السبت 18 أبريل / أبريل 2026
Close

بين "الرد والردع".. ما خلفيات ومستقبل الاشتباكات بين باكستان وأفغانستان؟

بين "الرد والردع".. ما خلفيات ومستقبل الاشتباكات بين باكستان وأفغانستان؟

شارك القصة

 تؤكد أفغانستان أن ما تتعرض له مدنها يمثل انتهاكًا للسيادة الوطنية - غيتي
تؤكد أفغانستان أن ما تتعرض له مدنها يمثل انتهاكًا للسيادة الوطنية - غيتي
تؤكد أفغانستان أن ما تتعرض له مدنها يمثل انتهاكًا للسيادة الوطنية - غيتي
الخط
تقدم إسلام أباد رواية رسمية تعتبر ما يجري ضرورة أمنية، وترسم ملامح مواجهة مفتوحة تتجاوز الردود المحدودة، مع تصاعد العمليات على جانبي الحدود بين البلدين.

تتّجه باكستان إلى مرحلة تصعيدًا غير مسبوقًا مع أفغانستان، متجاوزة خطاب ضبط الحدود إلى التلويح بفرض معادلة جديدة بالقوة العسكرية.

وقال وزير الدفاع الباكستاني إنّ "صبر إسلام أباد استنفد"، في وقت أعلن فيه الجيش تنفيذ ضربات استهدفت مواقع في كابل وقندهار، مشيرًا إلى مقتل أكثر من 270 عنصرًا من طالبان، وقصف 22 موقعًا ضمن عمليات وصفها بأنها رد على هجمات طالت مواقع عسكرية تابعة لباكستان.

وتُقدّم إسلام أباد رواية رسمية تعتبر ما يجري ضرورة أمنية، وترسم ملامح مُواجهة مفتوحة تتجاوز الردود المحدودة، مع تصاعد العمليات على جانبي الحدود بين البلدين.

في المقابل، تؤكد أفغانستان أنّ ما تتعرّض له مدنها يمثل انتهاكًا للسيادة الوطنية، معلنة تنفيذ عمليات واسعة ضد مواقع عسكرية باكستانية في إطار ما وصفته بالردّ على الاعتداءات التي استهدفت أراضيها.

وأضافت السلطات في كابل أنّها منفتحة في الوقت نفسه على الحوار مع إسلام أباد، وفق بيان رسمي شدّد على أنّ "الرد والدفاع لا يلغي خيار التفاوض".

مزيج من الردع والاستعداد للمواجهة

ويعكس الخطاب المتبادل بين الطرفين مزيجًا من الردع والاستعداد للمواجهة، مع رسالة واضحة مفادها أن أي ضربة ستقابل بإجراء مضاد، في ظل تصاعد التوتر على طول الحدود المشتركة.

وعلى المستوى الدولي، تتكثف الدعوات إلى احتواء التصعيد، حيث حثت تركيا الطرفين على العودة إلى طاولة المفاوضات، فيما أعربت المملكة المتحدة عن قلق بالغ ودعت إلى خفض التصعيد، مع استعداد دول أخرى للدخول في جهود وساطة لمنع توسع رقعة المواجهة.

ويعكس هذا الحراك الدبلوماسي خشية متزايدة من انزلاق الصراع إلى مستوى أوسع، ومحاولة لالتقاط لحظة تهدئة قبل أن يتحول التوتر إلى مسار يصعب احتواؤه، بما قد ينعكس سلبًا على الأمن الإقليمي والدولي.

"تصفية سياسية"

وفي هذا السياق، وصف سيد عرفان أشرف، أستاذ الصحافة والاتصال الجماهيري في جامعة بيشاور، الوضع بين باكستان وأفغانستان بأنّه "معقد جدًا"، مشيرًا إلى أن الأزمة لا تتعلق بالمسائل الأمنية فقط، بل تخضع أيضًا للتسييس والاستقطاب السياسي الداخلي.

وأضاف في حديث لـ "التلفزيون العربي" من بيشاور، أنّ "في باكستان نخبة سياسية تحكم في تحالف مع المؤسسة العسكرية، وعندما تبرز مشكلة داخلية يتم تحويلها إلى الحدود، كما حدث في المناوشات بين باكستان والهند قبل أسابيع، حيث ارتفعت شعبية النظام الحاكم بعدما أعلنت إسلام أباد أنها ربحت الحرب".

وتابع أن "الجهة الباكستانية تعتبر أنّ هذه الحرب ليست مواجهة عسكرية فقط بل نوعًا من التصفية السياسية، في ظل غياب دور فعلي للنخبة السياسية في اتخاذ قرار الحرب، إذ لا أرى سببًا واضحًا لها لأنها حربًا طويلة الأمد".

وأوضح أشرف أن هذه السياسة قائمة منذ 4 سنوات، منذ وصول طالبان إلى الحكم في أفغانستان عام 2021، حيث تزعم باكستان أن كابل تدعم تحريك طالبان باكستان، بينما ترفض طالبان هذه الاتهامات.

