الثلاثاء 9 كانون الأول / ديسمبر 2025

تاريخ نضال الأسرى الفلسطينيين: من القيد إلى المقاومة

تاريخ نضال الأسرى الفلسطينيين: من القيد إلى المقاومة محدث 24 تموز 2025

شارك القصة

يد فلسطينية خلف الأسلاك الشائكة ترمز إلى صمود الأسرى داخل السجون الإسرائيلية ومعركتهم من أجل الحرية والمقاومة - غيتي
يد فلسطينية خلف الأسلاك الشائكة ترمز إلى صمود الأسرى داخل السجون الإسرائيلية ومعركتهم من أجل الحرية والمقاومة - غيتي
الخط
وثّق نضال الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية تحوّلات سياسية واجتماعية جعلت من الزنازين فضاءً للمقاومة وبناء الهوية الوطنية.

في ظل حملة غير مسبوقة من القمع، وصفها مختصّون بأنها الأشد "وحشية" منذ احتلال 1967، يُعاد تسليط الضوء على تاريخ نضال الأسرى الفلسطينيين في مواجهة إدارة السجون الإسرائيلية، بكل ما رافقه من تطورات وتقلبات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنضال الفلسطيني العام، حيث شكّل الأسرى عنصرًا محوريًا في النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي الفلسطيني.

لم تكن تجربة الأسر مبنية فقط على المعاناة، بل تحوّلت عبر العقود إلى أحد أعمدة الهوية الوطنية الفلسطينية، بما راكمه الأسرى من أشكال المقاومة داخل السجون، وبما جسّدوه من وحدة وطنية حينًا، وصراعات داخلية حينًا آخر. فقد شكّلت الزنازين ساحات للتثقيف والتنظيم، ولصوغ الأفكار والرؤى السياسية التي امتد أثرها إلى خارج جدران المعتقلات، فأصبحت الحركة الأسيرة مرآة دقيقة تعكس تحوّلات القضية الفلسطينية نفسها.

ومن هنا، لا يُعدّ تتبّع نضال الأسرى مجرّد تأريخ للاعتقال، بل مدخلًا لفهم طبيعة الصراع وعمق التجربة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال.

البدايات القاسية.. الكفاح لانتزاع حقوق أساسية

تعرّض الفلسطينيون لتجربة الاعتقال قبل النكبة، في السجون البريطانية(1)، وتذكر مصادر تاريخية أن التجربة الاعتقالية الفلسطينية الحديثة بدأت في عام 1965 مع اعتقال الاحتلال لعدد من الفلسطينيين في تلك الفترة.

ومنذ احتلال قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية في حرب 1967، تعرّض أكثر من مليون فلسطيني للاعتقال، وكان أول الأسرى الفلسطينيين بعد النكسة هو محمود بكر حجازي، الذي اعتُقل بعد إصابته خلال مشاركته في عملية مع دورية فدائية(2)، ثم تزايد عدد الأسرى مع تصاعد العمل العسكري وحركة النضال داخل الأرض المحتلة أو مع الدوريات الفدائية القادمة من دول الطوق.

أقام الاحتلال عدة مراكز تحقيق وسجون موزعة على مناطق فلسطين، بينها ما كان قائمًا قبل 1948، بالإضافة إلى سجون كانت قائمة في مراكز مدن الضفة الغربية قبل أن تُغلق عقب انسحاب الاحتلال منها وتسليمها للسلطة الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو(3).

فرض الاحتلال على الأسرى في البداية حزمة من الإجراءات القمعية، واستخدم أدوات مختلفة لتحقيق هدف الكسر والتنكيل بهم:

  • الحرمان من الحقوق الأساسية مثل الملابس، والأغطية، والطعام الكافي، وانعدام الظروف الصحية المناسبة، وانتشار الأمراض بين الأسرى، خاصة الجلدية.

  • "حفلات الضرب" الجماعي وفقًا لتعبير الأسرى عن الاعتداءات الوحشية التي تعرضوا لها من قبل السجانين، كما في استشهاد الأسير عمر الشلبي من مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين في سوريا عام 1973، على يد مدير سجن عسقلان الذي اعتدى عليه بالضرب حتى فارق الحياة.

  • سياسات الإذلال مثل إجبار الأسرى على مناداة السجانين بـ"سيدي"، وجلسة القرفصاء في النصف الأخير من "الفورة/ الوقت الذي يُسمح فيه للأسير بالخروج للمشي في ساحة السجن"، وعدم السماح لهم بالاقتراب من سرير النوم طوال ساعات النهار، وهو ما أسماه الأسرى "أسطورة البرش المقدس".

  • إجبار الأسرى على العمل في مرافق ومصانع إسرائيلية ضمن سياسات تصفها دراسات تاريخية بأنها في سياق "العبودية الحديثة"، مثل معدات جيش الاحتلال الثقيلة، وأعمال البناء لتوسيع المعتقلات، وتنظيف غرف الضباط والسجانين، وتعرضهم للضرب والتنكيل خلال هذه الأعمال.

  • الحصار الثقافي: منع الجلسات الثقافية، والأقلام والأوراق، وإجبارهم على الاستماع للإذاعة الإسرائيلية، وسياسة "مسح الأدمغة" من خلال خبراء حاولوا ترويج الرواية الإسرائيلية بينهم، وتوزيع كتب لا علاقة لها بالواقع السياسي والوطني الفلسطيني، تزامنًا مع منعهم من إدخال الكتب من الخارج(4).

يد مقيدة بالأصفاد خلف قضبان السجن، ترمز لتعذيب الأسرى الفلسطينيين - غيتي
يد مقيدة بالأصفاد خلف قضبان السجن، ترمز لتعذيب الأسرى الفلسطينيين - غيتي

مواجهة القمع والتنظيم الداخلي

واجهت الحركة الأسيرة في السنوات الأولى تحدّي بناء ذاتها عبر مؤسسات جماعية تنظم شؤونها الداخلية والنضالية في مواجهة إدارة السجون الإسرائيلية، وتسهم في تحقيق أهداف التثقيف السياسي والوطني والثقافي العام، والبقاء على اتصال مع الحركة الوطنية الفلسطينية خارج السجون، والمساهمة في الكفاح العام للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال. في تلك المرحلة، كانت حالة التشظي والتشرذم هي السائدة، لأسباب أبرزها سياسة إدارة السجون التي حرصت على منع أي تشكيل منظم للأسرى. وكان للعمل القسري داخل السجون أثر سلبي على العلاقات الداخلية في السجون(5)، إلى جانب انعدام الخبرة الاعتقالية حينها بين المعتقلين، إذ كانت الغالبية منهم حديثي العهد بالسجون.

ورغم ضعف التنظيم وشدّة القمع، خاض الأسرى مواجهات مع إدارة السجون لانتزاع حقوق أساسية، بينها الحق في العلاج، إذ اكتفى السجانون غالبًا بمنح المسكنات للمصابين، دون أي رعاية طبية حقيقية.

الإضراب.. نضال الجسد والإرادة

خاض الأسرى خلال هذه السنوات سلسلة من الإضرابات، كان أبرزها:

  • إضراب سجن الرملة في فبراير/ شباط لمدة 11 يومًا، و"كفار يونا" لثمانية أيام، احتجاجًا على اعتداءات السجانين وانتهاك الكرامة الإنسانية.

  • إضراب الأسيرات في سجن "نفي ترتسا" في أبريل/ نيسان 1970، واستمر 9 أيام، وتعرّضن خلاله للقمع.

  • إضراب سجن عسقلان في يوليو/ تموز 1970، واستمر 7 أيام، واستُشهد فيه الأسير عبد القادر أبو الفحم.

  • إضراب أسرى سجن بئر السبع عن الخروج للعمل في يناير/ كانون الثاني 1970.

  • إضراب سجن عسقلان في يوليو/ تموز 1973 لمدة 9 أشهر، تحت شعار "حرية عدم العمل"، بهدف وقف إجبار الأسرى على العمل. وقد قاطعوا الزيارات، وتوقفوا عن إرسال الرسائل، وامتنعوا عن الحلاقة والخروج لساحة العمل.

  • الإضراب "التاريخي" في سجن عسقلان عام 1976، واستمر 45 يومًا، ومثّل نقطة تحوّل في نضال الحركة الأسيرة لتحقيق مطالب إنسانية وثقافية، ووقف الانتهاكات في السجون.

  • إضراب جديد في عسقلان لمدة 20 يومًا بعد شهور من الإضراب السابق، احتجاجًا على تنصّل إدارة السجون من تنفيذ المطالب.

  • إضراب سجن نفحة في يوليو/ تموز 1980، استمر 32 يومًا، وامتد إلى سجون أخرى، واستُشهد خلاله الأسرى راسم حلاوة، وعلي الجعفري، وأنيس دولة، ولاحقًا إسحاق مراغة، نتيجة القمع الوحشي بإشراف وزير الداخلية الإسرائيلي يوسف بورغ. وقد حقق الإضراب إنجازات مهمة، ودعمه حراك جماهيري واسع في الأراضي المحتلة.

