يعيش لبنان على وقع الجدال حول مبدأ التفاوض مع إسرائيل وسط تساؤلات حول شكل هذا التفاوض، في أعقاب التحوّلات التي أفرزها اتفاق غزة في المنطقة.
طرح الرئيس اللبناني جوزيف عون ما اعتبره "فرصة واقعية لإحداث خرق" في جدار الانسداد السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل، من خلال الدعوة إلى مفاوضات غير مباشرة مع تل أبيب.
"لبنان بين الخيار المصيري والتفاوض"
وتُبنى هذه المفاوضات على قاعدة اتفاق وقف الأعمال العدائية، وتضمن إلزام الاحتلال بتطبيق ما يجب عليه من وقف للاعتداءات، والانسحاب من النقاط الجنوبية المحتلة، وتحرير الأسرى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، مع ضمان التزام واشنطن بدور حيادي لا كطرف منحاز.
وتحظى دعوة الرئيس اللبناني لدى قسم كبير من المشهد السياسي اللبناني، باعتبارها منطلقًا لإعادة تفعيل اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي رعته الولايات المتحدة وفرنسا، والتزم به لبنان منذ إعلانه في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وامتنعت إسرائيل عن تطبيقه.
ويقف "حزب الله" على مسافة قريبة من دعوة الرئيس اللبناني للتفاوض غير المباشر مع إسرائيل، حيث أبدى تفهمًا مشروطًا، مؤكدًا أنّ أي تفاوض يجب أن يظل تحت سقف اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، مع استمرار حيازة السلاح باعتبار ذلك ضرورة دفاعية في ظل الاحتلال.
أما موقف واشنطن، فيُعبّر عنه الموفد الرئاسي توماس برّاك الذي قال إنّ لبنان أمام "خيار مصيري، إما الانخراط في مسار السلام الإقليمي أو مواجهة عزلة وانهيار داخلي".
ورهن برّاك من جديد، استعادة السيادة في لبنان وجذب الاستثمارات إليه وتجنّب مواجهة عسكرية مع إسرائيل، بنزع سلاح "حزب الله".
وقال برّاك بوضوح: "إذا استمرّت بيروت في التردّد، فقد تتصرّف إسرائيل بشكل أحادي وستكون العواقب وخيمة".
وتأتي هذه التطوّرات قبل أيام من وصول السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى إلى بيروت والذي قد يفصّل أكثر في الموقف الأميركي، وسط حديث عن إصرار إسرائيل على التفاوض المباشر.
إسرائيل تسعى لفرض شروطها
وفي هذا الإطار، يرى الكاتب الصحفي والباحث السياسي اللبناني توفيق شومان أنّ السؤال الأساسي الذي يجب طرحه الآن حول على ماذا يتفاوض لبنان ولماذا؟
ويشير شومان في حديث إلى التلفزيون العربي من بيروت، إلى أنّ إسرائيل لم تلتزم بأي من الاتفاقيات الدولية الثلاث التي تحكم الوضع في لبنان، والمتمثّلة في اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في العام الماضي، والقرار 1701 الصادر عام 2006، واتفاقية الهدنة الموقّعة عام 1949.
ويضيف أنّ الهدف لا يتمثّل في التفاوض بل في فرض الشروط الإسرائيلية على لبنان المتمثّلة في إنشاء مناطق عازلة في الجنوب اللبناني، وحرية الحركة، ونزع سلاح "حزب الله".
ويوضح أنّ التفاوض المباشر ليس ضمن توجّه المرجعيات الرئاسية الثلاث في لبنان (رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ورئيس البرلمان)، مؤكدًا أنّ الحديث عن "تفاوض غير مباشر" مرهون بوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وضمانات أميركية بانسحاب جيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية المحتلّة.
ويشير إلى أنّ رئيس الجمهورية اللبناني تحدّث عن "تفاوض غير مباشر"، بينما دفعت بعض التيارات السياسية الأخرى إلى "مفاوضات مباشرة".
ونقل شومان معلومات ومعطيات تؤكد أنّ لبنان لن يذهب إلى مفاوضات مباشرة على الإطلاق مع الاحتلال، على اعتبار أنّ الهدف الإسرائيلي المُعلن هو التطبيع على المدى البعيد.
لبنان أمام تصعيد عسكري إسرائيلي مرتقب
وعن التهديدات الأميركية، يقول شومان إنّ الأميركيين لا يحيدون عن دعم أهداف إسرائيل، مضيفًا أنّ مضمون الرسائل الدبلوماسية الكثيرة التي وصلت إلى لبنان يصبّ في الذهاب إلى المفاوضات مع الاحتلال بغضّ النظر عن شكلها، أو مواجهة تصعيد عسكري بدأت معالمه تتوضّح في الاستهدافات الإسرائيلية خلال الأيام القليلة الماضية.
ورأى أنّ لبنان أمام تصعيد إسرائيلي مرتقب برعاية أميركية، في ظل شبه إجماع لبناني رسمي حتى الآن على الذهاب إلى مفاوضات غير مباشرة مع الاحتلال مع التأكيد على ضمان الانسحاب ووقف الاعتداءات.
لكنّه في الوقت نفسه، أبدى خشيته من أن تقوم بعض التيارات السياسية في لبنان بالضغط على الرئاسة والحكومة من أجل الذهاب إلى تفاوض مباشر مع الاحتلال.