الثلاثاء 14 يوليو / يوليو 2026
Close

بين بروكسل وموسكو.. كيف تحول 9 مايو إلى معركة على ذاكرة الحرب والسلام؟

بين بروكسل وموسكو.. كيف تحول 9 مايو إلى معركة على ذاكرة الحرب والسلام؟

شارك القصة

لحظة رفع علم الاتحاد السوفياتي على مبنى الرايخستاغ "البرلمان" الألماني مع نهاية الحرب
لحظة رفع علم الاتحاد السوفياتي على مبنى الرايخستاغ "البرلمان" الألماني مع نهاية الحرب- إكس
لحظة رفع علم الاتحاد السوفياتي على مبنى الرايخستاغ "البرلمان" الألماني مع نهاية الحرب- إكس
الخط
يكشف التاسع من مايو انقساما عميقا في قراءة الحرب العالمية الثانية، بين قارة تحتفل بالسلام عبر التكامل ودولة تستعيد النصر العسكري بوصفه جزءًا من هويتها السياسية.

لا يستعيد التاسع من مايو/أيار ذكرى واحدة في أوروبا، بل يكشف انقسامًا عميقًا في طريقة قراءة الحرب العالمية الثانية ومعنى السلام والقوة والهوية في القارة حتى اليوم.

ففي بروكسل، يُحتفى بـ"يوم أوروبا" باعتباره محطة سياسية ترمز إلى ولادة مشروع التعاون الأوروبي بعد حربين عالميتين دمويتين، بينما يتحول اليوم نفسه في موسكو إلى طقس وطني ضخم يستعيد انتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية ويكرّس صورة الدولة القوية وذاكرة الحرب.

وبين العاصمتين، لا يبدو 9 مايو مجرد مناسبة تاريخية، بل ساحة رمزية تتقاطع فيها الذاكرة مع السياسة والحروب المعاصرة.

ويحتفل الاتحاد الأوروبي بيوم أوروبا استنادًا إلى إعلان وزير الخارجية الفرنسي الأسبق روبرت شومان عام 1950، حين اقترح وضع إنتاج الفحم والصلب الفرنسي والألماني تحت سلطة مشتركة، في خطوة مهدت لاحقًا لتأسيس الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، ثم لمسار التكامل الذي انتهى بقيام الاتحاد الأوروبي بصيغته الحالية.

نصب الجندي المجهول في الحرب العالمية الثانية ببلجيكا-
نصب الجندي المجهول في الحرب العالمية الثانية ببلجيكا- غيتي

ذاكرة صنعت مشروعًا سياسيًا

ولم يكن اختيار الفحم والصلب تفصيلًا اقتصاديًا فحسب، إذ شكّلا في ذلك الوقت عماد الصناعة الثقيلة وآلة الحرب، ما جعل المشروع الأوروبي يقوم على فكرة واضحة مفادها أن تقاسم موارد الحرب وإدارتها جماعيًا يقلص احتمالات اندلاع حرب جديدة بين فرنسا وألمانيا.

بهذا المعنى، وُلد المشروع الأوروبي من ذاكرة الخوف من الحرب، لا من فكرة الرفاه السياسي فقط، إذ تحوّل السلام بعد عام 1945 إلى شبكة طويلة من المصالح والمؤسسات التي هدفت إلى منع تكرار الكارثة الأوروبية.

موسكو وملحمة النصر

لكن هذا السرد لم يكن موحدًا في أنحاء القارة. ففي أوروبا الشرقية، ارتبطت نهاية الحرب العالمية الثانية أيضًا ببداية مرحلة طويلة من النفوذ السوفيتي، ما جعل ذاكرة عام 1945 أكثر تعقيدًا والتباسًا من مجرد رواية انتصار واحدة.

وفي روسيا، يحمل 9 مايو معنى مختلفًا تمامًا، إذ يُعرف باسم "يوم النصر" في "الحرب الوطنية العظمى"، وهو أحد أكثر المناسبات حضورًا في الوعي الروسي المعاصر.

وترتبط المناسبة بتضحيات بشرية هائلة قدمها الاتحاد السوفيتي خلال الحرب ضد ألمانيا النازية، قبل أن تتحول في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أحد أهم الطقوس السياسية للدولة الروسية الحديثة.

