في الخامس من يونيو/ حزيران 1967، تلقّى الجيش المصري واحدة من أقسى الهزائم في تاريخه الحديث. لم تكن النكسة خسارة عسكرية عابرة، إذ تحوّلت إلى لحظة فاصلة في علاقة مصر بجيشها، وفي طريقة بناء المؤسسة العسكرية وتدريبها وتسليحها وعقيدتها القتالية.
لكن تاريخ الجيش المصري لا يبدأ من تلك اللحظة، ولا ينتهي عندها. فمن جيوش مصر القديمة إلى جيش محمد علي، ومن الاحتلال البريطاني إلى حروب 1948 و1956 و1967 و1973، تكشف سيرة الجيش المصري مسارًا طويلًا من الصعود والانكسار وإعادة التشكّل.
وعبر أكثر من خمسة آلاف عام، تبدّل شكل الجيش المصري مرات كثيرة.
كان جيشًا فرعونيًا يحمي الحدود ويوسّع النفوذ، ثم أصبح جزءًا من منظومات عسكرية يونانية ورومانية وإسلامية، قبل أن يتحوّل في القرن التاسع عشر إلى جيش حديث على النمط الأوروبي.
ومع دخول القرن العشرين، واجه الجيش تحديات جديدة في ظل الاحتلال البريطاني، ثم استعاد دوره الوطني بعد ثورة يوليو/ تموز 1952، حين أصبح لاعبًا أساسيًا في بناء الدولة المصرية الحديثة، وفي تحديد موقعها الإقليمي والسياسي.
الجيش المصري القديم.. من حماية الدولة إلى بناء الإمبراطورية
يُعدّ الجيش المصري من أقدم الجيوش المنظمة في التاريخ، إذ نشأ مع توحيد مصر العليا والسفلى على يد الملك نارمر، المعروف أيضًا باسم مينا، نحو عام 3200 قبل الميلاد. ومنذ ذلك الحين، أصبح الجيش جزءًا أساسيًا من بنية الدولة المصرية، يحمي الحدود، ويؤمّن طرق التجارة، ويدعم سلطة الملك المركزية.
-
في عصر الدولة القديمة، اعتمد الجيش بدرجة كبيرة على التجنيد من الفلاحين، وكان يُستخدم لحماية البلاد من الغزوات، خصوصًا من الغرب والجنوب، ولتنفيذ حملات نحو النوبة وسيناء. واستخدم الجنود آنذاك أسلحة بسيطة نسبيًا، مثل الرماح والأقواس والدروع الجلدية، ضمن تنظيم عسكري كان يتطور بالتوازي مع تطور الدولة المركزية.
-
مع عصر الدولة الوسطى، تطور التنظيم العسكري، وأُنشئت وحدات دائمة بقيادة ضباط محترفين، حيث توسعت الحملات لتأمين طرق التجارة والسيطرة على المناجم ومناطق الذهب في الجنوب. ولم يعد الجيش مجرد قوة دفاعية، إذ تحوّل تدريجيًا إلى أداة سياسية واقتصادية في يد الدولة.
-
أما في عصر الدولة الحديثة، فقد بلغ الجيش المصري القديم ذروة قوته، وأصبح آلة حربية ضخمة تضم المشاة والعربات الحربية والقوات البحرية. واعتمد الملوك على الجيوش في بناء إمبراطورية امتدت من النوبة جنوبًا حتى نهر الفرات شمالًا.
وفي هذه المرحلة، برز تحتمس الثالث، الذي وُصف أحيانًا بـ"نابليون مصر القديمة"، بعد سلسلة طويلة من الحملات، أبرزها معركة مجدو. كما خاض رمسيس الثاني معركة قادش ضد الحيثيين عام 1274 قبل الميلاد، وهي من أشهر معارك العالم القديم.