وختم بالقول إنّ "المشهد الحالي يعكس وضعًا معقدًا تمزج فيه السياسة بالأمن، في ظل حكم عسكري في باكستان وسلطة طالبان في أفغانستان، حيث لا يجلس الطرفان لمناقشة هذه المسألة، بل يجري تسييسها، بينما تدور أيضًا حربًا اقتصادية على خلفية هذا النزاع".

"مشكلة تاريخية"

من جانبه، اعتبر فضل الله ممتاز، الدبلوماسي الأفغاني السابق، أنّ الأزمة بين باكستان وأفغانستان ليست مسألة طارئة أو وليدة اللحظة، ولا تتعلق بطالبان أو بالإمارة الإسلامية في أفغانستان فقط، وإنّما هي قضية تاريخية نشأت منذ قيام باكستان بعد انسحاب بريطانيا من المنطقة، حيث تركت وراءها ملفات معقدة، أبرزها قضية كشمير وقضية أفغانستان".

وأوضح ممتاز أنّ باكستان دولة حديثة نسبيًا لا يتجاوز عمرها 80 سنة، في حين أن أفغانستان تمتلك تاريخًا يمتد لآلاف السنين، ما يجعل الخلاف بين البلدين مرتبطًا بعوامل جيوسياسية وجغرافية جعلت أفغانستان محل أطماع القوى الكبرى، بدءًا من بريطانيا، ثم الاتحاد السوفيتي، وصولًا إلى قوات حلف شمال الأطلسي.

وتابع أنّ التصعيد الحالي يتجاوز الإطار الثنائي بين البلدين، ويرتبط بسياق إقليمي ودولي أوسع يشمل التوترات المتعلقة بـإيران والولايات المتحدة، والحرب بين أوكرانيا وروسيا، إضافة إلى التوتر المزمن بين الهند وباكستان.

وختم بالقول إن "ما يجري اليوم قد يكون جزءًا من ترتيبات أوسع تُطبخ في المنطقة، وليس مرتبطًا بأفغانستان وحدها، ما يجعل الأزمة الحالية أبعد من كونها نزاعًا حدوديًا، ويضعها في إطار صراع إقليمي معقدًا ومتداخلًا".

عوامل كبرى

بدوره رأى مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أنّ  4 عوامل رئيسية تقف خلف الأزمة بين باكستان وأفغانستان.

وأضاف قبلان في حديث لـ"التلفزيون العربي" من لوسيل، أنّ العامل الأول يتمثّل في طبيعة حركة "طالبان" نفسها، لافتًا إلى أنها نشأت في الأصل داخل باكستان.

وأوضح قبلان أنّ المشهد تبدّل بعد أحداث أيلول 2001، عندما وقفت حكومة برويز مشرف إلى جانب الولايات المتحدة ضد طالبان، قبل أن تعود باكستان لاحقًا لدعمها في طريق العودة إلى الحكم عام 2021.

وأشار إلى أنّ طالبان، بعد عودتها إلى السلطة، وجدت نفسها في وضع أقوى بكثير من السابق، مع شعور عال بالثقة بالنفس بعد هزيمة قوتين عظميين هما الاتحاد السوفيتي سابقا والولايات المتحدة، ما دفعها إلى تبنّي سياسة خارجية أكثر استقلالًا ورفضًا لأي تبعية لباكستان.

واعتبر أنّ هذا التحول أزعج إسلام أباد، خصوصًا مع توجّه السياسة الخارجية الأفغانية نحو تعزيز العلاقات مع الهند، وهو ما وضع باكستان في موقع أضعف مما كانت تتوقعه قياسًا إلى تاريخ العلاقة الطويل مع طالبان.

أما العامل الثالث، بحسب قبلان، فيتعلّق بملف "طالبان باكستان"، حيث تتهم إسلام أباد طالبان أفغانستان بدعمها عبر الحدود المشتركة بين البلدين.

وأوضح أنّ العامل الرابع يرتبط بمشكلة الحدود نفسها، وتحديدًا بخط دوراند الذي رسمته بريطانيا في أواخر القرن التاسع عشر عندما كانت تحتل شبه القارة الهندية، وهو خط لا تعترف به أفغانستان لأنه قسم قبائل البشتون على جانبي الحدود بين البلدين.

وأضاف أنّ هذه القضايا مترابطة إلى حد كبير، إذ يتداخل ملف الحدود مع ملف طالبان باكستان ومع طبيعة العلاقة التاريخية بين كابل وإسلام أباد، ما يجعل الأزمة الحالية أكثر تعقيدا من مجرد تصعيد أمني عابر.

وختم قبلان بالتأكيد أنّ ما يجري اليوم يعكس تراكمات تاريخية وسياسية وجيوسياسية طويلة، تجعل من الصعب فصل المواجهة الراهنة عن السياق الإقليمي الأوسع الذي تعيشه المنطقة.

تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي
المزيد من