تحول ذكرى الانتصار على النازية في عهد بوتين  إلى أحد أهم الطقوس لروسيا
تحول ذكرى الانتصار على النازية في عهد بوتين إلى أحد أهم الطقوس لروسيا- غيتي

ويظهر ذلك من خلال العروض العسكرية الضخمة في الساحة الحمراء والخطابات الرسمية واستحضار الرموز السوفيتية وفكرة الصمود في مواجهة "الأعداء"، في خطاب يربط بين ذاكرة الحرب وقوة الدولة الروسية الحالية.

لكن احتفالات هذا العام جاءت محاطة بظلال الحرب في أوكرانيا، بعدما أقامت موسكو عرضًا عسكريًا محدودًا نسبيًا وسط إجراءات أمنية مشددة ومخاوف من هجمات بالطائرات المسيّرة.

كما أعلنت السلطات الروسية إسقاط عشرات المسيّرات التي قالت إنها كانت تستهدف موسكو قبيل المناسبة، في مشهد جعل ذكرى الحرب العالمية الثانية متداخلة مباشرة مع الحرب الدائرة حاليًا في أوروبا.

بروكسل وموسكو.. روايتان للقارة

وهكذا، لم يعد 9 مايو استعادة لحدث تاريخي بعيد فقط، بل تحوّل إلى مرآة للصراع الراهن بين روسيا والغرب، وإلى ساحة مواجهة حول معنى التاريخ نفسه.

فروسيا تستخدم خطاب "النصر على النازية" ضمن سرديتها السياسية للحرب في أوكرانيا، بينما ترى كييف وعدد من الدول الأوروبية أن موسكو توظف الذاكرة السوفيتية لتبرير حرب جديدة داخل القارة.

أما الأمم المتحدة فتحاول تقديم صيغة أكثر توازنًا عبر الاعتراف بيومي الثامن والتاسع من مايو باعتبارهما يومين للذكرى والمصالحة تكريمًا لضحايا الحرب العالمية الثانية، مع الإقرار بحق الدول في الاحتفاظ بتواريخها الوطنية الخاصة بالنصر والتحرير. لكن هذا الطرح الأممي لا يلغي حقيقة أن الذاكرة، في السياسة، نادرًا ما تكون محايدة بالكامل.

ففي بروكسل، يظهر 9 مايو عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي وأعلامه وشعاراته القائمة على التعاون والتكامل والسلام، بينما يظهر في موسكو عبر الجيش والعروض العسكرية والخطاب الذي يربط بين التاريخ والقوة والسيادة.

وكلا المسارين خرج من رحم الحرب العالمية الثانية، غير أن أوروبا الغربية بنت مشروعها على فكرة تقليص احتمالات الحرب عبر تشابك المصالح، فيما بنت روسيا جزءًا كبيرًا من هويتها الحديثة على ذاكرة الانتصار العسكري.

ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، تبدو الهوة بين الروايتين أكثر اتساعًا من أي وقت مضى. لذلك، لا يمكن النظر إلى التاسع من مايو باعتباره ذكرى موحدة، بل كتاريخ تتنازعه روايتان متقابلتان: رواية ترى أن السلام يولد من التعاون وتجاوز النزعات القومية، وأخرى تعتبر أن قوة الدولة وذاكرة الانتصار العسكري هما أساس البقاء والهوية.

حين تصبح الذاكرة قوة سياسية

وتكمن أهمية هذا اليوم ليس فقط في ما حدث عام 1945، بل في الطريقة التي تُستخدم بها هذه الذاكرة اليوم لفهم الحاضر ورسم ملامح المستقبل، وسط عالم لا يزال يعيش ارتدادات أكبر حرب عرفتها البشرية.

ربما يحتاج العالم اليوم إلى ذاكرة ثالثة: لا تمحو تضحيات الشعوب، ولا تختزل التاريخ في استعراض القوة، ولا تحول السلام إلى شعار مؤسسي بارد. ذاكرة تعترف بأن الحرب العالمية الثانية كانت كارثة إنسانية هائلة، وأن أعظم تكريم لضحاياها ليس في امتلاك الماضي، وإنما في منع تكرار منطقه.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي