لم يكن غياب منتخب إيطاليا عن كأس العالم 2026 خبرًا عابرًا، ولا مجرد إخفاق رياضي جديد يُضاف إلى سجل منتخب عريق. لم يكن الألم في الخسارة وحدها، بل في الإحساس بأن شيئًا أكبر قد انكسر.
في المقاهي الإيطالية، في شوارع روما وميلانو وتورينو ونابولي، وفي ذاكرة جماهير عاشت أمجاد 1982 و2006، كان السؤال واحدًا:
كيف انتهى بنا المطاف إلى هنا؟
هذا ليس مجرد فشل في مباراة فاصلة، ولا مجرد سوء حظ في تصفيات المونديال، بل قصة أطول وأعمق وأكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الإدارة بالاقتصاد، والتاريخ بالهوية، وحتى نادي يوفنتوس.
أولًا: الأسباب الإدارية والاقتصادية
قبل الغوص في التفاصيل الفنية أو البحث عن شماعات تكتيكية، يبدو أن الطريق إلى فهم سقوط المنتخب الإيطالي يبدأ من مكان أعمق بكثير: من داخل مكاتب الإدارة، وأروقة القرار، والبنية الاقتصادية التي تقوم عليها كرة القدم في البلاد.
فما حدث لا يبدو نتيجة مباراة سيئة أو جيل أقل موهبة فحسب، بل انعكاسًا مباشرًا لاختلالات تراكمت لسنوات حتى بلغت لحظة الانفجار.
- أزمة هيكلية عميقة في الكرة الإيطالية
منذ سنوات، يحذر خبراء كرة القدم في إيطاليا من أن المشكلة لا تكمن في اللاعبين أو المدربين فقط، بل في النظام نفسه.
وفي تشخيص لحالة الكرة الإيطالية، رأى الصحفي المخضرم جياني مورا أن اللعبة في بلاده تعيش على إرثها أكثر مما تعيش على حاضرها. وقال في تحليل استخدم فيه مصطلح "الظلام الأزرق"، نشرته صحيفة "لا ريبوبليكا" عام 2018:
"الكرة الإيطالية تعاني من الاعتماد على أمجاد الماضي بدل بناء الحاضر".
لم يكن هذا التشخيص انطباعًا عابرًا، بل قراءة مبكرة لانحدار تدريجي. فالاتحاد الإيطالي لم يتمكن من بناء مشروع طويل الأمد، ولم ينجح في تحديث بنيته الإدارية بما يواكب التحولات الحديثة في إدارة كرة القدم.
ويعزز المدرب الإيطالي المخضرم أريغو ساكي هذا التوصيف. ففي مقابلة مع صحيفة "كوريري ديلا سيرا" عام 2022، قال: "نحن متأخرون 20 عامًا عن بقية أوروبا في طريقة التفكير وإدارة اللعبة".
- أزمة إنتاج المواهب
في إيطاليا، يُعد تراجع إنتاج اللاعبين المحليين واحدة من أخطر الأزمات. فالدوري الإيطالي لم يعد البيئة الخصبة نفسها التي كان يمثلها في السابق.
وفي عام 2023، قال ساكي، بحسب صحيفة "لاغازيتا ديلو سبورت":
"إذا لم يلعب الإيطاليون، فلن يتطوروا. هذه معادلة بسيطة".
وتشير التقارير إلى أن نسبة كبيرة من لاعبي الدوري الإيطالي من الأجانب، ما يحدّ من فرص الاحتكاك والتطور أمام اللاعب الإيطالي الشاب.
وبعد إخفاق 2022 في التأهل إلى المونديال، كشف مدرب المنتخب حينها روبرتو مانشيني جزءًا من الحقيقة حين قال في مؤتمر صحفي: "لدينا 4 أو 5 لاعبين موهوبين، لكنهم يحتاجون إلى وقت للعب"، في إشارة إلى عدم حصول المواهب الإيطالية على فرصة كافية في الدوري المحلي.
كما تتأثر الكرة الإيطالية بضعف الثقة في الشباب، إذ لا تزال الثقافة التدريبية في البلاد محافظة نسبيًا، حيث يفضل كثير من المدربين الخبرة على حساب التطوير.
ويقول ساكي في هذا السياق إن اللاعب الشاب في إيطاليا "يجب أن يثبت نفسه عشر مرات أكثر من غيره"، ما يخلق فجوة زمنية تجعله يصل متأخرًا مقارنة بنظرائه في إنكلترا أو ألمانيا.