لكن قوة الجيش المصري القديم لم تستمر بالوتيرة نفسها. فقد أدت الاضطرابات الداخلية والغزوات الأجنبية من الليبيين والنوبيين والآشوريين والفرس إلى تراجع قدرته تدريجيًا. وعلى الرغم من محاولات المصريين استعادة مجدهم في عصور النهضة المتأخرة، فإن البلاد سقطت أخيرًا بيد الإسكندر الأكبر عام 332 ق.م، لتبدأ مرحلة الحكم اليوناني البطلمي. (1)
العهدان اليوناني والروماني.. جيش مصر داخل منظومات إمبراطورية
في الفترة الممتدة بين 332 ق.م و641م، مرّ الجيش المصري بتحولات عميقة تعكس التغيرات السياسية والثقافية التي شهدتها البلاد منذ دخول الإسكندر الأكبر وحتى الفتح العربي الإسلامي. ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى فترتين أساسيتين: العصر البطلمي (اليوناني)، والعصر الروماني والبيزنطي.
الجيش المصري في العصر البطلمي
بعد دخول الإسكندر الأكبر مصر سنة 332 ق.م، أصبحت البلاد جزءًا من الإمبراطورية المقدونية، ثم أسّس خلفه بطليموس الأول الدولة البطلمية التي جمعت بين العناصر اليونانية والمصرية. وفي هذه المرحلة، تغيّر موقع الجيش في مصر، إذ لم يعد جيشًا وطنيًا خالصًا بالمعنى القديم، وإنما صار جزءًا من نظام حكم جديد تقوده نخبة يونانية-مقدونية.
تكوّن الجيش البطلمي في بداياته من المرتزقة الإغريق والمقدونيين الذين شكّلوا النواة الصلبة للقوات المسلحة، حيث أُضيف إليهم فيما بعد جنود مصريون، لا سيما بعد تزايد الحروب الداخلية. وظهر ما يُعرف بـ "الفيلاكات" (Phylakes)، أي الحاميات المحلية.
وكانت الخدمة العسكرية تُمنح مقابل امتيازات، منها الإعفاء من بعض الضرائب، ومنح الأراضي الزراعية للجنود وفق نظام الكليروس (klerouchia)، وهو ما ساهم في ربط الجيش بالسلطة السياسية والاقتصاد الزراعي للدولة البطلمية.
وتولّى الجيش حماية الحدود الجنوبية والشرقية من الغزوات النوبية والعربية، وشارك في حملات البحر المتوسط لحماية المصالح البطلمية في الشام والجزر الإغريقية واستخدمه الملوك البطالمة أيضًا لقمع الثورات المحلية في الصعيد، خصوصًا في فترات ضعف الدولة.
وفي تلك الفترة، تبنّى الجيش البطلمي الأساليب الإغريقية في القتال مثل تشكيلة الفالانكس (Phalanx) بالحراب الطويلة والدروع الكبيرة. ووُجدت أيضًا قوات فيلة الحرب والخيالة التي استخدمت بفعالية في المعارك الكبرى وكانت الإسكندرية مركزًا رئيسيًا لصناعة السلاح وتدريب الجند.
الجيش المصري في العصر الروماني والبيزنطي
بعد سقوط دولة البطالمة ودخول أغسطس قيصر مصر عام 30 ق.م، أصبحت البلاد ولاية رومانية تخضع مباشرة للإمبراطور، مما جعلها ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبرى. وخُصصت في مصر فيالق رومانية (Legiones Aegyptiacae)، أهمها الفيالق الثانية والعشرون ديوتاريا المتمركزة في الإسكندرية، إلى جانب حاميات أخرى في طيبة وبابل (الفسطاط لاحقًا).
ومُنع الرومان من تجنيد المصريين في الفيالق النظامية لفترة طويلة، ثم بدأوا بضمّهم إلى القوات المساعدة (Auxilia) بعد القرن الثاني الميلادي.
وفي العصر البيزنطي (من القرن الرابع فصاعدًا)، ازدادت نسبة العناصر المحلية في الجيش، وظهر تراجع تدريجي في الانضباط والتسليح. وكان الهدف الرئيسي من الوجود العسكري حماية طرق القمح والنيل التي كانت تغذي روما.
وواجه الجيش الروماني في مصر ثورات محلية متكررة، خاصة ثورة البكوات (البشموريين) في الدلتا، كما تصدّى لهجمات البدو والعرب في الصحراء الشرقية، وللغارات النوبية في الجنوب.
وقد أُنشئت شبكة من القلاع والتحصينات على طول النيل والطرق الصحراوية، مثل قلاع قفط وبابل، واعتمدت بيزنطة على الحاميات المحلية بعد ضعف مركزها في القسطنطينية في القرنين السادس والسابع.
