السبت 12 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

بين المناسبة والمجاملة.. كيف تغيّرت علاقتنا بالهدايا؟

بين المناسبة والمجاملة.. كيف تغيّرت علاقتنا بالهدايا؟ محدث 19 أغسطس 2026

شارك القصة

تحمل الهدايا قيمة الاهتمام والامتنان والواجب أحيانًا- غيتي
تحمل الهدايا قيمة الاهتمام والامتنان والواجب أحيانًا- غيتي
تحمل الهدايا قيمة الاهتمام والامتنان والواجب أحيانًا- غيتي
الخط
تغيرت أشكال تبادل الهدايا في عصرنا الحالي بين قائمة الرغبات وبطاقة الشراء والتحويل المالي والهدايا التي تأتي لأن "الدور وصل إلينا".

قبل عيد ميلاد صديق بأيام، يصل تنبيه على الهاتف. نبحث قليلًا، نفتح قائمة رغبات إن وجدت، نختار شيئًا، ندفع، ونحدد موعد التوصيل. وفي مناسبة أخرى، قد لا نبحث عن هدية أصلًا، وإنما نسأل السؤال الأكثر عملية: كم من المناسب أن ندفع؟

لا يعني ذلك أن الهدية فقدت معناها، أو أن الناس قديمًا كانوا يقدمونها بدافع عاطفي خالص. فالهدية كانت دائمًا جزءًا من العلاقات الاجتماعية، تحمل معها الاهتمام والامتنان، وأحيانًا الواجب والتبادل أيضًا. وتبيّن مراجعة واسعة لأبحاث سلوك تقديم الهدايا أن الدوافع والتوقعات والعلاقة بين المانح والمتلقي تدخل في الطريقة التي نختار بها الهدية ونفسرها.

لكن أشكال هذا التبادل تغيرت. بين قائمة الرغبات، وبطاقة الشراء، والتحويل المالي، والهدايا التي تأتي لأن "الدور وصل إلينا"، صار الخط الفاصل أقل وضوحًا بين هدية تقول: فكرت فيك، وأخرى تقول: لم أنسَ ما تقتضيه المناسبة.

فماذا بقي من المفاجأة؟ ولماذا يمكن لهدية صغيرة في يوم عادي أن تعني أحيانًا أكثر من هدية أكبر في عيد ميلاد؟

المناسبة ترفع سقف الهدية


ننتظر الهدايا في أوقات محددة: عيد ميلاد، زواج، تخرج، مولود جديد، عيد أو زيارة. ومع التوقع يأتي معيار ضمني لما يفترض أن يحدث. وهذا ما يجعل هدية المناسبة مختلفة عن الهدية التي تصل بلا سبب. وقد قارن بحث نشر في "مجلة علم نفس المستهلك" بين الهدايا المرتبطة بمناسبة وتلك التي تُقدَّم في يوم عادي.

ووجد الباحثان أن المتلقين يتوقعون شعورًا إيجابيًا قويًا تجاه الهدية المفاجئة حتى عندما تكون متواضعة، بينما تصبح جودة الهدية أكثر أهمية في المناسبات التي يكون تقديم شيء فيها متوقعًا أصلًا.

تختلف هدية المناسبة عن الهدية التي تصل بلا سبب- غيتي
تختلف هدية المناسبة عن الهدية التي تصل بلا سبب- غيتي

فعندما لا توجد مناسبة، يصبح مجرد تقديم الهدية رسالة بحد ذاته. أما في المناسبة، فلا يكفي أحيانًا أن نقول "أحضرت هدية". يبدأ السؤال الآخر: ماذا أحضر؟

المجاملة ليست عكس الاهتمام

قد تبدو "المجاملة" كلمة تقلل من قيمة الهدية، لكنها تؤدي وظيفة اجتماعية حقيقية. نحضر شيئًا حين نزور منزلًا، ونرسل هدية عند الزواج، ونتذكر مناسبة شخص قريب لأن تجاهلها يمكن أن يحمل رسالة لم نقصدها. ورغم أن ليست كل هذه الهدايا لحظات إلهام، لكنها تساعد على تثبيت العلاقات والإقرار بها. لهذا تصبح بعض الهدايا أقرب إلى لغة اجتماعية لها قواعد غير مكتوبة.

نعرف تقريبًا متى يجب أن نحضر شيئًا، ومتى يمكن أن نكتفي برسالة، وما الحجم الذي يبدو طبيعيًا لهدية زميل مقارنة بهدية شقيق.

ولا توجد لائحة موحدة لهذه القواعد، لكنها تظهر فورًا عندما نخرج عنها: هدية صغيرة جدًا قد تُفهم كتقصير، وهدية ضخمة جدًا قد تسبب حرجًا. لذا لا بد من اختيار هدية تناسب طبيعة العلاقة.


لماذا لا تكون الهدية الأغلى هي الأفضل؟


وقد يبدو المال وسيلة سهلة لقياس الهدية. كلما دفعنا أكثر، نشعر بأننا أظهرنا اهتمامًا أكبر. لكن المتلقي لا يحسبها بالطريقة نفسها بالضرورة.