- سوء الإدارة والتخبط الفني
من بين مؤشرات الفشل الإيطالي أيضًا: تغيير المدربين بشكل متكرر، وغياب مشروع واضح، واتخاذ قرارات قائمة على ردود الفعل أكثر من التخطيط.
ويؤكد المدرب الإيطالي المخضرم فابيو كابيلو هذا المعنى، إذ قال بعد فشل التأهل الأخير إن "المشكلة لا تتعلق بالنتائج فقط، بل هي هيكلية".
- ضعف الاقتصاد الكروي
اقتصاديًا، تعاني الكرة الإيطالية من فجوة واضحة. فقد أظهر تقرير مؤسسة "Deloitte" عن الإيرادات المالية لأندية كرة القدم لعام 2025 أن الأندية الإيطالية متأخرة على صعيد الإيرادات مقارنة بنظيراتها الكبرى في أوروبا.
ويوضح المدير التنفيذي السابق لنادي ميلان، أدريانو غالياني، في تصريح سابق لصحيفة "توتو سبورت" هذا البعد بقوله: "نحن لا نستطيع منافسة الإنجليز ماليًا، وهذا ينعكس على كل شيء".
وبالتالي، أثّر ضعف الاستثمار في الكرة الإيطالية في جوانب عدة، منها البنية التحتية، والقدرة على الاحتفاظ بالنجوم، ومستوى التنافسية عمومًا.
ثانيًا: "نظرية يوفنتوس".. هل هي حقيقية؟
يرى البعض أن نجاحات المنتخب الإيطالي في 1982 و2006، وحتى بلوغه نهائيات كبرى أخرى، ارتكزت إلى كتلة يوفنتوس الدفاعية والذهنية داخل المنتخب.
وتاريخيًا، هناك طرح يتردد بقوة داخل إيطاليا، ليس فقط بين الجماهير، بل حتى في التحليلات الإعلامية، مفاده:
"عندما يكون يوفنتوس بخير، يكون الآزوري بخير".
لم تظهر هذه الفرضية اليوم، بل بدأت تتبلور تدريجيًا بعد إخفاق التأهل إلى كأس العالم 2018، ثم تحولت إلى نقاش جدي بعد تكرار الفشل.
- الأساس التاريخي للنظرية
عندما نجحت إيطاليا في بطولات التتويج الكبرى: 1934، 1938، 1982 و2006، كان هناك دائمًا نادٍ يقود المنتخب، وغالبًا كان هذا النادي هو يوفنتوس، سواء من حيث عدد اللاعبين أو من حيث التأثير القيادي والذهني.
في المقابل، خلال إخفاقات الآزوري الأخيرة في 2018 و2022 و2026، غابت هذه النواة، وتحول المنتخب إلى مزيج أقل تجانسًا.
وعند العودة إلى التاريخ، لا يبدو الأمر مجرد مصادفة. ففترات مجد المنتخب الإيطالي ارتبطت غالبًا بوجود كتلة متجانسة من لاعبي يوفنتوس داخل التشكيلة.
وقد أشار ساكي إلى هذا المعنى عام 2022 حين قال:
"المنتخب القوي يحتاج إلى نواة. وفي إيطاليا، كانت هذه النواة تأتي دائمًا من الأندية الكبرى، وعلى رأسها يوفنتوس".
- يوفنتوس.. العمود الفقري لبطل مونديال 2006
لم يكن منتخب إيطاليا في كأس العالم 2006 مجرد فريق ناجح، بل كان امتدادًا واضحًا ليوفنتوس داخل المنتخب، ومثّل العمود الفقري الذي استند إليه "الآزوري" في رحلة التتويج.
فالانسجام، والتفاهم، والانضباط التكتيكي كانت عناصر مستمدة مباشرة من بيئة "السيدة العجوز"، حيث ضمت التشكيلة الأساسية والاحتياطية كتلة مؤثرة من لاعبي النادي أضفت صبغة "بيانكونيري" على الأداء الإيطالي.
ويتجلى هذا التأثير النوعي في توزيع الأدوار عبر الخطوط الثلاثة:
-
في حراسة المرمى: كان جانلويجي بوفون السدّ المنيع الذي لم يستقبل سوى هدفين طوال البطولة، فارضًا شخصيته القيادية.
-
في الدفاع: شكّل فابيو كانافارو، قائد المنتخب والحائز على الكرة الذهبية في العام نفسه، مع جانلوكا زامبروتا جدارًا دفاعيًا صلبًا.
-
في الوسط والهجوم: برز دور ماورو كامورانيزي في الربط، فيما وضع أليساندرو ديل بييرو بصمته الحاسمة بهدفه في مرمى ألمانيا.