  • إضراب سجن الجنيد في سبتمبر/ أيلول 1984، وانضم إليه لاحقًا باقي السجون، وحقق الأسرى خلاله إنجازات أجبرت وزير الداخلية الإسرائيلي آنذاك حاييم بارليف على الاستجابة لمطالبهم المتعلقة بالعلاج والطعام وإحضار الراديو.

  • إضراب مارس/ آذار 1987 من سجن الجنيد، وامتد إلى سجون أخرى، احتجاجًا على سحب مدير إدارة السجون الجديد، دافيد ميمون، للإنجازات السابقة. وتعتبره دراسات مختلفة من العوامل التي مهّدت لاندلاع انتفاضة الحجارة في ديسمبر/ كانون الأول من العام ذاته.(6)

جدارية للأسير خضر عدنان المضرب عن الطعام في غزة، تمثل رمز الإضراب كأداة نضالية جسدية وإرادية داخل السجون الإسرائيلية
جدارية للأسير خضر عدنان المضرب عن الطعام في غزة، تمثل رمز الإضراب كأداة نضالية جسدية وإرادية داخل السجون الإسرائيلية - غيتي

مرحلة البناء التنظيمي وظهور التكتلات السياسية

سعى الأسرى إلى مواجهة التحديات التي فرضتها عليهم إدارة السجون في السنوات الأولى عبر هيئات تنظيمية سيبقى لها دور مركزي في حياتهم الاعتقالية في السنوات اللاحقة. ظهرت تشكيلات مثل "اللجنة الوطنية العامة"، و"ممثّل المعتقل"، و"لجنة الحوار"، وغيرها، كان هدفها إدارة المواجهة مع الاحتلال، وتنظيم التنسيق بين الأحزاب التي بدأت تتبلور داخل السجون. وقد انتمى الأسرى حينها إلى خلفيات فكرية وسياسية متنوعة، أبرزها حركة القوميين العرب التي انضم أعضاؤها إلى الجبهة الشعبية لاحقًا، وفصائل مختلفة من اليسار، إضافة إلى حركة فتح، ومقاتلين من جيش التحرير الذين خاضوا عمليات فدائية ضد الاحتلال في قطاع غزة، وكذلك أسرى عرب ومن تنظيمات متضامنة مع القضية الفلسطينية من دول مختلفة. وفي مرحلة لاحقة، بدأت تتشكل نواة تيار إسلامي داخل السجون، عُرف باسم "الجماعة الإسلامية"، وجمع بين الأسرى المتأثرين بأفكار الحركات الإسلامية، وذلك قبل تبلور التكتلات الخاصة بأسرى حركتي حماس والجهاد الإسلامي بعد انطلاقتهما في الثمانينيات.

تطورت التجربة التنظيمية للحركة الأسيرة مع مرور الزمن، وأصبح لها حضور مركزي داخل البنية التنظيمية لفصائلها خارج السجون، ونجحت في بناء أجهزة متخصصة في مجالات متعددة كالثقافة، والسياسة، والاجتماع، والإعلام، والأمن الداخلي. ورغم الخلافات الفكرية والسياسية بين الأسرى، تبعًا لاختلاف أيديولوجياتهم الحزبية، إلا أن الحركة الأسيرة نجحت عمومًا في إدارة هذه الخلافات، وحل الإشكالات اليومية أو المرتبطة بالبرنامج السياسي، وقادت خطوات نضالية كبرى، أبرزها الإضرابات عن الطعام، لانتزاع الحقوق من إدارة السجون الإسرائيلية(7).

استغلت إدارة السجون كل فرصة لإضعاف الجسم التنظيمي للحركة الأسيرة، خاصة في الثمانينيات، التي تُعد مرحلة تأسيسية حاسمة. فقد حاولت الإدارة الإسرائيلية الانقضاض على الأسرى بعد صفقة التبادل في عام 1985، والتي أسفرت عن تحرير مئات الأسرى من ذوي التجربة التنظيمية الطويلة والقيادية، ما شكّل فراغًا مؤقتًا داخل السجون(8).

شارك الأسرى الفلسطينيون في تلك المرحلة معاناة الاعتقال والنضال إلى جانب أسرى من دول عربية وإسلامية، وآخرين من حركات تحرر ارتبطت بعلاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية. وتمكّنوا من تطوير "أدب سجون" خاص، من خلال الروايات والمذكرات والكتب الفكرية والسياسية، التي أبدعوا في تهريبها بعيدًا عن أعين السجّانين الذين كانوا يتتبعون حتى قصاصات الورق.

