هذه المسارات يظل مرهونًا بثلاثة متغيرات رئيسية: مستوى التنافس الأميركي–الصيني، ودرجة الاستقرار الأمني في الخليج، واتجاهات العلاقة بين إيران والغرب.


ثلاثة مسارات امام الصين

خاتمة


تستند هذه الاستنتاجات إلى تحليل سلوكي استقرائي غير مباشر، في ظل محدودية البيانات الرسمية المتاحة حول بعض أبعاد العلاقة الصينية–الإيرانية، ما يستدعي قدرًا من الحذر التفسيري في قراءة السلوك الصيني.

وتشير النتائج إلى أن الصين لم تنحرف بصورة جوهرية عن نمط سياستها الخارجية التقليدية، بل أعادت توظيفه في سياق أزمة إقليمية حادة.

فقد اعتمدت بكين، في حدود ما تسمح به بنية النظام الدولي القائم، مزيجًا من الحياد الخطابي والتحوط الاستراتيجي والغموض البنّاء لإدارة التوازن بين أطراف متنافسة، من دون الانزلاق إلى التزامات أمنية مباشرة.

وتبين هذه النتائج أن الصعود الصيني في الشرق الأوسط لا يتجه نحو نموذج القوة العسكرية، بل نحو نموذج نفوذ اقتصادي–دبلوماسي محدود، يظل مقيدًا بالبنية الأمنية الدولية التي ما تزال تهيمن عليها الولايات المتحدة.

وبذلك، تدعم نتائج الدراسة الفرضية الرئيسة، ومفادها أن بكين لم تنتهج سياسة الحياد المطلق ولا الانحياز الكامل، وإنما اعتمدت استراتيجية توازن براغماتي هدفت إلى حماية مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، مع تجنب الانخراط الأمني المباشر في الأزمات الإقليمية.

ولا تشير الأزمة إلى أن الصين بصدد التحول إلى قوة أمنية في الشرق الأوسط، لكنها تؤكد انتقالها التدريجي من قوة اقتصادية مستفيدة من النظام الإقليمي إلى قوة تسعى إلى التأثير في توازناته، من دون تحمل أعباء قيادته الأمنية.

ومن المرجح أن يستمر هذا النمط من الانخراط ما دامت كلفة بناء بديل أمني للنظام الإقليمي أعلى من العوائد الاستراتيجية المتوقعة بالنسبة إلى بكين.


تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من