وضعف الجيش المصري في أواخر العهد البيزنطي بسبب الفساد الإداري، والانقسام المذهبي بين الملكيين واليعاقبة، وتراجع ولاء الجنود المحليين. وعند دخول الجيش العربي الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص عام 641م، واجه مقاومة محدودة نسبيًا، ما أدى إلى سقوط مصر بسرعة في أيدي المسلمين. (2)
الجيش المصري في العصور الإسلامية.. من الفتح إلى المماليك
مرّ الجيش المصري في العصور الإسلامية بمراحل متعددة تعكس التحولات السياسية التي شهدتها مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى الحملة الفرنسية.
وبدأت المرحلة الأولى مع الفتح الإسلامي لمصر عام 641م بقيادة عمرو بن العاص، الذي أسّس نواة الجيش الإسلامي في مصر. واعتمد هذا الجيش في البداية على العرب المسلمين من شبه الجزيرة العربية، ثم بدأ المصريون أنفسهم بالانضمام إليه تدريجيًا، وكانت مهامه الدفاع عن البلاد ونشر النفوذ الإسلامي في شمال إفريقيا.
وفي العصرين الأموي والعباسي، ظلّ الجيش المصري جزءًا من الجيش الإسلامي العام، يُستدعى للمشاركة في الحروب الكبرى كحملات الشام والمغرب، مع امتلاك والي مصر قوة عسكرية خاصة لحفظ الأمن وجمع الضرائب. وفي هذا السياق، شهدت البلاد ثورات محلية عدة، بينها ثورات البشموريين في دلتا النيل، التي برزت خصوصًا في القرن التاسع الميلادي في مواجهة الحكم العباسي وسياساته الضريبية.
أما في العصر الطولوني والإخشيدي، فقد أصبح لمصر جيش مستقل فعليًا عن الخلافة العباسية، خاصة في عهد أحمد بن طولون (868–884م)، الذي أنشأ جيشًا قويًا اعتمد فيه على الأتراك والمرتزقة، وأقام مدينة القطائع لتكون مركزًا عسكريًا وإداريًا.
في العصر الفاطمي، تطوّر الجيش إلى قوة إقليمية مهمة، واعتمد على عناصر متعددة من المغاربة والسودانيين والأتراك، كما تأسس ديوان الجيوش لتنظيم الشؤون العسكرية.
أمّا في العصر الأيوبي، فقد أعاد صلاح الدين الأيوبي تنظيم الجيش على أسس أكثر انضباطًا، فاعتمد على نظام الإقطاع العسكري، وأنشأ المدرسة الحربية لتدريب الفرسان. ولعب الجيش الأيوبي دورًا بارزًا في الحروب الصليبية، خصوصًا في معركة حطين (1187م).
وفي العصر المملوكي (1250–1517م)، بلغ الجيش المصري واحدة من أبرز مراحل قوته في العصور الإسلامية، حيث كان المماليك جنودًا محترفين مدرَّبين منذ الصغر، وتميزوا بشجاعتهم وتنظيمهم العالي، وتمكنوا من هزيمة المغول في عين جالوت (1260م) والصليبيين، ليصبح الجيش المملوكي من أقوى جيوش العالم الإسلامي.
لكن دخول العثمانيين مصر عام 1517 أنهى استقلال الجيش المملوكي بوصفه القوة الحاكمة. أصبحت مصر جزءًا من الدولة العثمانية، وتراجع الدور العسكري المستقل للبلاد، رغم بقاء بعض التشكيلات المحلية من الإنكشارية والمماليك.
ومع مرور الوقت، ضعف التنظيم العسكري وتفككت الانضباطية، ما مهد الطريق أمام الحملة الفرنسية عام 1798م. (3)
محمد علي.. ولادة الجيش المصري الحديث
يمثل عهد محمد علي باشا نقطة التحوّل الكبرى في التاريخ العسكري لمصر الحديثة. فقد أسّس جيشًا وطنيًا حديثًا على النمط الأوروبي، ليكون الأداة الأساسية في مشروعه لبناء دولة قوية ومستقلة عن السلطنة العثمانية.