ففي ثلاث دراسات نشرها باحثون في "مجلة علم النفس الاجتماعي التجريبي"، توقّع مقدمو الهدايا أن يرتبط السعر الأعلى بامتنان أكبر، بينما لم يظهر لدى المتلقين الارتباط نفسه بين مقدار ما أنفق على الهدية ومدى تقديرهم لها.

وهذا يفسر مفارقة مألوفة: شيء صغير يشير بوضوح إلى أن شخصًا يعرفنا قد يبقى في الذاكرة أكثر من شيء أغلى اختير لأن سعره "يليق بالمناسبة". فالهدية تنقل مقدار الانتباه الذي نظن أن الآخر خصصه لنا.

تبدو "المجاملة" كلمة تقلل من قيمة الهدية- غيتي
تبدو "المجاملة" كلمة تقلل من قيمة الهدية- غيتي
قائمة الرغبات.. هل قتلت المفاجأة؟

وبينما يمكن النظر إلى سؤال شخص عما يريده بوصفه طريقة تفسد فكرة الهدية كلها، تشير الأبحاث إلى مفارقة أخرى.

ففي خمس دراسات تناولت الاختلاف بين ما يعتقده المانح وما يريده المتلقي، وجد الباحثان فرانسيسكا جينو وفرانسيس فلين أن الناس كانوا أكثر تقديرًا للهدايا التي طلبوها فعلًا من تلك التي لم يطلبوها، بينما كان مقدمو الهدايا يميلون إلى الاعتقاد بأن الاختيار من خارج القائمة سيبدو أكثر اهتمامًا وإبداعًا.

وهكذا لم تُلغِ قائمة الرغبات الهدية، وإنما غيرت موضع المخاطرة فيها.

لم يعد المطلوب دائمًا إثبات أننا قادرون على قراءة عقل الطرف الآخر. أحيانًا يكون الاهتمام نفسه في الإنصات لما قال إنه يريده.


حين لا تعود الهدية شيئًا


ولا تختصر الهدية بشيء مادي، فدعوة على عشاء أو تذكرة لحفل أو رحلة قصيرة أو بطاقة لحضور دورة تدريبية، كلها يمكن أن تحل محل الصندوق المغلف.

وليست التجارب بديلًا أقل قيمة من الأشياء. فقد وجدت دراسة في "مجلة أبحاث المستهلك" أن الهدايا التجريبية يمكن أن تعزز شعور المتلقي بقوة العلاقة أكثر من الهدايا المادية، وربطت الدراسة ذلك بالمشاعر التي تولدها التجربة عند عيشها.

ربما يساعد ذلك في تفسير انجذاب بعض الناس إلى قول: "لا أريد شيئًا، لنفعل شيئًا معًا". فالبيت قد يكون ممتلئًا بما يكفي، لكن التجربة لا تحتاج إلى رف جديد.


الهدية التي تتحول إلى دَين صغير


هناك لحظة أخرى تكشف أن الهدية ليست شيئًا بريئًا تمامًا من الحسابات الاجتماعية: أن نتلقى شيئًا ولا يكون لدينا ما نقدمه في المقابل. قد يقول المانح إنه لا ينتظر شيئًا، لكن المتلقي يمكن أن يشعر مع ذلك بأنه أصبح مدينًا بردّ ما.

فقد وجدت دراسة منشورة في "مجلة أبحاث الأعمال" أن مانحي الهدايا يقللون من تقدير مقدار الانزعاج الذي قد يشعر به شخص يتلقى هدية في مناسبة تبادلية وهو غير قادر على ردها.

وهذا هو الوجه الآخر للمجاملة: الهدية تقرّب الناس، لكنها تستطيع أيضًا أن تفتح دفترًا صغيرًا غير مكتوب في رؤوسهم. لا أحد يمسك آلة حاسبة بالضرورة، لكن العلاقات تحفظ شيئًا من ذاكرتها الخاصة.

قد تحل تجربة محل الصندوق المغلف- غيتي
قد تحل تجربة محل الصندوق المغلف- غيتي

هل كانت الهدية يومًا بعيدة تمامًا عن المجاملة؟

نحن نقدم الهدايا لأننا نحب، ولأننا نشكر، ولأننا نريد أن نتذكر ونُتذكر، وأحيانًا لأن المناسبة وصلت ولا نريد أن نأتي بأيدٍ فارغة. ويمكن للدوافع كلها أن تجتمع في الهدية نفسها.

لكن الطريف أن الأبحاث تعيدنا في النهاية إلى أبسط صورة للهدية: الشيء الصغير الذي لا ينتظره أحد.

فعندما تحضر هدية في عيد ميلاد، هناك مناسبة تفسر وجودها. أما عندما تصل في ثلاثاء عادي، فلا يوجد تفسير جاهز سوى شخص آخر فكّر فيك.

وربما لهذا، مهما أصبحت الهدايا أسرع في الشراء وأسهل في الاختيار وأكثر خضوعًا لقواعد المناسبات، ما زالت الجملة التي نريد أن تقولها أفضلها قديمة جدًا: رأيت هذا.. فتذكرتك.

 

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من