ويلمح مدرب المنتخب المتوج باللقب العالمي الرابع، مارشيلو ليبي، إلى هذه الفكرة حين يقول: "كان لدينا لاعبون يعرفون بعضهم البعض جيدًا، وهذا صنع الفارق في كأس العالم".
- فضيحة "كالتشيو بولي".. وبداية "لعنة اليوفي"
في 2006، دخل يوفنتوس مرحلة انهيار عميق بعد فضيحة "كالتشيو بولي".
لم تكن تلك السقطة مجرد قضية فساد رياضي، بل نقطة تحول في توازن القوى داخل الكرة الإيطالية.
وتراجع النادي، بعد سنوات لاحقة من الهيمنة، إلى مرحلة من التخبط الإداري والمالي والفني، ما انعكس على نوعية اللاعب المحلي الذي يقدمه.
وفي نقد لسياسة يوفنتوس التعاقدية، قال كابيلو، في مقال نشرته "لاغازيتا ديلو سبورت"، إن "المنتخب الوطني يدفع الثمن باهظًا عندما يتوقف يوفنتوس عن كونه إيطاليًا في جوهره".
وفي الصحيفة نفسها، كتب ساكي في تحليل سابق عام 2023 ما يقترب من تأكيد النظرية:
"كان يوفنتوس دائمًا هو العمود الفقري، لكن هذا العمود أصيب بالهشاشة.
الفريق لم يعد يقدم كرة قدم حديثة، واللاعبون الذين ينضمون إلى المنتخب من اليوفي يأتون بعقلية دفاعية سلبية عفا عليها الزمن، في وقت تتطور فيه الكرة العالمية سريعًا نحو الشمولية والضغط العالي".
ويتفق الرجلان على أن يوفنتوس لم يعد ذلك المختبر الذي يصقل الموهبة الإيطالية، بل أصبح أكثر ميلًا إلى استقدام اللاعبين الجاهزين، وغالبًا الأجانب، ما أدى تلقائيًا إلى تراجع جودة الخيارات المتاحة أمام مدربي المنتخب.
يورو 2020.. الاستثناء الذي أعاد تعريف النظرية
وسط كل هذه الفرضيات، يبرز سؤال محوري:
ماذا عن التتويج بكأس أمم أوروبا 2020؟هل كانت تلك البطولة كسرًا صريحًا لما يُعرف بـ"نظرية يوفنتوس"؟
ظاهريًا، قد يبدو ذلك صحيحًا. ففي تلك الفترة، لم يكن يوفنتوس القوة المهيمنة محليًا، بعدما أصبح اللقب الدوري في يد إنتر ميلانو، وعاد ميلان إلى المنافسة، ودخل يوفنتوس نفسه مرحلة انتقالية فنية وإدارية.
لكن عند التعمق، تتكشف صورة مختلفة. فرغم تراجع النادي، بقي حضوره داخل المنتخب نوعيًا أكثر منه كميًا. فقد شكّل جورجيو كيليني وليوناردو بونوتشي قلب المنتخب، ليس فقط دفاعيًا، بل قياديًا ونفسيًا أيضًا.
وكان هذا الثنائي امتدادًا مباشرًا لثقافة يوفنتوس داخل غرفة الملابس: الانضباط، والصلابة، والقدرة على الصمود في اللحظات الحرجة.
ثم جاء فيديريكو كييزا، الذي جسّد التحول الجديد. فهو لاعب شاب بطاقة هجومية، لكنه يحمل عقلية قتالية صقلتها بيئة يوفنتوس.
ولم يكن يوفنتوس في 2020 هو المسيطر، لكنه كان لا يزال قادرًا على إنتاج اللاعب الحاسم.
ولعلّ ما فعله المدرب روبرتو مانشيني في تشكيلة المنتخب حينها لم يكن إلغاءً لدور يوفنتوس، بل إعادة توزيعه، فلم يعد هناك ناد واحد يسيطر، لكن "الهوية الإيطالية" بقيت مدعومة بجذور السيدة العجوز التاريخية.
وهنا تغيرت النظرية من:
"يوفنتوس يجب أن يكون مهيمنًا"إلى:
"يوفنتوس يجب أن يكون حاضرًا -ولو جزئيًا- في قلب المنتخب".
لكن بعد إنجاز يورو 2020، عاد الحضور اليوفنتيني إلى التلاشي مع تراجع مستوى الفريق وتقدم سن كيليني وبونوتشي، فجاءت النتيجة صادمة: فشل التأهل إلى مونديال 2022، ثم تكرار الإخفاق في 2026.