وبعد نضال طويل، انتزعت الحركة الأسيرة حقّها في التعليم، إذ اضطر الأسرى في البدايات إلى الكتابة على علب السجائر وتهريب الأقلام والأوراق، وصولًا إلى الحصول على حق تقديم امتحانات الثانوية العامة، ثم الانتساب إلى الجامعة المفتوحة التي حصل عدد منهم منها على شهادات بكالوريوس ودرجات عليا في تخصصات متعددة(9).

كما تعلّم العديد من الأسرى اللغة العبرية، وأصبح بعضهم متخصّصين في الشأن الإسرائيلي، بل ومحلّلين سياسيين. إلا أن هذا المسار ظل مثار نقاش داخلي بين الأسرى أنفسهم، حول مدى الاقتراب من اللغة والثقافة الإسرائيلية، وتأثير ذلك على الرؤية الوطنية، والموقف من المفاوضات، والعمل العسكري ضد الاحتلال، وغيرها من القضايا المعقّدة التي تعكس تعقيد الواقع الفلسطيني ذاته.(10)

تمرد السجون واندلاع انتفاضة 1992

في السنوات الأخيرة من عقد الثمانينيات، وصولًا إلى بداية التسعينيات التي شهدت مرحلة جديدة في التاريخ الفلسطيني بعد توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، خاض الأسرى نضالات متصاعدة في مواجهة جرائم إدارة السجون، خاصة بعد اعتقال الاحتلال آلاف الفلسطينيين عقب اندلاع الانتفاضة الأولى.

من أبرز هذه المواجهات ما جرى في سجن "كتسيعوت" في النقب، حيث تعرّض الأسرى هناك لتنكيل واسع النطاق، ما دفعهم إلى التمرد على نظام "العدد"، الذي كان جنود الاحتلال يستغلونه لإذلال الأسرى. وخلال هذا التمرد، استُشهد الأسيران سعد الشوا وبسام صمودي، وأُصيب 125 آخرون نتيجة إطلاق النار المباشر، بمشاركة قائد السجن.

مارس الاحتلال في تلك الفترة سياسة تعذيب ممنهجة في مراكز التحقيق، أدّت إلى استشهاد عدد من الأسرى. وقد وثّقت محاميتان إسرائيليتان بارزتان، فليتسيا لانغر في كتابها "بأم عيني"، وليئا تسيمل في كتابها "المعتقلون العرب في السجون الإسرائيلية"، شهادات صادمة عن هذه الانتهاكات(11).

اعتبارًا من عام 1989، بدأت إدارة السجون بفتح أقسام للعزل الانفرادي في زنازين قاسية، انطلقت من سجن الرملة وامتدت إلى سجون أخرى، وكان هذا من الأسباب الرئيسية لاندلاع "انتفاضة السجون" في سبتمبر/ أيلول 1992، والتي شملت احتجاجات جماعية ضد العزل والتعذيب وسوء المعاملة. لكن هذه المرحلة لم تلبث أن واجهت تحوّلات سياسية كبرى خارج السجون، مع توقيع اتفاق أوسلو، الذي فتح فصلًا جديدًا من التحديات أمام الحركة الأسيرة.

صورة توثق نهاية إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام في سجون الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 11 أكتوبر 1992 - غيتي
صورة توثق نهاية إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام في سجون الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 11 أكتوبر 1992 - غيتي

أوسلو.. المرحلة الفاصلة

أحدثت مباحثات السلام بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل أملًا لدى طيف من الأسرى باقتراب نيل حريتهم، في مقابل اعتراض واضح من طيف آخر، خصوصًا من التيارات الإسلامية واليسارية، الذين رأوا في المسار السياسي انحرافًا عن جوهر النضال الوطني. وقد انعكست هذه الانقسامات على علاقاتهم الداخلية، وتحوّلت إلى نقاشات محتدمة داخل السجون. لكن سرعان ما أصيب معظم الأسرى بخيبة أمل، بعد أن تبيّن أن ملفهم لم يحظَ بالأولوية في المفاوضات، وأُفرج فقط عن دفعات من الأسرى الذين صنّفهم الاحتلال ضمن من "لم تلطخ أيديهم بالدماء".

