استشهد المئات إثر الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان منذ وقف إطلاق النار العام الماضي، وتُسجَل يوميًا استهدافات تضافُ إلى قائمة طويلة من خروقات الاتفاق.
وتزعم إسرائيل أنها تستهدف "بنى تحتية وعناصر قيادية في حزب الله"، إذ أحصى الجيش الإسرائيلي، حتى يوم أمس، بحسب "يديعوت أحرونوت" اغتيال نحو 340 عنصرًا وقياديًا في الحزب.
وتبدو الحصيلة أكبر في لبنان، حيث تفيد تقارير محلية بأن عدد الشهداء تخطى حاجز الـ400 شهيد في الاعتداءات المتواصلة منذ 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
وأشارت قوات "اليونيفيل" في بيان إلى أن الاستهدافات تُشكل انتهاكًا واضحًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، وتأتي في الوقت الذي تُنفذ فيه القوات المسلحة اللبنانية عمليات للسيطرة على الأسلحة والبنية التحتية غير المصرح بها في منطقة جنوب الليطاني.
كذلك أدان الاتحاد الأوروبي الغارات، داعيًا تل أبيب إلى احترام الاتفاق المبرم.
انقسام في الموقف اللبناني
وأمام تلويح إسرائيل بعملية عسكرية واسعة، يظهر في لبنان موقفان؛ الأول عن رئاسة الجمهورية التي ترى في التفاوض الخيار الوحيد المتاح؛ والثاني عن حزب الله، الذي يحذّر مما يصفه بالأفخاخ التفاوضية.
وفي الولايات المتحدة، يتردد حديث الفرصة الأخيرة، وتقول صحيفة "وول ستريت جورنال" إن احتمالية شن إسرائيل حربًا جديدة على حزب الله تتزايد في ظل إصدار إسرائيل أوامر إخلاء لعدة قرى في جنوب لبنان، وشنها غارات جوية على أهداف عسكرية وبنى تحتية تابعة للحزب.
لكن الصحيفة تشير إلى أن الحديث الإسرائيلي عن تدمير حزب الله نهائيًا قد يبدو مبالغًا فيه، مؤكدة أنَّ المؤشرات على هجوم عسكري إسرائيلي جديد، تتزايد بشكل كبير.
لبنان بين نوايا التصعيد ومساعي التهدئة
وفي هذا الإطار، يشير رئيس تحرير جريدة "المدن"، منير الربيع، إلى أن الإسرائيليين يحاولون الإيحاء بأن لبنان سيتعرّض لعملية عسكرية كبرى في الشهر المقبل.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من بيروت، يلفت الربيع إلى وجود معلومات تفيد بأن لبنان فتح قنوات تواصل عديدة مع الولايات المتحدة ودول عربية، بينها مصر، لتجنّب الوصول إلى حربٍ موسّعة.
وفي الوقت نفسه، يرجّح الربيع أن تواصل إسرائيل عملياتها المتصاعدة من دون الدخول في حربٍ مفتوحة، في انتظار ما ستسفر عنه المساعي العربية والمفاوضات القائمة.
ويشرح رئيس تحرير جريدة "المدن" أن لبنان ينتظر محطات عديدة، أبرزها جواب مصري بعد المساعي التي قامت بها القاهرة بشأن الملف اللبناني.
ويوضح الربيع أن "هناك تحركًا تقوم به مجموعة الدول الخمس المعنية بلبنان لأن إسرائيل، وبحسب معلومات خاصة، تريد اختصار عمل لجنة مراقبة وقف إطلاق النار الميكانيزم بإسرائيل ولبنان والولايات المتحدة أي أنها تسعى لإزاحة الأمم المتحدة وفرنسا والانتقال للمفاوضات المباشرة".
وفي المقابل، هناك مساع عربية لإحياء اللجنة الخماسية والتي تضم فرنسا ومصر وقطر والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، بحسب الربيع، الذي يلفت إلى أن كل من هذه الدول تسعى لإحداث خرق في الملف اللبناني.