فبعد تولّيه الحكم سنة 1805، أدرك محمد علي أن الاعتماد على الجيوش العثمانية أو المماليك لن يضمن له الاستقلال أو السيطرة على البلاد. كما أثبتت الحملة الفرنسية (1798–1801) تفوق الجيوش الأوروبية تنظيمًا وتسليحًا، فقرّر إنشاء جيش حديث قوي يعتمد على المصريين أنفسهم بدلًا من المرتزقة الأتراك والألبان.
وي البداية واجه محمد علي صعوبة في تجنيد المصريين بسبب خوف الفلاحين من الخدمة العسكرية القاسية، فاستعمل القوة أحيانًا لجمع المجندين من القرى. وحوالي عام 1820، بدأ نظام التجنيد الإجباري، وأُنشئت معسكرات تدريب في أسوان ثم في أسيوط، وأُرسل بعض الضباط للتدريب في أوروبا (خصوصًا فرنسا).
واعتمد محمد علي على الضباط الفرنسيين، وأبرزهم الكولونيل سيف (Sève) الذي عُرف في مصر باسم سليمان باشا الفرنساوي، لتدريب الجيش على الأساليب الأوروبية الحديثة وقُسّم الجيش إلى ألوية وأفواج وسرايا، وارتدى الجنود زيًا موحدًا. كما أُنشئت مدارس عسكرية متخصصة مثل مدرسة المدفعية، والهندسة، والبحرية، والطب العسكري.
ولتسليح الجيش، بنى محمد علي مصانع حربية لتزويده بالأسلحة والذخائر، أهمها في القلعة وحلوان، كما أنشأ ترسانة الإسكندرية لبناء السفن الحربية وسعى لتقليل الاعتماد على الاستيراد الأوروبي وجعل مصر مكتفية صناعيًا قدر الإمكان.
الحملات العسكرية الكبرى التي قادها الجيش
-
حملة السودان (1820–1822): لتوسيع نفوذ مصر وتأمين منابع النيل وتجنيد الجنود النوبيين والسودانيين.
-
حرب المورة (اليونان 1824–1827): شارك الجيش المصري إلى جانب الدولة العثمانية ضد الثوار اليونانيين، وأظهر كفاءة عالية رغم الهزيمة النهائية بعد تدخل الأساطيل الأوروبية في معركة نافارين.
-
الحملات الشامية (1831–1839): بقيادة إبراهيم باشا، حيث غزا الشام ووصل إلى الأناضول، وحقق انتصارات كبيرة على العثمانيين في معارك مثل قونية (1832)، مما جعل أوروبا تتدخل للحد من توسع محمد علي.
هكذا، أصبح الجيش المصري في ثلاثينيات القرن التاسع عشر من أقوى الجيوش في الشرق الأوسط، وبلغ تعداده نحو 120 ألف جندي ما مكّن محمد علي من فرض سيطرته على السودان والحجاز والشام وكردستان.
لكنّ هذه القوة أثارت قلق الدول الأوروبية والسلطنة العثمانية، ما أدى إلى إبرام اتفاقية لندن 1840 التي أجبرت محمد علي على تقليص جيشه إلى نحو 18 ألف جندي، مقابل تثبيت حكمه الوراثي في مصر. (4)
من محمد علي إلى الاحتلال البريطاني.. جيش يتراجع ثم يبحث عن دوره
تُعد الفترة بين عامي 1848 و1952 من أهم المراحل في تطور الجيش المصري الحديث، إذ شهد خلالها تحولات سياسية كبرى من حكم أسرة محمد علي حتى قيام ثورة يوليو/ تموز.
ما بعد محمد علي
بعد وفاة محمد علي، تولى أبناؤه وأحفاده الحكم، لكن الجيش فقد الكثير من قوته وتنظيمه تدريجيًا، حيث أوقف عباس حلمي الأول (1848–1854) سياسة التصنيع العسكري وأغلق المدارس الحربية التي أسسها محمد علي، ما أدى إلى تراجع مستوى الجيش وانخفاض عدده.