كان لمرحلة "أوسلو" أثرٌ كبير على أسرى فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، إذ شعروا أن الاتفاق ينزع عنهم هويتهم الوطنية باعتبارهم "مواطنين إسرائيليين" وليسوا فلسطينيين انخرطوا في منظمة التحرير وقاتلوا من أجل تحرير وطنهم. وفي عام 1994، خاض الأسرى إضرابًا "سياسيًا" هو الأول من نوعه، طالبوا فيه المفاوض الفلسطيني بإدراج مطالب واضحة تتعلق بالإفراج عنهم. وتجدّد الإضراب في العام التالي (1995) احتجاجًا على تجاهل قضيتهم، وللضغط على طاولة التفاوض. وقد وجّه الأسرى خلال هذه الفترة رسائل عديدة إلى القيادة الفلسطينية، وهدّدوا بالدعوة إلى مقاطعة الانتخابات التي كانت السلطة تستعد لتنظيمها آنذاك.(12)

شهدت هذه المرحلة أيضًا حراكات جماهيرية متضامنة مع الأسرى، من أبرزها المسيرة التي انطلقت نحو سجن الجنيد في 25 يونيو/ حزيران 1995، والتي استُشهد خلالها ثلاثة فلسطينيين، وأُصيب عدد آخر برصاص قوات الاحتلال. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1998، انطلق الإضراب "السياسي الثالث" من سجن مجدو وامتد إلى سجون أخرى، احتجاجًا على ما وصفه الأسرى بـ"الإفراجات الشكلية" التي أعقبت اتفاقية "واي ريفر". شملت مطالب الأسرى حينها الاعتراف بهم كـ"أسرى حرب"، والإفراج عن 650 منهم، بمن فيهم أسرى القدس، والداخل، وأصحاب المحكوميات العالية. وقد تفاعل الشارع الفلسطيني بقوة مع هذا الإضراب، فيما أطلق عليه لاحقًا اسم "انتفاضة الحرية"، وفرضت قضية الأسرى نفسها بقوة على جدول زيارة الرئيس الأميركي حينها، بيل كلينتون، إلى الأراضي الفلسطينية.

رغم توقيع الاتفاقيات، استمر الاحتلال في تنفيذ حملات الاعتقال والتعذيب بحق الفلسطينيين. وقد استُشهد الأسير عبد الصمد حريزات تحت التعذيب في أحد مراكز التحقيق. كما واصلت إدارة السجون فرض ظروف لا إنسانية، وبرزت حينها ظاهرة "الإهمال الطبي المتعمد" التي أودت بحياة عدد من الأسرى، من بينهم يوسف العرعير من حي الشجاعية شرق غزة.

وفي عام 1998، اعترفت النائبة في "الكنيست" داليا أيزيك بأن نحو ألف تجربة لأدوية خطيرة تُجرى سنويًا على الأسرى الفلسطينيين، ما كشف عن جانب صادم من استغلال الأسرى في تجارب طبية. كما تعرّض أسرى آخرون، من بينهم محمد طقاطقة، وعبد الناصر عيسى، وتيسير سليمان، وحسن سلامة، ووليد عقل، إلى عزل انفرادي استمر شهورًا طويلة، دون استجابة من إدارة السجون لمطالبهم بإنهاء العزل، رغم خوضهم إضرابات في العام نفسه.(13)

حاول الأسرى في تلك المرحلة انتزاع حريتهم بأنفسهم، من خلال محاولات فرار نوعية من سجون عدة، أبرزها عسقلان، و"نفحة"، و"شطة"، وهي امتداد لسلسلة من عمليات الهروب التي نفذها الأسرى الفلسطينيون منذ خمسينيات القرن الماضي، ونجح عدد منها بالفعل.(14)

وفي مايو/ أيار 2000، خاض الأسرى إضرابًا عن الطعام بدأ من سجن "هداريم"، وسرعان ما انضمت إليهم سجون أخرى. وجاء الإضراب للمطالبة بجملة من الحقوق، على رأسها الإفراج عن دفعات من الأسرى ضمن المسار التفاوضي، وإخراج المعزولين من الزنازين الانفرادية. وقد شهدت الضفة الغربية وقطاع غزة حينها مواجهات شعبية تضامنية واسعة دعماً للأسرى، ما جعل من تلك المرحلة واحدة من المحطات التمهيدية الهامة التي مهّدت لاندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر/ أيلول من العام ذاته.