كذلك يلحظ الربيع أن زيارة مرتقبة لولي العهد السعودي إلى الولايات المتحدة سيبحث خلالها ملفي إيران ولبنان وملفات أخرى، فيما لا تتوانى قطر عن التحرك ضمن اللجنة الخماسية في إطار دعم الجيش اللبناني وحفظ الأمن في المنطقة وخرق مسار تفاوضي بين إيران والولايات المتحدة.
موقف حزب الله من المفاوضات مع إسرائيل
وفي قراءة لموقف حزب الله اللبناني، يشير الكاتب والباحث السياسي، رضوان عقيل، إلى أن حزب الله يتابع المشهد بعناية شديدة على الخطين العسكري والدبلوماسي.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من بيروت، يلفت عقيل إلى أن إسرائيل تعمل على استبعاد فرنسا اليونيفيل من لجنة "الميكانيزم"، وتسعى لتحقيق مفاوضات مباشرة مع لبنان تحت مظلة أميركية.
ويقول عقيل: "إن هذا الأمر يمثل محطة انقسام في لبنان"، مشيرًا إلى أن رئيس الجمهورية اللبنانية ينتظر ما سيعود به الأميركيون حيال هذا الطرح.
ويلحظ المحلل والكاتب السياسي الدور الذي تلعبه مصر في هذا السياق، مؤكدًا أن حزب الله لا يعترض على الدور الدبلوماسي المصري على عكس ما يتردد في الصحافة اللبنانية.
ويشير عقيل إلى أن لبنان سلّم جوابه للجانب المصري، حيث يتواصل مدير المخابرات المصرية، حسن رشاد، مع الفرنسيين، وسيَنقُل المعطيات اللبنانية إلى إسرائيل لبلورة مخرجٍ ما. ويلفت إلى وجود تنسيق بين الجهازين الأمنيين في مصر والولايات المتحدة في هذا الإطار.
وبحسب عقيل، يعارض حزب الله المفاوضات مع إسرائيل استنادًا إلى تجربة قطاع غزة التي "لم تكن مشجّعة"، لكنه لن يعترض في نهاية المطاف على مفاوضات غير مباشرة في حال تطوير عمل لجنة "الميكانيزم" وتطعيمها بشخصيات مدنية، شرط أن يكون التوجّه نحو اتفاق سلام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وفي المقابل، لا ترغب إسرائيل في مواصلة عمل لجنة "الميكانيزم"، بل تسعى إلى خلق منطقة عازلة في جنوب لبنان وتحقيق اتفاق أمني.
ويستبعد عقيل أن تُقدِم إسرائيل على شنّ حربٍ كبيرة على لبنان، لأنها تركز حاليًا على استهداف حزب الله وكوادره. ويرى أن إسرائيل أقدمت في الفترة الأخيرة على استهداف تجمعات مدنية وأراضٍ زراعية بهدف خلق مشكلة داخل بيئة حزب الله.
ضغط عسكري وسياسي
من جهته، يشير محلّل التلفزيون العربي للشؤون العسكرية، اللواء محمد الصمادي، إلى أن الحرب في لبنان تُشنّ من طرف واحد (إسرائيل) منذ بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من عمّان، يوضح الصمادي أن إسرائيل تريد القضاء على حزب الله وقطع أي دعم إيراني له، كما تريد الضغط على لبنان سياسيًا لإلزامه بتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل.
وبحسب الصمادي، تسعى البروباغندا الإعلامية الإسرائيلية إلى تضخيم قدرات حزب الله، في حين يشنّ الجيش الإسرائيلي ضرباتٍ يومية على أهدافٍ يزعم أنها تابعة للحزب.
ويرى الصمادي أن "إسرائيل تقف أمام خيار المسار الهجين، الذي يجمع بين استمرار الضربات المكثفة لتقليص قدرات حزب الله، وخلق ضغطٍ سياسي على بيروت".
كما يلفت إلى أن الدعم الأميركي الحالي يصبّ في مسار التسوية السياسية، لكنه قد يتحوّل إلى منح إسرائيل حرية شنّ ضربات عسكرية واسعة، في حال رأت أن حزب الله يشكّل خطرًا متصاعدًا.