أمّا سعيد باشا (1854–1863)، فقد أعاد بعض الاهتمام بالجيش، لكنه خفّض الإنفاق العسكري وسمح بعودة النفوذ الأجنبي في التنظيم والتدريب، في حين عمل الخديوي إسماعيل (1863–1879) على تحديث الجيش مجددًا، وأنشأ مدرسة عسكرية جديدة، ووسع الاعتماد على الضباط المصريين.
لكنه دفع الجيش أيضًا إلى حملات خارجية، أبرزها الحرب المصرية الإثيوبية بين عامي 1875 و1876، التي انتهت بهزيمة قاسية أضعفت صورة الجيش.
الاحتلال العثماني
جاءت الضربة الكبرى بعد الثورة العرابية. ففي عام 1882، هُزم الجيش المصري في معركة التل الكبير، وفرض البريطانيون سيطرتهم على البلاد.
وبعد الاحتلال، بدأ تفكيك القوة العسكرية المصرية وتم تقليص عدد الجيش إلى 6,000 جندي فقط بإشراف مباشر من البريطانيين ومُنع المصريون من الحصول على رتب عليا، واقتصر دورهم على الحراسة والأمن الداخلي.
كذلك تم حل الأسطول البحري المصري بالكامل. وكان الهدف البريطاني هو منع أي محاولة مستقبلية للاستقلال المسلح.
ومع إعلان الحماية البريطانية على مصر عام 1914، أصبح الجيش أداة لخدمة المصالح البريطانية حيث شارك آلاف الجنود المصريين في الحرب العالمية الأولى ضمن فرق خدمات لوجستية، وليس في القتال المباشر، وظلت القيادة العليا بيد ضباط بريطانيين. وعندها، برزت بدايات الروح الوطنية داخل الجيش، لا سيما بين الضباط المصريين الذين شعروا بالإهانة من التهميش.
الجيش في العهد الملكي: بداية الاستقلال
بعد إعلان استقلال مصر الشكلي عام 1922، بدأت جهود حذرة لإعادة بناء الجيش الوطني حيث أُعيد تنظيمه ورفع عدده إلى نحو 40 ألف جندي. وأُنشئت الكلية الحربية في القاهرة (1909)، وأصبح قبول الضباط المصريين أكثر انتظامًا وبدأ الجيش يستعيد دوره الوطني تدريجيًا خلال الثلاثينيات.
وشارك الجيش في الحرب العالمية الثانية (1939–1945) إلى جانب الحلفاء، لكن تحت القيادة البريطانية وكانت المشاركة محدودة، لكنها ساهمت في تطوير الخبرات العسكرية للضباط المصريين.
حرب فلسطين 1948 ودور الجيش في سقوط النظام الملكي
شارك الجيش المصري في حرب فلسطين عام 1948 ضد العصابات الصهيونية، وقد اعتُبرت محطة حاسمة، إذ كشفت أزمة القيادة والتسليح والتنظيم، ورفعت منسوب الغضب داخل صفوف الجيش.
ساهمت تلك التجربة في صعود تنظيم "الضباط الأحرار"، الذي رأى أن أزمة الجيش لا تنفصل عن أزمة النظام الملكي والنفوذ البريطاني والفساد السياسي.
وفي 23 يوليو/ تموز 1952، اندلعت ثورة بقيادة جمال عبد الناصر ومحمد نجيب، التي أنهت الحكم الملكي واستهلت مرحلة جديدة في تاريخ الجيش المصري. (5)
بعد ثورة يوليو.. الجيش في قلب الدولة
في عهد جمال عبد الناصر (1952–1970)
بعد ثورة يوليو/ تموز، تحوّل الجيش المصري من مؤسسة ملكية محدودة النفوذ إلى الركيزة الأساسية للنظام الجمهوري الجديد.
وجرى العمل على إعادة بناء العقيدة العسكرية حيث تحولت من عقيدة دفاعية بريطانية إلى عقيدة وطنية تعتمد على "تحرير الأرض ومواجهة الاستعمار".
وبعد أزمة تمويل السد العالي وقطع العلاقات مع الغرب عام 1955، اتجهت مصر إلى الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا لتوريد السلاح.
ومن أبرز المعارك التي خاضها الجيش المصري في هذه الفترة:
-
العدوان الثلاثي 1956: واجه الجيش المصري هجومًا بريطانيًا-فرنسيًا-إسرائيليًا بعد تأميم قناة السويس، وأثبت قدرة دفاعية رغم انسحابه المؤقت من سيناء.