انتفاضة الأقصى.. القمع مرئيًا ومستترًا

خلال الفترة ما بين 2000 و2008، اعتقل الاحتلال أكثر من 62 ألف فلسطيني، غالبيتهم في سياق انتفاضة الأقصى التي تعدّها دراسات متعددة قد انتهت فعليًا في عام 2005. شملت الاعتقالات مئات النساء والأطفال، وحُكم على أعداد كبيرة منهم بالسجن المؤبد أو بأحكام تتجاوز العشر سنوات. كما خضع كثيرون للتحقيق والتعذيب في مراكز التوقيف المختلفة، بينما تعرّض آخرون للضرب المبرح خلال نقلهم بين السجون أو أثناء عرضهم على المحاكم، بذريعة "الانتقام" منهم بسبب مشاركتهم في عمليات عسكرية.(15)

رغم هذه الظروف، حافظت الحركة الأسيرة على حضورها داخل السجون، ووجّه الاحتلال اتهامات لعدد من قادة الأسرى بتنسيق عمليات من داخل المعتقلات. وردًّا على ذلك، عمدت إدارة السجون إلى عزل هؤلاء في زنازين انفرادية قاسية.(16) وقد مثّل تعيين أرئيل شارون للضابط العسكري السابق يعقوب جنوت على رأس إدارة مصلحة السجون نقطة تحوّل، إذ أُوكلت إليه مهمة تفكيك بنية الحركة الأسيرة وإضعافها. وبرز هذا النهج بوضوح في إضراب عام 2004، الذي يُعد محطة مركزية في مسيرة نضال الأسرى.

اعتقل الاحتلال أكثر من 62 ألف فلسطيني بين عامي 2000 و2008 غالبيتهم في سياق انتفاضة الأقصى - غيتي
اعتقل الاحتلال أكثر من 62 ألف فلسطيني بين عامي 2000 و2008 غالبيتهم في سياق انتفاضة الأقصى - غيتي

وصف الأسير الشهيد وليد دقة في دراسته "صهر الوعي"(17) الأجواء القمعية في السجون في تلك المرحلة، مشيرًا إلى نمط جديد من السيطرة الإسرائيلية وصفه بـ"الإبادة السياسية" المقنّعة. فقد باتت أدوات القمع ترتدي لبوس "الحداثة"، وتتجسّد في إشغال الأسرى بالتفاصيل اليومية والامتيازات الاستهلاكية، مثل "الكانتينا" (المتجر الداخلي)، بما يعمّق من حالة الاستنزاف الداخلي ويفكك التركيب السياسي والتنظيمي للحركة الأسيرة.

تزامنت هذه المرحلة مع انتقادات داخلية متزايدة في صفوف الأسرى أنفسهم، نتيجة تراجع دور الحركة الأسيرة وضعف علاقاتها الداخلية، وسط تنامي ظواهر مثل انشغال البعض بالهواتف المهربة أو تفضيل الراحة اليومية على العمل النضالي الجماعي. كما ألقت حالة الانقسام السياسي الفلسطيني، التي بدأت في الظهور بعد أحداث غزة عام 2007، بظلالها على أوضاع الأسرى، رغم محاولاتهم الحثيثة لتطويق آثار الانقسام. وقد أطلق عدد من قياداتهم وثيقة للمصالحة الوطنية من داخل السجون، إلا أن إدارة السجون الإسرائيلية سارعت إلى استغلال المبادرة لفصل الأسرى بناء على انتماءاتهم الحزبية، ففصلت بين كوادر حركتي حماس وفتح في الأقسام المختلفة.

مواجهة الانقسام من السجون وفيها

رغم تصاعد الخلافات السياسية، واصل الأسرى الفلسطينيون إدارة علاقاتهم الداخلية ضمن أطر تنظيمية انتخبتها كوادرهم، وسعوا للحفاظ على وحدة الحركة الأسيرة في مواجهة سياسات القمع الإسرائيلية. وقد شكّل إضراب عام 2012، الذي نتج عنه إنجازات أبرزها إنهاء العزل الانفرادي لعدد من القادة، محطة لالتقاط الأنفاس، رغم أن الإضراب لم يشمل جميع الأسرى، وسط شكوى من تراجع التفاعل الجماهيري مع قضيتهم، وهو ما برز بشكل صارخ في إضراب عام 2018.(18)

هذا التراجع مردّه إلى تغيّرات عميقة في الواقع الفلسطيني، لكنه لم يُلغِ الحضور السياسي لقضية الأسرى، التي ظلّت حاضرة في الخطاب الوطني، خاصة مع تصاعد ظاهرة الإضرابات الفردية، خصوصًا ضد سياسة "الاعتقال الإداري" التي تُنفّذ دون لوائح اتهام أو محاكمات.

وقد تدخلت فصائل المقاومة مرارًا للضغط على الاحتلال للإفراج عن الأسرى، عبر تنفيذ عمليات إطلاق صواريخ من قطاع غزة ردًّا على جرائم إسرائيل بحقهم، كما جرى بعد استشهاد الأسير المضرب الشيخ خضر عدنان في مايو/ أيار 2023.(19) كذلك، شكّلت قضية الأسرى دافعًا مباشرًا لعمليات خطف جنود إسرائيليين في الحروب المتتالية على غزة، وكان لها حضور بارز ضمن الأسباب التي ذكرها القائد العام لكتائب القسام، محمد الضيف، في انطلاق معركة "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.(20)

وشهدت الضفة الغربية أيضًا محاولات خطف، كما في عملية أسر المستوطنين الثلاثة في يونيو/ حزيران 2014، والتي تزامنت مع إضراب الأسرى الإداريين، في تفاعل ميداني مباشر بين المقاومة والحركة الأسيرة.(21)

في الوقت نفسه، صعّدت سلطات الاحتلال من انتهاكاتها، لا سيما بحق الأسرى المرضى، وسط تصاعد سياسة "الإهمال الطبي المتعمّد" التي أدت إلى استشهاد عدد منهم(22) وإصابة آخرين بأمراض مزمنة، أبرزها السرطان. وقد نفّذت الحكومة الإسرائيلية مخططات عدّة تستهدف الأسرى، من أبرزها التوصيات التي قدمتها لجنة خاصة ترأسها وزير الأمن الداخلي السابق، جلعاد أردان، لتشديد ظروف اعتقالهم وتقييد حقوقهم.(23)

لكن ذلك لم يمنع الأسرى من تحقيق إنجازات، خصوصًا في ميدان التعليم. كما برزت في هذه المرحلة ظاهرة "النطف المهربة"، التي منحت الأسرى المحكومين بالمؤبدات أو الأحكام العالية فرصة الإنجاب رغم القيود القاسية. وفي ذروة هذه المرحلة، برزت عملية "نفق الحرية" في سبتمبر/ أيلول 2021، والتي انتزع فيها ستة أسرى حريتهم من سجن "جلبوع" شديد التحصين، لتصبح إحدى أبرز عمليات التحرر الذاتي في تاريخ الحركة الأسيرة.(24)

الشهور الأقسى.. حرب في السجون

منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، شنّت إدارة السجون الإسرائيلية حملة قمع غير مسبوقة بحق الأسرى الفلسطينيين، بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي دخل الحكومة حاملًا خطة علنية لحرمان الأسرى من حقوقهم الأساسية وتفكيك الجسم التنظيمي للحركة الأسيرة.

جاء ذلك بالتوازي مع حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية والقدس، تجاوز عددها 18 ألف حالة، من بينهم 560 امرأة و1450 طفلًا، إلى جانب آلاف المعتقلين من قطاع غزة. وتؤكد المؤسسات الحقوقية أنه لا تتوافر إحصاءات دقيقة بشأن عدد معتقلي غزة بسبب سياسة الإخفاء القسري التي ينفذها الاحتلال.(26)

أعلنت مؤسسات الأسرى عن استشهاد 74 أسيرًا خلال الشهور الأولى للحرب، وهو عدد غير مسبوق في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية. وكشفت تقارير حقوقية وشهادات محررين عن جرائم بشعة مارستها قوات الاحتلال داخل السجون ومراكز الاحتجاز، من بينها الاغتصاب، والتعذيب الوحشي، والحرمان من الطعام والعلاج، والمنع التام للزيارة أو التواصل مع العالم الخارجي.

برز اسم معسكر الاعتقال في "سديه تيمان" كموقع رئيسي لممارسات التعذيب، وفق شهادات أسرى محررين ومؤسسات حقوقية.(27) كما استخدمت قوات الاحتلال الأمراض وسيلة للتعذيب، مثل تعمد تفشي مرض "السكابيوس/ الجرب" داخل أقسام الاعتقال، وحرمان الأسرى من العلاج أو أدوات النظافة.

كما حظرت سلطات الاحتلال دخول المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الصليب الأحمر، للاطلاع على أوضاع الأسرى، ما يشير إلى سياسة ممنهجة لعزلهم وتغييبهم عن أعين العالم.(28)

ورغم محاولات الطمس والعزل، يستمر الأسرى الفلسطينيون في تحويل جدران السجون إلى جبهات مقاومة، تعكس جوهر الصراع على الأرض والكرامة، مستندين إلى تراكم عقود من الخبرة النضالية، ومراكمة أدوات المواجهة، في مواجهة منظومة قمع باتت أكثر فتكًا وتوحشًا من أي وقت مضى...