-
حرب اليمن (1962–1967) حين أرسل عبد الناصر أكثر من 50 ألف جندي لدعم الجمهوريين ضد الملكيين، ما استنزف القدرات العسكرية.
-
نكسة 1967: هُزم الجيش المصري أمام إسرائيل وخسر سيناء، ما شكّل صدمة قومية كبرى.
بين عامي 1967 و1970، أعيد تنظيم القيادة العسكرية، وبدأ برنامج واسع لإعادة التسليح والتدريب بمساعدة الاتحاد السوفييتي، وخاض الجيش حرب الاستنزاف (1968–1970)، التي أعادت الثقة للمقاتلين المصريين وأرهقت إسرائيل.
حرب أكتوبر.. العبور وإعادة الاعتبار
عندما تولى أنور السادات الحكم عام 1970، كان الجيش خارجًا من هزيمة ثقيلة، لكنه كان قد بدأ يستعيد تماسكه خلال حرب الاستنزاف. ركّز السادات على إعادة بناء الجيش المصري الحديث هيكلة القيادة العامة وتم التركيز على الكفاءة والانضباط، وتقليص النفوذ السياسي داخل الجيش.
وخاض الجيش المصري في هذه الفترة حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973 حين نفّذ عملية العبور التاريخي لقناة السويس، ونجح في تحطيم خط بارليف، وإقامة رؤوس جسور على الضفة الشرقية.
عسكريًا، أعادت العملية الاعتبار إلى الجيش بعد صدمة 1967، وسياسيًا فتحت الطريق أمام مسار تفاوضي جديد انتهى بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 ثم معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية عام 1979.
بعد الحرب، دخل الجيش المصري مرحلة مختلفة. تراجع منطق المواجهة المباشرة مع إسرائيل، وبدأت مرحلة التحديث المرتبط بالدعم الأميركي، مع استمرار تصنيع عسكري محلي في بعض المجالات. كما أصبح الجيش جزءًا من معادلة الاستقرار الداخلي والإقليمي في عهد السادات، ثم في عهد حسني مبارك.
في عهد حسني مبارك (1981- 2011)
كان حسني مبارك طيارًا عسكريًا وقائدًا سابقًا للقوات الجوية، وقد حافظ في عهده على مكانة الجيش كمؤسسة مستقلة ومستقرة سياسيًا، مع ابتعادها النسبي عن السياسة اليومية.
استفادت مصر من المعونة العسكرية الأميركية السنوية، وأدخلت أسلحة وأنظمة تدريب حديثة، وطوّرت جانبًا من الصناعات الحربية المحلية، خصوصًا عبر الهيئة العربية للتصنيع.
شارك الجيش المصري في حرب تحرير الكويت عام 1991 ضمن قوات التحالف، ما عزز موقعه الإقليمي، فيما ركّز داخليًا على مهام الحماية ومساندة الدولة ومكافحة الإرهاب في التسعينيات، وابتعد عن السياسة العلنية.
وفي الوقت نفسه، احتفظ الجيش بنفوذ اقتصادي وإداري واضح، حتى إن ظل هذا النفوذ أقل حضورًا في الخطاب السياسي العلني.
بعد ثورة يناير 2011
مع ثورة يناير/ كانون الثاني 2011 وسقوط نظام مبارك، عاد الجيش إلى واجهة المشهد السياسي بشكل مباشر ومر بمرحلة انتقالية (2011–2013).
تولّى المجلس الأعلى للقوات المسلحة (SCAF) إدارة البلاد حتى انتخاب محمد مرسي. ودخل الجيش حينها في مواجهة سياسية مع جماعة الإخوان المسلمين بعد تصاعد الخلافات.
وفي يوليو/ تموز 2013، أطاح الجيش بالرئيس مرسي بعد احتجاجات 30 يونيو/ حزيران، معلنًا "خارطة طريق" جديدة.
عهد عبد الفتاح السيسي (2014 – اليوم)
منذ عام 2014، ومع وصول عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة، اتسع حضور الجيش في الحياة العامة، وتحوّل إلى فاعل شامل في المجالات العسكرية والاقتصادية والتنموية.
وجرى العمل على التحديث وتم شراء منظومات سلاح متقدمة من فرنسا (رافال، ميسترال)، وروسيا (سو-35، إس-300)، والولايات المتحدة (F-16، أباتشي) بالإضافة الى تطوير الصناعات العسكرية محليًا وإطلاق مشاريع تصنيع مشترك.
وكان الجيش يقوم أيضًا بقيادة عمليات شاملة في سيناء ضد تنظيمات إرهابية وتوسّع في مشاريع البنية التحتية، والإسكان، والطرق، والطاقة، عبر الهيئة الهندسية وجهاز الخدمة الوطنية حيث أصبح أحد أبرز اللاعبين في الاقتصاد المصري.
وفي العلاقات الدولية، حافظ على توازن بين التحالف الأميركي والتعاون الروسي-الفرنسي وعزز دوره الإقليمي في ليبيا، السودان، وقطاع غزة. (6)
الجيش المصري اليوم.. تحديث وتسليح وتحديات
يعمل الجيش المصري اليوم على تحديث منظومات الأسلحة، فقد تم تحويل مدافع قديمة مثل M46-1M 130 مم ومدفع D-30 122مم إلى أنظمة مدفعية متحركة على شاحنات محسّنة، مما يعزّز سرعة الانتشار والمرونة.
ويعمل أيضًا على تعزيز القدرات الجوية، فقد صرح قائد القوات الجوية أن القوات الجوية المصرية أصبحت "من بين الدول الرائدة في تشغيل الطائرات المسيّرة (UAVs)"، وأن هناك تحديثًا للطائرات المقاتلة والطائرات العمودية والمروحيات.
كذلك يسعى الجيش إلى توطين الإنتاج الحربي، من خلال شراكات مع دول مثل كوريا الجنوبية وباكستان لتعزيز الصناعات الدفاعية المحلية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد وتوسيع الأدوار الإقليمية والدولية فمصر تدفع لتكون مقرًّا لقيادة قوة عسكرية عربية شبه مشتركة ضمن إطار إقليمي. (7)
وتشير تقديرات عام 2026 إلى أن الجيش المصري يحتفظ بموقع متقدم في إفريقيا والشرق الأوسط من حيث الحجم والانتشار. وتضع تقديرات "غلوبال فايرباور" مصر في المرتبة 19 عالميًا بين 145 دولة، مع نحو 438,500 عسكري نشط، و479,000 من قوات الاحتياط، و3,620 دبابة، إلى جانب قوة جوية وبحرية كبيرة قياسًا بمحيطها الإقليمي.
لكن حجم الجيش لا يختصر وحده معادلة القوة. فالمؤسسة العسكرية المصرية تواجه تحديات تتصل بتحديث التكنولوجيا، ورفع كفاءة التسليح، وتطوير الصناعات الدفاعية، ومواكبة التحولات في الحروب الحديثة، من الطائرات المسيّرة إلى الحرب الإلكترونية والأمن السيبراني. كما تواجه مصر بيئة إقليمية مضطربة تمتد من ليبيا والسودان إلى البحر الأحمر وقطاع غزة وشرق المتوسط.
إنها قصة مؤسسة عسكرية تشكلت عبر الانتصارات والنكسات معًا: من جيوش الفراعنة إلى جيش محمد علي، ومن صدمة 1 967 إلى عبور 1973، ومن دورها التقليدي في الدفاع إلى حضورها الواسع في السياسة والاقتصاد والتنمية.
لذلك، تبقى ذكرى 5 يونيو محطة مناسبة لقراءة تاريخ أطول: تاريخ جيش تغيّر كثيرًا، وتعلّم أن الهزائم الكبرى قد تصبح أحيانًا بداية إعادة بناء كاملة.
المراجع:
(2): Army and Society in Ptolemaic Egybt
(3): Integrating Egyptian Elites in Early Islamic Egypt
(4): Muḥammad ʿAlī and his successors (1805–82)
(5): Revisiting the History of the Egyptian Army
(6): The Egyptian Army’s Counterinsurgency: History, Past Operations, and the Sinai Campaign
(7): This Middle East Powerhouse Has a Standing Army of 654,000
(8): Egypt begins modernizing and upgrading Its aging artillery