المراجع

  1. رأفت حمدونة، تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية 🔗 مصادر متعددة تشير إلى تجربة الحركة الأسيرة خلال فترة الاحتلال البريطاني
  2. عن الأسير محمود بكر حجازي 🔗 https://www.wafa.ps/pages/details/19688
  3. من بين السجون الإسرائيلية 🔗 الدامون، هشارون، نفحة، عسقلان، بئر السبع، ريمون، جلبوع، شطة، تلموند، كفار يونا، عوفر، مجدو، الجلمة، المسكوبية، بتاح تكفا، حرمون، عتليت، إيشل، هداريم، الرملة وغيرها
  4. قدري أبو بكر، وأحمد حسن أبو غوش، وعطية عدنان، "المعتقلون الفلسطينيون من القمع إلى السلطة الثورية" 🔗 كتب وشهادات من أسرى خاضوا التجربة
  5. عن سياسة استغلال الأسرى في المرافق 🔗 https://info.wafa.ps/pages/details/32881 حول تاريخ إضرابات الأسرى 🔗 https://cda.gov.ps/index.php/ar/ar-prisoner-movement/history-of-pri-m/6773-2019-05-28-19-13-23
  6. موسى الشيخ أبو كبر، ومحمد البيروتي، "الشمس تولد من الجبل" 🔗 https://ultrapal.ultrasawt.com/الشمس-تولد-من-الجبل
  7. رأفت حمدونة، تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية (مصدر سابق)
  8. عن تحويل الأسرى الاعتقال إلى فرصة للتعلّم 🔗 https://www.palestine-studies.org/ar/node/1652979
  9. حسن محمد، "الصحافة العبرية في تجربة المعتقلين الفلسطينيين"، رسالة ماجستير، جامعة القدس
  10. للاطلاع على قائمة الأسرى الشهداء 🔗 https://info.wafa.ps/pages/details/32943
  11. عيسى قراقع، "الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية بعد أوسلو"، رسالة ماجستير، جامعة بيرزيت
  12. حسن سلامة، "5000 يوم في البرزخ" 🔗 مذكرات من العزل الانفرادي
  13. عن عمليات الهروب من السجون الإسرائيلية 🔗 https://www.palestine-studies.org/ar/node/1651574
  14. إحصائيات حول الأسرى حتى 2008 🔗 https://info.wafa.ps/pages/details/32903
  15. الشيخ محمد أبو طير، "سِيدي عمر: ذكريات الشيخ محمد أبو طير"، مركز الزيتونة 🔗 https://www.alzaytouna.net/product/سِيدي-عُمَر-ذكريات-الشيخ-محمد-أبو-طير
  16. عن كتاب "صهر الوعي" وتجربة الأسير الشهيد وليد دقة 🔗 https://ultrapal.ultrasawt.com/وليد-دقة-الوعي-الذي-لم-ينصهر
  17. حول نقاشات إضراب 2018 🔗 https://www.palestine-studies.org/ar/node/1635790
  18. إعلان الغرفة المشتركة عن القصف ردًا على استشهاد الشيخ خضر عدنان 🔗 https://www.alaraby.com/news/إسرائيل-تقصف-غزة-والمقاومة-ترد
  19. خطاب محمد الضيف في معركة طوفان الأقصى – ذكر الأسرى ضمن أهداف العملية 🔗 https://www.youtube.com/watch?v=5uKXuv6Wf54
  20. عن عملية خطف المستوطنين الثلاثة، يونيو/ حزيران 2014 🔗 https://www.maannews.net/news/725394.html
  21. عن سياسة الإهمال الطبي في تلك المرحلة 🔗 https://www.wafa.ps/pages/details/61476
  22. تقرير عن لجنة أردان والإجراءات القمعية بحق الأسرى 🔗 https://www.plo.ps/ar/article/49626
  23. توثيق جرائم الاحتلال في سجن سديه تيمان 🔗 https://prc.org.uk/ar/post/4823
  24. تقارير لنادي الأسير الفلسطيني 🔗 مذكورة دون رابط محدد
  25. جانب من الانتهاكات خلال الحرب 🔗 https://www.palestine-studies.org/ar/node/1656404
  26. تقرير عن سجن سديه تيمان بوصفه "غوانتانامو الاحتلال" 🔗 https://prc.org.uk/ar/post/4823
  27. عن استخدام الأمراض في تعذيب الأسرى 🔗 https://www.ppsmo.ps/home/news/17350?culture=ar-SA
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي